الانقلاب الأميركي على الائتلاف الشيعي وما بعده   
الثلاثاء 1427/2/14 هـ - الموافق 14/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 14:28 (مكة المكرمة)، 11:28 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

- الفشل في تحجيم الائتلاف برلمانيا
- الهجوم على الائتلاف تحت عنوان الطائفية
- إيران وسط المعمعة
- الحكيم إذ يهدد بالثورة
- الحرب الأهلية في سياق المعركة

منذ التحضيرات الأولية للانتخابات العراقية التي أجريت في الخامس عشر من ديسمبر/كانون الأول الماضي بدا واضحاً أن موقفاً أميركياً جديداً قد أخذ يتبلور من الائتلاف الشيعي بزعامة عبد العزيز الحكيم وإبراهيم الجعفري، ويتمثل ذلك الموقف في السعي إلى تحجيم الائتلاف على نحو لا يجعله اللاعب المتفرد بالساحة.

قام المخطط الذي صاغه السفير الأميركي زلماي خليل زاده على دعم إياد علاوي والكتلة الكردية إلى جانب الكتلة العربية السنية، بحيث تستطيع هذه التجمعات الثلاثة أن تحصل على ما يزيد عن نصف عدد المقاعد في الجمعية الوطنية، الأمر الذي يوفر لعلاوي فرصة تشكيل الحكومة بمشاركة جميع الأطراف، بمن فيها الائتلاف الشيعي.

لم تنجح اللعبة، وتمكن الائتلاف من قلب الطاولة في وجه ترتيبات زاده بحصوله على رقم كبير من المقاعد بدا مفاجئاً بكل المقاييس، وبالطبع مقارنة مع ما حصل عليه في الانتخابات السابقة في ظل مقاطعة العرب السنة.

لم يحدث ذلك بمحض الصدفة، بل كان نتاجاً لوضع معقد على الأرض يتمثل في هيمنة جماعة الائتلاف على الشأن المحلي بكل تفاصيله الأمنية والمؤسساتية، مما سهل التلاعب بالانتخابات، لاسيما إثر استدراج التيار الصدري إلى صفوفه، وهو ما مكّن قادته من القول إن ائتلافهم هو الممثل الشرعي والوحيد للشيعة.

"
أولى بجبهة التوافق أن تدخل في حوار مباشر مع الجعفري بعيدا عن الأميركان والطالباني من أجل مشاركة ينبغي أن تخضع لاعتبارات المصالح العليا للعرب السنة
"
كانت معركة حامية الوطيس استخدمت فيها الحشود الدينية والطائفية على نحو استثنائي، وتمكن الائتلاف خلالها من حصد 128 مقعداً لم تترك بينه وبين الغالبية سوى ثمانية مقاعد، من بينها مقعدان لقائمة رساليون المقربة من الصدريين، في حين فشل إياد علاوي في الحصول على رقم محترم (25 مقعداً).

أما العرب السنة فكان رقمهم أقل من المأمول، وإن بدا معقولاً في ظل التمييز ضد محافظاتهم في توزيع المقاعد على المحافظات قياساً بالأكراد، وإلى حد ما الشيعة.

ما ينبغي التذكير به هنا هو أن لعبة تبني مطالب العرب السنة من قبل الأميركان لم تأت من أجل سواد عيونهم، لاسيما أنهم الطرف الأول المشكوك في ولائه لواشنطن، بل جاءت أملاً في إقناع القوى المشاركة في الانتخابات من بينهم بالمشاركة تالياً في الحكومة على نحو معقول يمكن من خلاله إقناع الشارع العربي السني بالإقلاع عن دعم المقاومة واحتضان رجالها وفعالياتها، لاسيما وأن القوى المذكورة كانت ولا تزال مندفعة في هذا الاتجاه وبالطبع ضمن رؤية تتحدث عن المظالم الكبيرة التي وقعت للعرب السنة بسبب التطهير العرقي الذي تعرضوا له خلال المرحلة الماضية على يد الحكومة الطائفية بزعامة الجعفري.

الفشل في تحجيم الائتلاف برلمانيا
في ضوء النتائج التي حصل عليها الائتلاف الشيعي، شعر زلماي خليل زاده بالكثير من الخيبة، لكنه لم ييأس، وهو المعروف بأنه أحد أركان حزب المحافظين الجدد الذين نظروا لحرب العراق كمقدمة للقرن الإمبراطوري الأميركي الجديد.

وقد بدأ مناورة جديدة تتحرك في اتجاهين: الأول يسعى إلى دفع الائتلاف الشيعي إلى التنازل عن جزء من مكتسباته للآخرين من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركتهم، على أمل أن يؤدي ذلك إلى دمجهم في العملية السياسية ووقف دوامة العنف وإيجاد صيغة مخرج شريف لمشروع الاحتلال لا يحقق كامل المطلوب، لكنه لا يصل حدود الاعتراف بالفشل.

أما الاتجاه الثاني فيتحرك على قاعدة فك الارتباط بين القوى العاملة في الميدان السياسي في أوساط العرب السنة وبين قوى المقاومة، وذلك على أمل أن يستتب الأمن في المناطق الملتهبة مما يوفر للأميركيين فرصة الخروج من تلك المناطق إلى قواعد عسكرية مؤقتة على مشارفها، الأمر الذي يقلل خسائرها البشرية.

وقد تابعنا محاولات حثيثة لشق صفوف المقاومين عبر الحديث عن معتدلين ومتطرفين، ومن خلال التركيز على شائعات تتحدث عن مطاردة جماعة الزرقاوي في مناطق الأنبار، فضلاً عن أخرى تتحدث عن حوار مع بعض قوى المقاومة، مع استغلال ذكي لبعض عمليات الاغتيال هنا وهناك من أجل ضرب المصداقية الشعبية لبعض قوى المقاومة وتأليب الناس ضدها.

وقد لوحظ في هذا السياق أن وسائل إعلام بعينها ركزت على نحو مفرط على قضية الزرقاوي في الأنبار حتى غدت مادة يومية بالنسبة لها، وبالطبع على أمل أن يؤدي ذلك إلى تفكيك مداميك المقاومة ووسائل دعمها في تلك المنطقة الحيوية.

ليس من العسير القول إن هذا الاتجاه الأخير لم يحقق المطلوب منه إلى الآن، إذ توحدت قوى المقاومة في رفضها الدخول في معارك جانبية بين بعضها البعض، في حين تبين أن بعض الرموز العشائرية المستخدمة في المعركة كانت مأجورة ولا تمثل عشائرها.

يضاف إلى ذلك أن أي نجاح ولو نسبي لهذا المسار لا يمكن أن يتوفر من دون حصول العرب السنة على وضع معقول في الحكومة الجديدة التي طال أمد تشكيلها على نحو كبير، وفي نفس الوقت باءت محاولات القوى العربية السنية لتعديل نتيجة الانتخابات من خلال الاحتجاج على التزوير بالفشل الذريع.

الهجوم على الائتلاف تحت عنوان الطائفية
"
وجود الأميركيين  في العراق هو نقطة الضعف التي سيبتزهم من خلالها الإيرانيون، وليس تصريح الصدر في طهران باستعداده لمساعدة إيران إذا تعرضت لهجوم أميركي إلا مصداق لذلك
"
عودة إلى الاتجاه الأول ممثلاً في محاولات زلماي خليل زاده تحجيم الائتلاف من خلال الضغوط السياسية، يلاحظ أن ذلك قد جاء من خلال جملة من التصريحات التي تتهم بعض رموز الائتلاف بالطائفية، ومطالبتهم بتشكيل حكومة وحدة وطنية لا يشارك فيها المتهمون بالممارسات الطائفية.

تطورت هذه اللعبة مع الوقت، ودخل الأكراد على الخط مستهدفين إبراهيم الجعفري الذي نجح في التصويت الداخلي في الائتلاف بفارق صوت واحد عن مرشح المجلس الأعلى بزعامة عبد العزيز الحكيم عادل عبد المهدي، وذلك بعد حصول الأول على دعم مطلق من التيار الصدري الذي يحظى بربع مقاعد الائتلاف في الجمعية الوطنية.

بحسب الرؤية الأميركية، فإن الجعفري ليس مناسباً للحكومة، ربما لكونه أكثر أصولية من عادل عبد المهدي، وربما بسبب علاقته الوثيقة بالتيار الصدري الرافض للاحتلال، وربما أيضاً لاقترابه من إيران التي تتصدر هذه الأيام لائحة العداء في مسلسل المحافظين الجدد.

في المقابل يبدو الأكراد مناهضين للجعفري لاعتباراتهم الخاصة المتعلقة بكركوك، وهي مدينة مختلطة يريد الأكراد ضمها إلى إقليمهم، الأمر الذي يرفضه الجعفري والتيار الصدري، بل ويرفضه العرب السنة أيضا.

وهنا تحديداً تتبدى لعبة الطالباني في استدراج القوى العربية السنية نحو وضع فيتو على الجعفري، مع أنهم لا يوافقون على مقولاته بشأن كركوك، كما لا يوافقون على أن عادل عبد المهدي أفضل منه، لاسيما في ظل اقتراب الأول من التيار الصدري صاحب المواقف المنحازة لوحدة العراق، خلافاً لجماعة المجلس الأعلى، فضلاً عن موقفه (أي التيار الصدري) من جدولة انسحاب قوات الاحتلال.

كان أولى بجبهة التوافق، ولم يفت الأوان بعد، أن تدخل في حوار مباشر مع الجعفري بعيدا عن الأميركان، وكذلك عن الطالباني، من أجل المشاركة في الحكومة، مع أن مبدأ المشاركة ينبغي أن يخضع لاعتبارات المصالح العليا للعرب السنة، لاسيما قضاياهم الرئيسية مثل المعتقلين واستهداف مناطقهم، وكذلك الأمر بالنسبة للتطهير العرقي الذي تعرضوا ويتعرضون له.

إيران وسط المعمعة
من الواضح أن التصعيد الأميركي في مواجهة الائتلاف الشيعي ذو صلة مباشرة بالتصعيد الآخر مع إيران الذي بلغ مداه في الأسابيع الأخيرة بعد إحالة الملف النووي إلى مجلس الأمن، من دون أن يقلل ذلك من أهميته في سياق ترتيب الملف العراقي نفسه.

يدرك الأميركيون بالطبع أن وجودهم في العراق هو نقطة الضعف التي سيبتزهم الإيرانيون من خلالها، وقد كان لافتاً أن يصرح مقتدى الصدر في طهران باستعداده لمساعدتها إذا ما تعرضت لهجوم أميركي. ولا بأس من إضافة إمكانية التأثير الإيراني على الوجود الأميركي في أفغانستان.

"
نهج المقاومة السياسية الذي تبناه الائتلاف إنما هو خيار أولي لا يقفل الباب أمام الخيارات الأخرى، ومن بينها المقاومة المسلحة في حال تلكؤ المحتل وتغيير نواياه في مغادرة العراق
"
على هذه الخلفية جاءت التصريحات الأميركية بشأن تسلل عناصر من الحرس الثوري الإيراني إلى العراق، مع أن ذلك ليس جديدا بحال، فضلاً عن أن إيران ليست في حاجة إلى متسللين جدد في ظل وجودها المكثف في الساحة.

ومن المعروف أن هذا الوجود يتجاوز القوى الشيعية والرموز الدينية إلى العمل المباشر بين الناس، كما يتجاوز ذلك كله إلى التحرك داخل قوى المقاومة عبر مدها بالدعم، ولو بأسلوب غير مباشر مثل بيع الأسلحة والعبوات عن طريق تجار السلاح.

من المؤكد أن إيران لم تستخدم أكثر أوراقها في العراق بعد، وسيجد الأميركيون لاحقاً أن المسألة أكثر تعقيداً مما يظنون في حال تورطهم في معركة أكبر مع الإيرانيين على خلفية الملف النووي.

ولن يكون ذلك فقط من خلال العمل المسلح واستخدام كافة القوى في الساحة من أجل مطاردة الأميركيين، وإنما قلب الطاولة في وجههم من خلال الرموز الدينية أيضاً، ويكفي أن يعلن السيد السيستاني العصيان المدني في وجه الأميركان حتى يغدو وضعهم بالغ الصعوبة.

الحكيم إذ يهدد بالثورة
ضمن هذا السياق الذي نحن بصدده جاءت تصريحات السيد عبد العزيز الحكيم، قائد ما يعرف بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية التي وردت في رسالة سربت نهاية الأسبوع الأول من مارس/آذار الجاري، وجاءت ضمن أجواء المطالبة بتنحية الجعفري عن منصب رئيس الوزراء واستبداله عادل عبد المهدي به.

وفي حين يفضل الحكيم صاحبه عبد المهدي، فإنه يدرك في المقابل دلالة الموقف من ناحية سياسية في ظل خطاب أميركي ينحاز إلى العرب السنة والأكراد.

في رسالته المثيرة، قال الحكيم إن نهج المقاومة السياسية الذي تبناه الائتلاف إنما هو "خيار أولي لا يقفل الباب أمام الخيارات الأخرى، ومن بينها المقاومة المسلحة، في حال تلكؤ المحتل وتغيير نواياه في مغادرة العراق".

هكذا يتحدث الحكيم للمرة الأولى عن خروج قوات الاحتلال كمطلب أساسي، في ذات الوقت الذي يلوح فيه بالثورة المسلحة في وجهها كخيار قائم، مما يعني أن صبر الائتلاف على تدخلات زلماي خليل زاده قد أخذ ينفد.

لا يعني ذلك بالطبع أن ماراثون تشكيل الحكومة العراقية سيكون قصيرا، أو أن سبب التأخير هو تدخلات زاده دون سواها، ذلك أن الخلافات حول التشكيل لا تزال قائمة حتى بين أعضاء الائتلاف أنفسهم، أي في سياق توزيع الكعكة، لاسيما ما يتعلق بوزارات السيادة التي يريد الآخرون حصة فيها، في حين يرغب السفير الأميركي في منح وزارة الداخلية لرجل من خارج الائتلاف، ربما من كتلة إياد علاوي التي تصنف على أنها كتلة غير طائفية.

"
الخطورة فيما يجري هي ما حذر منه مدير الاستخبارات الأميركية والسفير السابق في العراق، من قيام حرب واسعة بين السنة والشيعة ليس في العراق وحسب، وإنما في المنطقة كلها
"
الحرب الأهلية في سياق المعركة

تحضر مسألة الحرب الأهلية التي تطل برأسها في العراق كجزء لا يتجزأ من المعركة السياسية الدائرة في العراق بين الائتلاف الشيعي من جهة، وبين الأميركان والأطراف الأخرى من جهة أخرى.

وهنا يمكن القول إن واشنطن لا تملك رؤية واضحة للتعاطي مع الملف العراقي برمته، وإنما تديره على طريقة المياومة، لاسيما بعد أن تأكد أنه أكثر تعقيدا بكثير مما اعتقد المحافظون الجدد.

لا شك في أن شكلاً من أشكال الحرب الأهلية قد غدا أمراً واقعاً في العراق، لكن ذلك لا يعني أن ما يجري هو الحرب الأهلية بمعناها الحقيقي، وقد بدا لافتاً أن الأميركان لم يعودوا محرجين في حديثهم عن تلك الحرب، مما يعني أن استبعادها لم يعد يعنيهم، وقد وصل بهم الحال حد القول إنهم لن يتدخلوا فيها إذا اندلعت.

هنا تتبدى الخطورة فيما يجري، وقد كان لافتاً أن يحذر جون نيغروبونتي، مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية، والسفير السابق في العراق، من حرب واسعة بين السنة والشيعة ليس في العراق وحسب، وإنما في المنطقة كلها أيضاً.

كل ذلك يشير إلى أن الفشل الأميركي في العراق قد يدفع نحو سيناريو حرب أهلية تصل بالعراق حد التقسيم، وحين يحدث ذلك ستدب الفوضى في المنطقة، بينما يمكن أن تنتقل عدوى التقسيم إلى العراق والسعودية.

وفي العموم فإن حالة الفوضى ستخدم الإستراتيجية الإسرائيلية ما دام نجاح مشروع احتلال العراق غير ممكن في ظل الظروف الراهنة.

أليست هذه هي الفوضى البناءة التي تحدثت عنها كوندوليزا رايس؟

في ضوء ذلك كله ليس أمام إيران والعرب سوى ترتيب حل عربي إسلامي للأزمة في العراق يحقق استقلاله ويحافظ على وحدته، لكن العجز العربي أمام واشنطن قد يحول دون ذلك، لأن ترتيبا من هذا النوع لا بد أن يتضمن إخراج قوات الاحتلال وصولاً إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تهيئ البلاد لديمقراطية غير طائفية تنطوي على قدر كبير من العدالة للجميع.

إذا لم يحدث ذلك فإن الفوضى هي المسار المتوقع، لكنها لن تكون بالضرورة في صالح الأميركان والمشروع الصهيوني، ليس بسبب غياب الاستقرار في المنطقة وما يتبعه من ارتفاع مذهل في أسعار النفط فحسب، بل أيضاً، وهذا هو الأهم، لأن الحريق سيغدو قريباً من تل أبيب، في ظل ثورة أصولية تتمنى يوم المواجهة مع الغزاة في أكناف بيت المقدس.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة