القرار الأممي في اليمن.. تداعيات وتأثيرات   
الأحد 1435/5/8 هـ - الموافق 9/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)
عارف أبو حاتم



استثمار القرار الأممي
إفزاع صالح
فرصة الحراك والحوثيين
المأزق الغربي في اليمن

عشية استعداد الرئيس اليمني السابق للاحتفال بما أسماه "يوم الوفاء" 27 فبراير/شباط يوم تسليمه السلطة لسلفه الرئيس هادي، قبل عامين، باغته قرار مجلس الأمن بحزمة من الوعيد والتهديد جعلته في صبيحة اليوم التالي يلقي كلمة فيها من الحزن أكثر مما فيها من السياسة.

استثمار القرار الأممي
يحق للرئيس هادي وحده الابتهاج بالقرار الأممي 2140 ولا أحد غيره يستطيع استثمار القرار على النحو الذي يلبي تطلعاته وطموحاته السياسية، فهذه نصوص دولية تضع في يد هادي قوة إضافية إلزامية تمكنه من تطويع المتمردين وعدم المنصاعين له، أما ابتهال قادة الأحزاب والسياسيين بالقرار، فقد انطلق من أنه يقيد تحركات وتطلعات خصمهم اللدود صالح، ويزيد من ثبات عملية التحول السياسي التي يسعون لأن يكونوا أحد أهم عناوينها المستقبلية.

يحق للرئيس هادي وحده الابتهاج بالقرار الأممي 2140 ولا أحد غيره يستطيع استثمار القرار على النحو الذي يلبي تطلعاته، فهذه نصوص دولية تضع في يده قوة إضافية إلزامية تمكنه من تطويع المتمردين

لا أخلاق في السياسة، بل مصالح قابلة للتغيير، لنتذكر: كان حزب الإصلاح الإسلامي المعارض أهم وأبرز حليف سياسي للرئيس السابق خلال حرب صيف 1994 التي سعت من خلالها قيادات جنوبية إلى فك الارتباط مع الشمال، وعقب الحرب وانتصار الطرف الشمالي، دخل "الإصلاح" مع حزب صالح "المؤتمر" في ائتلاف ثنائي تشكلت بمقتضاه حكومة الرجل الصلب فرج بن غانم، الذي لم يدم في رئاستها غير سنة واحدة واستقال، وتولى رئاستها السياسي عبد العزيز عبد الغني.

وقبل منتصف العام 1997 ركل المؤتمر حليفه الإصلاح إلى خارج قوائم الائتلاف، وخرج وزراء الإصلاح من الحكومة احتجاجا على فسادها، ليعود الإصلاح مرة أخرى إلى التحالف مع صالح في الانتخابات الرئاسية 1999، وبخطى واثقة سبق رئيس حزب الإصلاح إلى إعلان صالح مرشحا رئاسيا لحزبه، قبل أن يعلن المؤتمر مرشحه، وبعدها بأقل من سنتين كان حزب صالح يلتهم مقاعد الانتخابات المحلية، ويقصي الإصلاح ما أمكنه ذلك.

إذن لا أخلاق في السياسة، بمعنى إذا لم يستقم الإصلاح وآل الأحمر واللواء علي محسن مع رغبات هادي السياسية فإن سوط القرار الأممي الجديد سيكون قريبا من ظهورهم، فالقرار يتحدث عن تشكيل لجنة أممية مهمتها العمل في اليمن خلال 13 شهرا فقط، وعليها الإسراع في الحضور والعمل وتنفيذ مهامها المحددة والتي تشمل "التحقيق وجمع المعلومات والأدلة عن المعرقلين للعملية السياسية" وبهذا المعنى ستكون اللجنة أشبه بقسم شرطة في اليمن، ومن شأنها إثارة فزع كل من توافقت رغبات هادي وسفراء الدول العشر على تسميته معرقلا.

إفزاع صالح
لا شك أن لدى الرئيس هادي ملفات ضخمة تثبت تورط سلفه صالح بعمليات عرقلة للتسوية السياسية في اليمن، يأتي في مقدمتها الاختلالات الأمنية، وتشجيع ضرب أبراج الكهرباء وأنابيب النفط والغاز، ما جعل الدولة تخسر مليارات الدولارات، مضافا لذلك تحريض وسائل إعلامه على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، والتصعيد المستمر ضد حكومة الوفاق.

والحديث عن تجميد الأموال والأصول هذه المرة لن يكون تكهنات كالسابق، لأن المتحدثين لن يكونوا شبابا تحركهم الأحزاب، ولا أحزابا مهمتها إطلاق فقاعات استفزازية، بل لجنة عقوبات أممية، تتبع دولا تحتفظ بكامل المعلومات عن كل مبلغ تم نهبه من المال العام، وكل أصول وممتلكات الناهبين في الداخل والخارج.

فالمادة (11) من القرار الأممي تلزم جميع الدول الأعضاء في مجلس الأمن بـ"بتجميد جميع الأموال والودائع المالية الأخرى والموارد الاقتصادية الموجودة على أراضيها، التي يملكها أو يتحكم فيها بشكل مباشر أو غير مباشر أفراد أو كيانات أو من ينوب عنهم ويأتمر بهم من تسميهم لجنة العقوبات. وبحسب القرار سيستمر هذا التشديد لمدة سنة أولية، ربما تكون قابلة للتمديد، وذهب القرار إلى أبعد من ذلك بإلزام جميع الدول الأعضاء بمنع سفر من تسميهم اللجنة أو حتى مجرد العبور على أراضيها.

لو أن الحراك تحول إلى حزب سياسي موحد القيادة لتمكن من سحب البساط من تحت جميع الأحزاب السياسية الجنوبية، وسيتمكن من السيطرة على المقاعد البرلمانية والبلدية

وإذا ما قررت لجنة العقوبات العمل بجدية لصالح الدولة اليمنية وليس لمصالح رعاة المبادرة الخليجية، فإنها ستعيد لخزينة الدولة عشرات مليارات الدولارات، وستفضح بملكية مَنْ، وبأي طريقة خرجت من البلاد، ومن عمل على تبييض أو غسيل هذه الأموال، وستكشف الأشخاص والشركات الذين تولوا عمليات التحويل والغسيل في الداخل والخارج، وما قيمة الأسهم التي يمتلكونها في الشركات الأجنبية.

فمثلا في التحقيق الاستقصائي الذي أعده الصحفي المصري علي زلطة تبين أن مبارك كان يهرب أمواله للخارج عبر الملياردير صلاح سالم، والأخير كان يتعامل مع شركات تبييض أموال في أوروبا وأميركا اللاتينية، قبل أن تعود الأموال إلى حساباته بصفتها أرباحا عن تجارة دولية.

ليس لدي ثقة بأحد حول إعادة الأموال المنهوبة، ودول الغرب اعتادت أن تأخذ خُفيةً ضعف ما تعطي علنا، وحتى اللحظة لم تتمكن إيران من استرداد أموال الشاه، الحاكم الذي قامت الثورة ضده قبل 35 سنة، ولم تستطع ليبيا استرداد شيء من أموال القذافي وعائلته التي قيل إنها تجاوزت 130 مليار دولار، ولا التونسيون استردوا شيئا من أموال زين العابدين وعائلته وأصهاره من آل الطرابلسي والماطري، ولا المصريون أعادوا شيئا من أموال مبارك وعلاء وجمال.

فكلها أموال دخلت الثقب الأسود، وستبتلعها دول الغرب تحت أي مسمى، ولا أخلاق في السياسة.
أما علي صالح فقد ظل يسخر من الحديث عن الأموال المنهوبة، ويقول بتندر: "لماذا لا يعلنون عن أرقام ويتجهون إلى القضاء؟"، قال ذلك في ظل تواتر أنباء عن تحويله وعائلته لمليارات الدولارات من بنوك غربية إلى بنوك دبي وبيروت.

وفي اليمن هناك بنوك وجامعات أهلية ومستشفيات، وشركة كبيرة، تضخ سنويا ملايين الدولارات إلى حسابات أفراد في الأسرة الحاكمة سابقا بحجة أنها أرباح لاستثماراتهم، وبعضهم تم تقييد أسمائهم في بنوك أوروبا ودبي والبحرين بصفتهم رجال أعمال وأعضاء مجالس إدارة في هذه المؤسسات.

فرصة الحراك والحوثيين
القرار الأممي تحدث عن الحراك الجنوبي وجماعة الحوثيين، ودعاهم إلى نبذ العنف، وتسمية القرار لهذين الكيانين يضعهما أمام فرصة تاريخية، فتسميتهما في القرار يعد اعترافا دوليا بكونهما قوة سياسية على الأرض، لكنها قوة مدانة بالعنف وترهيب الناس بقوة السلاح، وتحولهما إلى أحزاب سياسية مدنية، سيكسبهما مزيدا من القوة والحضور والتعاطف الشعبي، خاصة الحراك الجنوبي الذي استطاع عبر مؤتمر الحوار أن ينتزع قرارات حاسمة تخدم القضية الجنوبية.

ومن شأن هذا أن يضع الرؤوس المتصارعة على قيادة الحراك أمام مسؤولية تاريخية في تحويله إلى قوة سياسية سلمية، ذات نضال مشروع.

وفي تقديري لو أن الحراك تحول إلى حزب سياسي موحد القيادة لتمكن من سحب البساط من تحت جميع الأحزاب السياسية الناشطة في الجنوب، وسيتمكن من السيطرة على المقاعد البرلمانية والبلدية، وسيصبح قوة سياسية مدنية فاعلة.

أما النضال بقوة السلاح، وبقيادات متصارعة وشامتة ببعضها، فإنه سيفت في عضد القضية الجنوبية كقوة جامعة، وسيتحول الحراك وقادته إلى جماعات تلاحقها العقوبات الدولية بصفتها معيقة لعملية التحول السياسي، أو معرقلة لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني، أو مخططة لأعمال تنتهك القانون الدولي، وهذه أصناف ثلاثة حددها وهددها القرار الأممي.

مجلس الأمن لا يعترف بالحصانة التي منحها البرلمان اليمني لصالح، وهذا ما جعله يعتبر قرار المجلس "تهديدا لكل اليمن" وليس لشخصه، قبل أن يبادر عقلاء حزبه إلى الترحيب بالقرار

المأزق الغربي في اليمن
إحدى إشكالات الغرب أنه يتعامل مع اليمن كهاجس أمني يهدد مصالحه في المنطقة، وليس كدولة مهددة بالفشل والاحتراب الداخلي، وفيها من يسعى لأن تكون كذلك، والمجتمع الدولي لا يسعى ولا يريد أن تتحول اليمن إلى دولة قوية تبسط نفوذها على كامل أراضيها، أو قادرة على استثمار كافة مواردها، ومتماسكة في جبهتها الداخلية، بل يريدها دولة يتوفر فيها الحد الأدنى من العافية، بما يكفي لأن تقمع الإرهاب، وتثير شفقة المانحين، فيما تظل الإملاءات الخارجية تتقاطع وتتصارع في الداخل اليمني، بين رغبات إقليمية ودولية، وما عجزت عنه سيُنَفذ عبر مراكز قوى، بعناوين وطنية براقة.

لا مخرج أمام اليمنيين لبناء وطنهم، غير تنفيذ مخرجات الحوار الوطني التي أجمعت عليها كافة القوى السياسية، بتأييد شعبي ودولي واسع، بما في ذلك إعادة شكل الدولة.

فالقرار الأممي دعا إلى دعم تحول اليمن من دولة وحدوية إلى دولة اتحادية، وهذا ضمنيا يعد اعترافا من هيئة الأمم المتحدة بانتهاء دولة الوحدة الاندماجية القائمة بين شطري اليمن منذ العام 1990.

وقبل أن يكون الخطر داخليا، هناك رغبات دولية وإقليمية تسعى بكل الطرق -بما فيها غير المشروعة- لأن يكون اليمن الجديد مفصلا على مقاسها ومطامعها في اليمن، وثمة دول لا تريد لرئاسة هادي أن تستمر أو تطول، ودول تدعم عودة عائلة صالح للحكم، فيما القرار الأممي تعامل بحزم وقسوة مع هذه الرغبات، ودعا إلى "طي صفحة عهد علي عبد الله صالح"، وقيّد نشاطه السياسي، من خلال حثه للحكومة على التسريع بتشكيل لجنة للتحقيق في أحداث العنف في 2011.

وهو ما يعني بلغة واضحة أن مجلس الأمن لا يعترف بالحصانة التي منحها البرلمان اليمني للرئيس السابق، ويعتبرها شأنا داخليا محليا، لا قيمة لها في ميزان السياسة الدولية، وهذا ما جعل صالح يعتبر قرار مجلس الأمن "تهديدا لكل اليمن" وليس لشخصه، قبل أن يبادر عقلاء حزبه إلى الترحيب بالقرار، حتى لا يصطدموا برغبات المجتمع الدولي في خطواتها الأولى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة