البريونات.. سبب جنون البقر أم ذكاء البشر؟   
الأحد 19/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ * د. مازن النجار- **وليد خليل الشوبكي

- ما البريونات؟
- عندما ظهر جنون الأبقار!
- كيف تتم الإصابة بالمرض؟
- لماذا أثارت البريونات دهشة وفضول العلماء؟
- البريونات والذاكرة: انعطافة درامية!

في عددها الصادر يوم 26 ديسمبر/ كانون الأول 2003، نشرت مجلة cell "الخلية" العلمية المرموقة بحثا يشير إلى أن البريونات (وهي جزيئات البروتين التي شاع أنها سبب الإصابة بمرض جنون البقر وانتقاله) تلعب دورا محوريا في آليات صنع الذاكرة في البشر، ولم يكد الخبر يستقبل ما يستحق من أصداء حتى أعلن في اليوم التالي مباشرة عن اكتشاف أول حالة جنون بقر في الولايات المتحدة الأميركية.

وثار فضول الجميع، فكيف بالجزيئات المتهمة بتدمير مخ الحيوان والإنسان من ناحية يكون لها دور في ذاكرة وذكاء البشر من ناحية أخرى؟ هذه إذن انعطافة جديدة في قصة الجزيئات البروتينية، غامضة المنشأ سيئة السمعة، التي أثارت رعب الجميع منذ ارتبطت بمرض جنون البقر وغيره من الأمراض الخطيرة. ولكن ثمة فصولا تسبق هذا المنعطف، وهي جديرة بإلقاء الضوء عليها.

ما البريونات؟

الطبيعة البريونية تجعل الخلايا -التي تتواجد هذه البروتينات على سطحها- تتوقف عن القيام بوظائفها الطبيعية، وفي أحيان أخرى تجعلها تقوم بوظائف أخرى مدمرة للخلية، ثم للكائن كله
عام 1986 صاغ ستانلي بروزينر، الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، لفظة "بريونة" Prion، وهي تمثل الأحرف الأولى من كلمات "جزيئات بروتينية مسببة للعدوى"، وكان بروزينر قد أثبت أن البريونات (يطلق عليها أيضا البروتينات البريونية) هي بروتينات تتواجد بصورة طبيعية على سطح فئة معينة من خلايا المخ، لكن هذه البروتينات تقوم، ولسبب غير معلوم، بطيّ نفسها بطريقة غير طبيعية، فتكتسب الطبيعة "البريونية"، أي تصبح بريونات.

هذه الطبيعة البريونية تجعل الخلايا (التي تتواجد هذه البروتينات على سطحها) تتوقف عن القيام بوظائفها الطبيعية، وفي أحيان أخرى تجعلها تقوم بوظائف أخرى مدمرة للخلية ثم للكائن كله، وأحيانا لا تؤثر على نشاط الخلايا على الإطلاق (حصل بروزينر على جائزة نوبل عام 1997 تقديرا لاكتشافاته في هذا المجال، ولإثباته أن البريونات هي السبب في أمراض كرويتزفلت-جاكوب، ومرض الكورو، ثم جنون البقر).

لعل المزارعين البريطانيين كانوا أول من عرف الأمراض البريونية، أي تلك التي نسبت في ما بعد للبريونات، وكان ذلك في منتصف القرن الثامن عشر، عندما أخذ مرض غريب يصيب خرافهم، إذ كانت تنتاب الأخيرة حالة من الهياج، وتأخذ في حك صوفها وجلدها في الصخور وغيرها من الأجسام الصلبة حتى تموت، عرف هذا المرض باسم scrapie أو "الحكاك".

وفي عشرينيات القرن الماضي توصل طبيبان ألمانيان إلى توصيف مرض يصيب البشر(أثبت بروزينر في ما بعد أنه ينتج عن البريونات)، وهو يحمل اسميهما، مرض كرويتزفلت-جاكوب التقليدي CJD، وكذلك أيضا تم توصيف مرض شنايكر، وفي كليهما يصاب المرضى بتدهور نفسي وعقلي هائل، وينتهي الأمر بموت مؤكد، نتيجة تحلل أنسجة المخ. ولكنهما مرضان نادران، قد يصيبان شخصا واحدا من كل مليون إنسان. وكذلك تم ربط البريونات بمرض الكورو الذي يصيب بعض أفراد قبائل غينيا الجديدة الذين "يأكلون" أمخاخ أقربائهم المتوفين، حسب طقوسهم الإثنية.

عندما ظهر جنون الأبقار
جنون البقر (Bovine Spongiform Encephalopathy- BSE) هو "المرض الذي تفسد فيه أنسجة مخ البقرة، وتتحلل وتصبح هشة كالإسفنج"، وفيه تتحول الأبقار تدريجيا إلى الجنون، فتصير أكثر هياجا، وأقل قدرة على الوقوف على أقدامها، وتتصرف بطريقة غريبة وغير متوقعة إلى أن تموت، بعد أن يكون مخ الحيوان قد دمر تماما.

عام 1986 تم الإعلان عن أول حالة جنون بقر، وكانت في بريطانيا، قبلها لم يكن هذا المرض معروفا على الإطلاق. وساد اعتقاد قوي بأن احتواء علف الماشية على بريونات من الخراف المصابة بالحكاك هو السبب في ظهور المرض، وكان ذلك بعد أن عمد بعض أصحاب المزارع إلى إضافة أجزاء من أمخاخ ولحوم وعظام الخراف إلى علف الماشية، لرفع محتواها من البروتين.

إثر ذلك قررت الحكومة البريطانية إعدام 3.7 ملايين من الأبقار عام 1988. ورغم صدور قانون عام 1989 يحرم إضافة أجزاء حيوانية إلى أعلاف الماشية، فقد استمر المزارعون في استخدامها في التسعينيات الماضية، حتى وصل مرض جنون البقر إلى ذروته عام 92-1993.


جنون البقر هو "المرض الذي تفسد فيه أنسجة مخ البقرة، وتتحلل وتصبح هشة كالإسفنج"، وتتحول الأبقار تدريجيا إلى الجنون، فتصير أكثر هياجا، وتتصرف بطريقة غريبة وغير متوقعة إلى أن تموت
بعد الذروة الأولى للمرض سارع بعض العلماء والساسة بالتأكيد على أن مرض جنون الأبقار لا ينتقل إلى البشر الذين يتناولون لحوم أبقار مصابة، باعتبار أن مرض الحكاك (الذي ينسب إليه انتقال البريونات المسببة للمرض إلى الأبقار) تم اكتشافه في الخراف منذ القرن الثامن عشر ولم ينتقل إلى أي حيوان آخر إلى أن أعلن في مارس/ آذار 1996 عن 10 حالات من الإصابة بنوع "مختلف" من مرض كرويتزفلت-جاكوب variant Creutzfeldt-Jakob(vCJD).

وكان متوسط أعمار هؤلاء المرضى 28 عاما، كما أن أعراض المرض لم تكن بالصورة التقليدية، فمتوسط أعمار مرضى كرويتزفلت-جاكوب "التقليدي" (CJD) يكون عادة 63 عاما، وعندما تم فحص أمخاخ المرضى بالأشعة، وجدوا أن أمخاخهم تعطي نمطا مقاربا لذلك الموجود في الأبقار المصابة بالمرض وليس صورته التقليدية.

وكانت هذه أول إشارة إلى إمكان انتقال المرض من الحيوان إلى الإنسان، وتشير الإحصاءات إلى أنه في بريطانيا تم استهلاك 900 ألف بقرة مصابة، وسجلت حتى الآن 143 إصابة بالمرض نتيجة انتقال العدوى إلى الإنسان.

كيف تتم الإصابة بالمرض؟
للبروتينات شكلان، المطوي والخطي (غير المطوي)، والأخير هو الصورة البريونية الخطرة المسببة للمرض. عندما تصل البريونات الخطية إلى مخ الإنسان أو الحيوان، وتلامس البروتينات الطبيعية (المطوية) فإنها تستثيرها كي تتحول إلى الشكل الخطي (المرضي)، وهكذا في صورة تفاعل متسلسل، إلى أن تكتسب معظم البروتينات في أنسجة المخ النمط الخطي الهش الإسفنجي، المميز للأمراض البريونية مثل جنون الأبقار ومرض كرويتزفلت-جاكوب المختلف vCJD.

ويذهب تفسير آخر لانتشار هذه الأمراض إلى أن تحول بعض البروتينات إلى الصورة الخطية البريونية بداية تم بصورة تلقائية (غير مفهومة)، ثم انتشر المرض بعدها نتيجة "أكل" أنسجة مصابة، مثلما حدث الأمر في انتشار مرض "الكورو" بين قبائل غينيا الجديدة الذين يأكلون أمخاخ ولحوم موتاهم.

لماذا أثارت البريونات دهشة وفضول العلماء؟
أثارت البريونات فضول العلماء عندما تبدت بعض الصفات الغريبة لها مثل:
* أنها ليست صورة مستجدة من صور الكائنات الحية، وإنما هي بروتينات طبيعية تتواجد في خلايا الحيوان والإنسان، غير أنها تتحول إلى مسببات للمرض (نتيجة سبب لم يحدد بعد)، مع العلم بأنها ليست من مسببات الأمراض التقليدية، كالفيروسات والبكتيريا وغيرها. وقد قوبلت فكرة أن تصبح البروتينات الطبيعية مصدرا للعدوى الكثير من الرفض من الأوساط العلمية حتى تم التسليم بها في آخر الأمر.

* أنها تتكاثر وتتنقل وراثيا، مع أنها تخلو من أي مادة جينية (ناقل وراثي للصفات) كالحامض النووي (الدنا أو الرنا DNA, RNA)، فالخلية المصابة التي تنقسم، تنتج خليتين مصابتين. كذلك ما إن تتحول البروتينات إلى بريونات، تصبح لديها القدرة على حث البروتينات المشابهة والقريبة على التصرف بنفس الطريقة (كقطع الدومينو). وقد أثبتت ذلك الدكتورة سوزان ليبمان، أستاذة البيولوجيا بجامعة إلينوي (شيكاغو) وفريقها البحثي، في بحث نشرته مجلة Cell (الخلية) في 27 يوليو/ تموز 2001.


رغم أن للبريونات طبيعة بروتينية، إلا أن ثمة فارقا جليا بينهما، ففي حين أن الأولى ثابتة الشكل طوال حياتها في جسم الكائن الحي، فإن للثانية القدرة على "الطي والفك" بحرية أكبر
* كذلك اكتشفت سوزان ليبمان وفريقها أن في بكتيريا الخميرة 9 بروتينات تشبه البريونات إلى حد كبير، أي أنها بريونات محتملة. فإذا كانت بكتيريا الخميرة (وهي كائنات بسيطة للغاية مقارنة بالإنسان) تحتوي على عدة أنواع من البريونات، أليس من المعقول إذن أن يحمل البشر أنواعا أكثر من البريونات، وأننا لم نكتشف بعد إلا نوعا واحدا فقط؟ أما بخصوص الظهور المفاجئ لبريونات مرض كرويتزفلت-جاكوب التقليدي، أليس من المحتمل أنها تحولت على هذا النحو بعد أن استحثها إلى ذلك بروتين عادي مثلا؟ ثم ألا يفسر هذا، من جانب آخر، ارتفاع إصابة المسنين بمرض كرويتزفلت-جاكوب التقليدي؟ فالأعمار الممتدة التي عاشوها ترفع من احتمالات تحول بعض البروتينات الطبيعية (الكامنة) إلى بريونات مسببة للمرض.

* رغم أن الإصابة بأحد الأمراض البريونية تكون تلقائية، مثل مرض كرويتزفلت-جاكوب التقليدي، إلا أن الشخص المصاب يصبح ناقلا للعدوى. ففي العام 1974 تم استزراع قرنية في عين سيدة أميركية، وانتهى الأمر بإصابتها بمرض كرويتزفلت-جاكوب التقليدي، وأثبت البحث أن تلك القرنية قد أخذت من جثة شخص مصاب بالمرض.

* للبريونات فترة كمون طويلة داخل الكائن المصاب، فهي لا تستدعي أي استجابة من جهاز المناعة في جسمه.

* رغم أن للبريونات طبيعة بروتينية، إلا أن ثمة فارقا جليا بين البروتينات والبريونات، ففي حين أن الأولى ثابتة الشكل طوال حياتها في جسم الكائن الحي، فإن للثانية القدرة على "الطي والفك" بحرية أكبر، ودون أن تستهلك طاقة من الخلية.

البريونات والذاكرة: انعطافة درامية!
واستمر التساؤل الكبير: إذا كانت البريونات هي في الأصل بروتينات، ثم لسبب ما (!) تستثار فتتحول إلى بريونات مسببة للمرض، فلماذا وجدت هذه البروتينات (أو البريونات المحتملة) من البداية؟ هل خلقت هذه البريونات لتدمير الأدمغة ولنشر الرعب بين البشر فحسب؟

ظل هذا التساؤل حائرا ومحيرا، إلا أن ظهرت نتائج الأبحاث التي قام بها فريقان من الباحثين، فريق معهد وايتهد للدراسات البيوطبية بقيادة سوزان ليندكوست وفريق من جامعة كولومبيا بقيادة إريك كاندل أستاذ الأمراض العصبية.

تناولت الأبحاث موضوعا جديدا وغير متوقع عن وظيفة جديدة للبريونات في الذاكرة التي هي أحد المظاهر الأهم للذكاء البشري، فقد تبين أن هذه الجزيئات المسؤولة عن جنون الأبقار لها وظيفة محورية في صنع الذاكرة وآليات التذكر. وهذا بالطبع نقيض الفكرة التي شاعت في الأوساط العلمية والرأي العام على حد سواء بأنه ليست البريونات إلا مسببات لأمراض خطيرة!

أجرى الفريقان أبحاثهما على بكتيريا الخميرة وإحدى الرخويات البحرية (Sea Slug)، ووجدا أن أحد البروتينات المشتركة بين الإنسان وهذه الكائنات الحية والمسؤولة عن ذاكرة المدى الطويل (يرمز له بالأحرف CPEB) له طبيعة بريونية.

فهو يتواجد في أماكن التشابك العصبي (مواقع التقاء الأعصاب بعضها ببعض) في المخ، حيث تؤدي الطبيعة البريونية للبروتين في الطي والفك، إلى العمل كآلية "فتح وغلق" للذاكرة التي يتم تخزينها، أي أنه عند إضافة ذاكرة جديدة تتحول إحدى البروتينات الموجودة عند إحدى التشابكات العصبية من الشكل المطوي إلى الشكل الخطي (البريوني).


تتسارع الخطى البحثية لفك غموض هذه الجزيئات(البريونات) الخطيرة، في الضرر والنفع على حد سواء، ويبدو أنها قصة لن تتم فصولا في المدى القريب فما نجهله يفوق كثيرا ما نعرفه
وبهذا يتم تخزين الخبرة التي سجلتها الأعصاب في ذاكرة المدى الطويل والعكس صحيح، فرجوع إحدى البريونات من الصورة الخطية إلى الصورة البروتينية المطوية يعني تلاشي إحدى الخبرات من الذاكرة. أي أن الخاصية التي تسبب المرض هي نفسها التي تؤدي إلى وظيفة تخزين الذاكرة والتذكر، وهي الأنشطة الأكثر غموضا في وظائف المخ البشري.

وبهذا يبدو أن هذه الجزيئات (البريونات) قد خلقت في الأساس لوظيفة الذاكرة، ولكن أصابها "سعار" لسبب ما، على حد تعبير روبرت بازل المراسل الطبي لشبكة التلفزيون الأميركية إن بي سي نيوز. وهكذا تتسارع الخطى لفك غموض هذه الجزيئات الخطيرة، في الضرر والنفع على حد سواء، ويبدو أنها قصة لن تتم فصولا في المدى القريب، فما نجهله يفوق كثيرا ما نعرفه عندما يتعلق الأمر بالبريونات.
ــــــــــــــــــ

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة