في ذكرى النكبة: القضية الفلسطينية الميزان   
الاثنين 1426/4/29 هـ - الموافق 6/6/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:52 (مكة المكرمة)، 9:52 (غرينتش)

راشد الغنوشي

تمر هذه الأيام الذكرى السابعة والخمسون لنكبة فلسطين. ولئن أمكن لهذه الطعنة في القلب أن تحقق الكثير مما هدفت اليه من تمزيق للكيان وتثبيط لكل نهوض، فإن الذي لم ينتبه إليه مقترفوها أنها ستظل تمثل أكبر عامل تحد أمام أمة العرب ومحفزا للتغيير ومحكا لاختبار الأنظمة والقوى الشعبية، فيرتفع شأن أنظمة وجماعات وينحط شأن أخرى بل يطاح بها بحسب درجة الولاء والبذل لهذه الأرض المباركة التي ستفرض علينا في طريق تحريرها التحرر والتوحّد والتطهّر والنهوض باعتبارها المحور الأساسي لأمننا القومي ومستقبلنا.

لقد انهارت في أثر النكبة أنظمة اتهمتها الشعوب بالتقصير والخيانة إزاء هذه القضية وارتفع لأمد نجم أنظمة أخرى وجماعات، بحسب ما علّق عليها من آمال في التحرير وبذل فيه، حتى غدت هذه القضية في الوجدان الشعبي الميزان الرئيسي الذي توزن به قيمة الأشخاص والأنظمة والأحزاب، فيكون حظها من الولاء الشعبي بحسب ذلك.

"
المنظمة قبلت أن يحلّ شعار التفاوض والتسوية والدولة -ولو على جزء صغير من فلسطين منزوع السلاح فاقد لمقومات السيادة- محل شعار التحرير والعودة المرفوض إسرائيليا وأميركيا
"

فعلى الصعيد الفلسطيني مثّل شعار العودة الهدف الرئيسي الثابت في الوجدان الفلسطيني حيث ظل أكثر من خمسة ملايين مشردين ومعظمهم يسكنون مخيمات يحفظون مفاتيح بيوتهم التي أكرهتهم العصابات الصهيونية على مغادرتها، ظلوا يرنون بأبصارهم إلى يوم العودة ويقيمون حفلات لتسليم تلك المفاتيح إلى ورثتهم من الجيل الجديد كلما أحس أحدهم باقتراب المنية.

ولما عجزت الأنظمة العربية عن مواجهة التحدي الصهيوني سقطت من أعين شعوبها التي انتقلت بآمالها إلى منظمة التحرير التي حملت شعار التحرير والعودة، غير أنها رغم عظيم البلاء في الفداء، والكسب في فرض القضية على جدول أعمال العالم، وبلورة الشعور الوطني الفلسطيني وطرد شبح اليأس عنه، ما لبث أن دب في أرجائها الوهن وفتّ في عضدها الفساد، وتعمّق شعورها باختلال موازين القوى الدولية لصالح عدوها، إثر انهيار المنظومة الاشتراكية وغزوة العراق الكارثية.

لقد قبلت المنظمة أن يحلّ شعار التفاوض والتسوية والدولة الفلسطينية -ولو على جزء صغير من فلسطين منزوع السلاح فاقد لمقومات السيادة الحقيقية- محل شعار التحرير والعودة المرفوض بإطلاق إسرائيليا وأميركيا رغم القرارات الدولية التي أقرته.

ولأن طبيعة المشروع الصهيوني توسعية هيمنية ذات وظيفة إمبريالية في تمزيق المنطقة العربية ودفعها إلى مزيد من التجزئة والضعف، فإن عقدا من المفاوضات والمؤتمرات الدولية والإقليمية لم ينتج في ظل الهيمنة الدولية الحامية للمشروع الصهيوني والتمزق الإقليمي، لم ينتج عربيا ودوليا وإسلاميا غير زوال الحواجز أمام المشروع الإسرائيلي، فامتد نفوذه المدمّر طولا وعرضا، وذلك مقابل إمعان النظام العربي في التأزم والطريق المسدود والعجز والتعويل على استجداء الحليف الإستراتيجي للكيان الصهيوني.

أما على الصعيد الفلسطيني فقد تم أو كاد -في أعقاب اتفاقات أوسلو- تحويل أكبر وأغنى منظمة تحرير في العالم عن مشروعها التحريري الذي انطلقت منه إلى سلسلة من الأجهزة الأمنية المعقدة في خدمة مصالح فئوية كادت مهمتها تقتصر على ملاحقة المقاومة لتفكيك تنظيماتها وإحباطها، وهو ما دفع المنظمة وقد اهتزت قاعدة التحرير التي انطلقت منها إلى حالة متقدمة من التمزق وفقدان الشرعية، لولا بقية من شبابها الأوفياء لتراثها التحريري التليد، ومن الصامدين في غياهب السجون، في طليعتهم البرغوثي.

والوفاء كذلك لزعيمها ياسر عرفات الذي لم تنجح كل تنازلاته في إشباع الأطماع الصهيونية التي وصلت إلى حد المطالبة  بالسيادة على الأقصى وتحويل المنظمة بالكامل إلى جهاز أمني صهيوني لقمع المقاومة واختراق المنطقة العربية، مما لم يتحمل عرفات دفعه، فكانت مقاطعته وفرض الحصار الذي أفضى إلى الإجهاز عليه، فقضى رحمه الله شهيدا إن شاء الله.

من المركز بدأ الانهيار فمتى يتوقف؟ لم يكن كل ذلك سوى مجرد نتيجة من النتائج الكارثية لمسار التسوية المغشوشة الذي قادته أكبر دولة عربية، وأفضى سريعا إلى القضاء على النظام العربي كمجموعة قومية جمعتها قضية تحرير فلسطين متمحورة حول المركز المصري الذي انسحب فانفرط عقد النظام العربي، ولم تفلح عمليات الضخ الاصطناعي في غير استبقائه في حالة موت دماغي.

كما أفضى إلى هلهلة شرعية تلك الأنظمة وتحويلها إلى آلات قمع ضخمة لشعوبها وابتزاز ثرواتها وخدمة المصالح الأجنبية ثمنا لضمان استمرار دعمها. وأفضى كذلك بالمنظمة إلى وضع بئيس، وذلك بعد أن تخلت عن شعار العودة والتحريرالذي انطلقت منه.

"
واضح اليوم لكل ذي عينين في فلسطين كما في خارجها أن موقع الزعامة الشعبية يمثله التيار الاسلامي باعتباره التيار الأوسع الحامل لراية التحرير
"
وفي مناخ الهوان والإذلال البالغين المسلطين على الأمة من قبل النظامين المحلي والدولي وانتهاك المقدسات، اندلعت صحوة الإسلام تلبية للطلب الشعبي المتزايد عليه منقذا، كما هي العادة كلما انسدت السبل وضاق بالأمة الخناق.

فما تلبثت راية تحرير فلسطين والعودة التي سقطت من أيدي الأنظمة ثم المنظمة أن أخذت  تنتقل إلى جيل فلسطيني أشب وأشد تصميما على التحرير والعودة، جيل طهّر الوضوء أياديه ونشّأته ناشئة الليل وحكمة الشيوخ، واستوعب تقنيات العصر، فانطلق بالراية يتحدى ميزان القوة مصمما على تعديله، وذلك الذي كان خلال زهاء عشريتين من الجمر، وإن بأثمان باهظة، أقبل على أسواقها في شوق إلى الجنات، شعب يعلم من استأمنه على القبلة الأولى أنه بذلك الشرف جدير.

ولقد عبرت الانتخابات البلدية الأخيرة في الأراضي المحتلة -كما هي حيثما يوجد مسلمون- عن اتجاه واضح لا تخطئه العين لهذه النقلة التاريخية لأنبل راية ارتفعت في المنطقة العربية منذ ما يزيد على نصف قرن، وظلت باستمرار أدق بوصلة للتأشير على موقع الزعامة الشعبية والأيديولوجية ليس في فلسطين المحتلة وحسب بل في الأمة كلها بسبب ما تمثله هذه القضية من أهمية محورية وإستراتيجية.

واضح اليوم لكل ذي عينين في فلسطين كما في خارجها أن موقع الزعامة الشعبية يمثلها التيار الاسلامي باعتباره التيار الأوسع الحامل لهذه الراية. وحظ بقية التيارات من الولاء الشعبي بقدر استمرارها في حمل هذه الراية ولو من خلال الخطاب.

ومعنى ذلك أن الولاء الشعبي لهذا التيار أو ذاك لا ينعقد  بحسب الشعارات الأيديولوجية والسياسية التي يحملها أكانت إسلامية أم وطنية أم قومية أم يسارية، فالشعارات غير الممهورة بما يؤشر على تصميم حملتها على أن يهبوها حياتهم، تصميما يتأبّى عن كل مساومة.

ويذكّر بهذا المشهد من سيرة صاحب الأسوة الحسنة عليه السلام "والله يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته إلا أن ينصره الله أو أهلك دونه" الشعارات من ذلك القبيل لا تحرر وطنا وقد لا تطعم حتى خبزا نظيفا.. وإنما تتقوم تلك الشعارات شعبيا بمدى ضخامة الضرائب المدفوعة من أجل الشهادة بصدقها وصدق حاملها.

لقد كانت الشعارات الوطنية والقومية وراءها تيار شعبي عريض يوم كان حملتها يتقدمون الصفوف لتحرير فلسطين ثم تراجعوا وتأخروا حتى كادوا يخرجون من الميدان يوم علا صوت التسوية والدولة والسلطة، صوت الانتفاضة والصمود والتحرير والعودة، بينما اليوم الشعارات الإسلامية تقود الانتفاضة.

فكان طبيعيا أن ترتفع هامات الإسلام والإسلاميين في فلسطين وعلى امتداد أرض العروبة والإسلام ويستمر ذلك ما استمر ذلك العطاء لهذه القضية المباركة، فإذا هو يوما تقاصر فآثر سبيل المنافع والبحث عن تسويات ووجاهات ومغانم سلطوية بديلا عن العودة والتحرير فسنة الله ماضية "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" الآية (38) سورة محمد.

"
انقلب إسلاميون في السودان على نظام ديمقراطي كانوا مشاركين فيه ومنعوا الأحزاب وصادروا الصحف والنقابات.. وصمت الكثير منا.. واليوم يتورط حزب منسوب إلى التيار الإسلامي التركي في التطبيع في أغلظ صوره فنصمت
"
وهو ليس حكرا على تيار أو حزب أو دولة، إنه مهمة الجميع وبحسب البذل فيه والثبات عليه تحدد في ميزان الأمة أقدار الجميع فيرتفع قوم ويتراجع آخرون ووفق ذلك يتم تداول النخب على مقود الأمة.

وإذا كان الإسلام الذي تحت لوائه تم فتح فلسطين أول مرة وإليه بدرجة أولى قد انتهت اليوم قيادة تحريرها، فإن حمل شعاره دون الاستمرار طليعة للصفوف في البذل والعطاء لا يعني شيئا في ميزان الأمة غير السخط على فاعل ذلك ونفض اليد منه.

الناس ينتظرون ممن ينتسب إلى شعاراته على نحو أو آخر أن يكون بذله أعظم في هذا الطريق، فإذا هو خار أو ساوم.. بله إذا هو أعطى الدنية ونكص على عقبيه كان ذلك إيذانا بأن سوقه يوشك أن يبور وشرعيته معرضة للتآكل مهما بلغ كسبه في مجالات أخرى.

فجماعة العدالة والتنمية التركية يبدو أنها تحت الضغوط الهائلة التي سلطت عليها من الجيش ومن الأميركان لم تكتف بالوقوف بالعلاقات التركية العبرية عند المستوى الذي كانت عليه قبل أن تتقلد السلطة، فكان الطيب أردوغان أول رئيس وزراء تركي يزور فلسطين المحتلة، بينما العهد ليس بعيدا إذ رفض السلطان عبد الحميد مجرد السماح بالهجرة الصهيونية إلى فلسطين.

لقد وقف أردوغان على مشهد جريمة الهولوكوست اليهودي، وكأنّ المسلمين مسؤولون عنها وليس الأوروبيين، أما الهلوكوست الفلسطيني المستمر منذ ما يزيد على نص قرن فلا بواكي له.

ما ينبغي للإسلاميين أن يتورطوا بحال فيما تورطت فيه بعض الجماعات القومية التي سبقت إلى الساحة فبحثت لكل سياسة يأتيها حزب قومي حاكم عن معاذير، وبالخصوص إذا تعلق الأمر بالحريات العامة وبالقضايا المركزية لأمتنا مثل قضية فلسطين.. لقد انقلب إسلاميون في السودان على نظام ديمقراطي كانوا مشاركين فيه -مهما قيل عن ضعفه- ومنعوا الأحزاب وصادروا الصحف والنقابات.. وصمت الكثير منا.. بل بلغ حماس بعضنا حد تسويغ المشاركة فيه..

واليوم يتورط -تحت الضغوط- حزب منسوب إلى التيار الإسلامي التركي في التطبيع في أغلظ صوره فنصمت.. إن ذلك نقيض مبدأ العدل الذي أمرنا به وقامت عليه السماوات والأرض ولا ينهض ملك ويدوم إلا على أساسه، إنه تكريس لازدواجية المعايير التي جاء وحي ربنا محذرا من التورط فيها "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله" الآية (135) سورة النساء، وقال تعالى "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله" الآية (26) سورة ص، وقال جل شأنه "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض" الآية (71) سورة المؤمنون.

ورغم أن جماعة العدالة والتنمية التركية لا تنسب  نفسها للتيار الإسلامي وتعتبر نفسها حزبا علمانيا محافظا إلا أن كونهم نشؤوا في ظل حركة إسلامية قادها زعيم من زعماء التيار الاسلامي -نجم الدين أربكان- جعل بعضنا ينساق إلى حسبانهم على الحركة الإسلامية. وإذا جاز لنا ذلك قبل أن يتورطوا في تغليظ علاقاتهم الإسرائيلية فلم يبق جائزا لنا بعد ذلك.

ينبغي أن ندور مع الحق حيث دار فهو أحق بالاتباع وليس مع الشعارات والعلاقات الفئوية والحزبية، فنعتبر أن الموقف من القضية المباركة قضية تحرير فلسطين ميزان توزن به عروبة العروبيين ووطنية الوطنيين وديمقراطية الديمقراطيين وإسلامية الإسلاميين.

"
ينبغي أن ندور مع الحق حيث دار فنعتبر أن الموقف من قضية تحرير فلسطين ميزان توزن به عروبة العروبيين ووطنية الوطنيين وديمقراطية الديمقراطيين وإسلامية الإسلاميين
"

الجدير بالتذكير في هذه المناسبة الأليمة أنه بقدر ترذل النظام العربي جملة وتفصيلا -حتى انتقل من شعار تحرير فلسطين إلى التسابق على التطبيع مع المحتلين سرا وعلانية لاقتباس شرعية منهم واستجلاب مساعدات واستظهار على شعوبها وتأكيد الاستعداد للتحول لجزء من أمن الاحتلال وحمايته وتسليط أشد العقوبات على كل جهد وإسهام في تحرير فلسطين- بقدر ترذل النظام العربي والإذن بأفول نجمه بقدر ما ارتفع مستوى وعي أمتنا بهذه القضية المباركة واستعداداتها للبذل من أجلها بما صنع لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي ميزانا للقوة، إذ فرض على الجيش الذي طالما قيل عنه إنه لا يقهر الانسحاب تحت جنح الظلام من جنوب لبنان وهو اليوم يعاني كابوس الانسحاب من غزة وهدم ما بنى من مستوطنات "يخربون بيوتهم بأيديهم".

إن المشروع الإسرائيلي رغم بؤس الأنظمة والدعم الدولي غير المحدود يعيش أزمة تتفاقم، بعد أن أخذت الأساطير المؤسسة له تذوب تحت ضغط الانتفاضة والمقاومة، فيضطر للتراجع بدل التمدد، وتفتح جماهيره أعينها على الحقيقة المرة أن هاهنا أرضا مصمم شعبها على استعادتها وليست خلاء وفراغا كما زعم وضّاع أساطيرهم، وهو ما يجعل الشعار المركزي للتحرير العودة وليس الدولة. "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون" الآية (227) سورة الشعراء.
__________________
كاتب تونسي               

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة