"سلام دارفور" وقائع الصراع والمصالحة   
الأحد 1433/7/21 هـ - الموافق 10/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 10:26 (مكة المكرمة)، 7:26 (غرينتش)
منى عبد الفتاح

آلية تنفيذ الوثيقة
عقبات تنفيذ الوثيقة
طريق الخروج

كان إقليم دارفور يحتاج إلى ما يشبه "المعجزة" -في تعبير د. التجاني السيسي رئيس السلطة الإقليمية لولايات دارفور- حتى تتم إعادة بنائه وإعماره وقبل ذلك إشاعة السلام في ربوعه. فإعادة البناء التكويني لأي مجتمع هي من أصعب أنواع البناء لأنها يجب أن تقوم على أساس المواطنة والتعايش السلمي ونبذ العنف والاحترام المتبادل بين الأطراف المختلفة.

وقد ركزت وثيقة الدوحة لسلام دارفور التي تم توقيعها في 14 يوليو/تموز 2011م بين حكومة السودان وحركة التحرير والعدالة الدارفورية، على بلورة هذا المشروع الإنساني والاجتماعي الذي يمهد لبناء دولة تؤمن بالسلام قولاً. أما عملاً فإنه ولأن الزمان ليس زمانًا للمعجزات فقد سعت وثيقة الدوحة لتجاوز هزائم المفاوضات وانكساراتها ولكنها ارتطمت بصخرة التباطؤ الحكومي تجاه تنفيذ بنود الوثيقة.

آلية التنفيذ
جاءت جهود الوساطة القطرية وسلطة دارفور الإقليمية في سعيها إلى تنفيذ وثيقة الدوحة لسلام دارفور في بنودها الرئيسة من إعادة الإعمار وتقديم الدعم للنازحين واللاجئين، على أنقاض وضع لم يكن ميسورًا إجراء أي إصلاحات عليه وذلك لأن الآمال في وضع حل لم تكن بالسهولة التي تخيلها المفاوضون.

فقد كان الانقسام في دارفور ناتجًا عن أزمة الإقليم مع السلطة، وهي أزمة حقيقية ألقت بظلالها على الوضع الراهن لنظام الحكم في السودان، وزادها من ناحية أخرى الصراع الدارفوري -الدارفوري الذي فاقم من حقيقته أزمة الثقة بين مكونات الإقليم.

جاءت وثيقة الدوحة ومشهد السودان السياسي أكثر اشتعالاً في أطرافه، وكذلك الأمني والخدماتي والإنمائي. فالصراع القائم قبل توقيع الاتفاقية هو صراع مركّب ظهر فيه ضعف الدولة علاوة على تمنّع الحركات من الاتفاق

جاءت وثيقة الدوحة ومشهد السودان السياسي أكثر اشتعالاً في أطرافه، وكذلك المشهد الأمني والخدماتي والإنمائي. فالصراع القائم قبل توقيع الاتفاقية هو صراع مركّب ظهر فيه ضعف الدولة علاوة على تمنّع الحركات من الاتفاق.

وانطلاقًا من بنود وثيقة الدوحة باعتبارها قاعدة للنقاش فإن التوصل إلى تسوية شاملة للصراع في الإقليم يتطلب النظر في أهمية الحوار لدعم ما جاء في الوثيقة سعيًا لتحقيق السلام الكامل. وقد استلزمت بنود الوثيقة قيام عملية سياسية شاملة تتوفر لها البيئة المناسبة من تعزيز وحماية لحقوق الإنسان وتحقيق المصالحة الوطنية لضمان تنفيذها.

ولكل فصل من فصول الوثيقة السبعة تلال من العراقيل لم تفلح الحكومة في تسوية تضاريسها وهذه الفصول هي: حقوق الإنسان والحريات الأساسية، تقاسم السلطة والوضع الإداري لدارفور، تقاسم الثروة والموارد القومية، التعويضات وعودة النازحين واللاجئين، العدالة والمصالحة، وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية النهائية، آليات الحوار والتشاور الداخلي وطرائق التنفيذ.

لم تجئ مقررات اللجنة الدولية لمتابعة تنفيذ اتفاق سلام دارفور بالدوحة في 28 مايو/أيار الماضي على هوى الحكومة السودانية. فبعد تثمين ما تم تنفيذه في المراحل الأولية المتمثل في إنشاء لجنة وقف إطلاق النار وعودة حركة التحرير والعدالة إلى السودان ونشر وثيقة الدوحة لسلام دارفور، جاء دور تحديد وجه القصور وجهاته.

فالاجتماع الذي تم بحضور رئيس السلطة الإقليمية لولايات دارفور د. التجاني السيسي، وحضور دولي للمانحين من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والمبعوثين الدوليين والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، وبرئاسة دولة قطر راعية الاتفاق أظهر مسؤولية الحكومة السودانية إزاء توفير التمويل لتنفيذ الاتفاق.

فقد كان من المفترض أن تتحمل الحكومة السودانية الشق الأكبر من المسؤولية والوفاء بالالتزامات المالية تجاه عملية السلام في دارفور. ولكن بتراخيها في تنفيذ هذا الالتزام، تكون قد أهدت الحركات المناوئة لوثيقة الدوحة أسبابًا معضدّة للرفض ومستعصمة بالبعد عن العملية السلمية.

عقبات التنفيذ
للتعرض مباشرة لتحديد العقبات والصعوبات التي تعترض تنفيذ وثيقة الدوحة لسلام دارفور لا بد من سبر أغوار الصراع. ولا بد من القول بأنّ وثيقة الدوحة تواجه تحديات ضاربة في عمق السياسة السودانية وتعاطي نظام الحكم مع مشكلة دارفور. فقد تم استخدام الجهوية كآلية لإدارة الصراع باستقطاب بعض الحركات من قِبل الحكومة وتأليب بعضها، ليتم اختصار الحركات في حركة واحدة والآراء في رأي واحد.

وهناك بُعد آخر للمشكلة يتعلق بالبنية الاجتماعية في دارفور التي يطغى فيها الولاء القبَلي في تنظيم الحركات، وهذا الولاء أسس لمنطق نزاعي داخل منظومة مجتمع دارفور. فحالة الاستقطاب الحكومي المركزي وتفشي القبلية محليًّا ساعدا على إضعاف الحس القومي لدى مواطني المنطقة، فمن عزلة إلى عزلة أخرى تتهدد وحدة السودان هذه المرة ولكن من غربه.

وباستعراض التجربة منذ اتفاقية أبوجا التي تم توقيعها في مايو/أيار عام 2006م ، فإنّ الحركات الموقعة آنذاك مع الحكومة السودانية هي رافضة اليوم، والحركة الموقعّة اليوم كانت في رحم الغيب إلى أن تجمعت من عدة حركات وفصائل. يجسّد راهن الحركات والفصائل الدارفورية وعلاقتها بالمركز عدم توافقها الذي يتبدى في المنطق الانقسامي مما يعمل على هدم الجهود المبذولة في سبيل بناء الدولة الحديثة. فقد بدأت مشكلة دارفور كثورة هامش على المركز وانتهت إلى انقسامات على نفسها.

عقبة المال لا تقف في طريق تنفيذ بنود اتفاق الدوحة فحسب، وإنما تعمل أيضا على الحيلولة دون إنقاذ واقع الإقليم الذي يعاني من اقتراب كارثة إنسانية تتمثل في عدم توفر الغذاء الذي قد يؤدي إلى مجاعة وشيكة

أما المظالم التاريخية لأهل دارفور والشكوى المرة من احتكار المركز للسلطة والثروة، فهي تبدو جلية في رؤية أنّ هناك ما هو أكثر من الاحتكار، وما هو أعمق من فرض الهيمنة على المؤسسات المجتمعية والإدارة. فبحسب فرضية أنّ من يحكم هو من يملك، فهذه الحركات المناوئة تدعم نظام الحكم بثباتها في مكانها أو نزولها إلى المشاركة في نظام الحكم بتمثيل شكلي لا يعكس رغبة الإقليم، مما يجعل الجنوح نحو إحداث أي تحول ديمقراطي يعني التنازل طواعية عن النصيب في السلطة والثروة.

هذه الأرضية التي تم توقيع وثيقة الدوحة لسلام دارفور من فوق سمائها قد تم الإخلال فيها أيضا بتنفيذ بند الترتيبات الأمنية وتوفير الدعم اللوجستي الخاص بقوات حركة التحرير والعدالة. وقد ترجمت آلية متابعة تنفيذ وثيقة سلام دارفور هذه التعقيدات في ثلاثة تحديات تواجه تنفيذ الاتفاقية وهي عدم التزام الحكومة السودانية بالتطبيق والخوف من أن يتحول دعم مواطني دارفور للاتفاق، إلى إحباط خاصة ممن اكتووا بنار النزوح واللجوء. ثم هناك تحدٍ أخير تم التعرض له وهو ما يتعلق بمخاوف المجتمع الدولي والداعمين لسلام دارفور من انهيار الوثيقة.

لا يبدو شحوب الموقف من هذه التحديات وحدها وإنما مما ينبع من رأي السلطة الإقليمية بأن الحكومة المركزية لا تلقي بالاً لبرامج وأولويات السلطة الإقليمية في دارفور. وتلك هي الأولويات المسيسة بحقوق إنسان دارفور والمتمثلة في العودة الطوعية للنازحين واللاجئين وإعادة الإعمار والشروع في التنمية الدائمة ورتق النسيج الاجتماعي.

فالعودة الطوعية تحتاج إلى تأمين مناطق العودة بتوفير الخدمات الأساسية والأمنية. وبطء الحكومة في التمويل والتنفيذ ساهم في تراكم المشكلات وتأجيل مؤتمرات أهل دارفور. وبهذا تصبح العطايا في مجال الوظائف السياسية والمشاركة الشكلية في الحكم ووظائف الخدمة المدنية هي أقل ما يمكن أن تمنّ به الحكومة على ممثلي أهل دارفور.

وبينما ترى مناطق أخرى من السودان تتمنى أن تتنزّل عليها المراسيم الجمهورية التي منحت ممثل إقليم دارفور منصب نائب الرئيس، أنّ إعطاء دارفور هذا المنصب شيئًا إيجابيًّا، فإنه في الحقيقة قد يعمل على تقصير ظل الحكومة المركزية عن الإقليم مما يساهم في عزلتها مجددًا.

عقبة المال لا تقف في طريق تنفيذ بنود اتفاق الدوحة فحسب، وإنما تعمل أيضا على الحيلولة دون إنقاذ واقع الإقليم الذي يعاني من اقتراب كارثة إنسانية تتمثل في عدم توفر الغذاء الذي قد يؤدي إلى مجاعة وشيكة. وبوقوف عقبة المال سدًّا منيعًا سيشجع ذلك الأطراف على الخروج عن الوثيقة مما ينذر بواقع كارثي محتمل.

طريق الخروج
تعمقت أزمة دارفور وتشعبت ولكن بدأ يلوح في الأفق مشروع لحل الأزمة وخطة للخروج من النفق، وذلك بتحليل جوهر الصراع على أساس توجيه فعل التحرك نحو أنساق ديناميكية، ما فتئت وثيقة الدوحة تنادي بها وبالتركيز على تعزيز الطاقات الإيجابية فيها. وتلك هي الطاقات الخلاقة التي في مقدورها إجراء تشريح لحالة الصراعات بين الحركات المسلحة والحكومة السودانية واستخراج مظاهرها من أجل معالجتها.

ركزت وثيقة الدوحة على المصالح التي يمكن أن يجنيها الطرفان من عملية السلام ولم تقف كثيرًا عند المواقف المحددة والاختلافات في معايير الحل. خطّت الوثيقة أسباب النزاع وأطره بناءً على مجموعة الاحتياجات الأساسية العامة لإنسان دارفور المذكورة في فصول الوثيقة السبعة.

هذه الاحتياجات الأساسية هي التي من أجلها قامت الحركات بحمل السلاح، وبتحليلها نجد أنها هي التوليفة الأساسية المسببة للصراع. وللبحث عن طريق للخروج من الأزمة لا بد من توفر استعداد جدّي من قِبل الحكومة من جهة والحركات المسلحة من جهة أخرى.

الأسباب الجذرية للصراع لا تخرج من عباءة حقوق الإنسان في دارفور، تلك الانتهاكات التي تطلبت إنشاء مفوضية مستقلة للحقيقة والعدالة والمصالحة، فبغير العدل لا يمكن بناء جسور من الثقة تؤدي إلى المصالحة والسلام.

إنّ الطريق لحل أزمة دارفور يمرّ عبر مكونات إقليم دارفور وليس من فوقها، فمجيء الحركة المسلحة من سوح المعارك وتحولها من حركة ممسكة بالسلاح إلى حزب سياسي يبدّل عنفوان السلاح بسلمية الحوار. وللوفاق بينها لا بد من إذكاء روح الحوار لإبعاد النبرة العنيفة والآراء المتصلبة، وللقيام بهذا الدور يتطلب الأمر إقناع الحركات الرافضة بضرورة اللقاء والتفاكر. فالآلية الابتكارية قبل أن تختصر طبيعة نزاع دارفور على أنه قضية قابلة للتوافق حولها يجب أن تعترف بأن الجميع حكومة وحركات ومن قبلهم شعب دارفور راهنوا بترحيبهم بالوثيقة على أنّ التفاوض الذي حدث من قبل والذي أنتج وثيقة الدوحة من بعد ذلك، لهو عمل يمهّد لعملية السلام وليس بديلاً عنها.

الطريق لحل أزمة دارفور يمرّ عبر مكونات إقليم دارفور وليس من فوقها، فمجيء الحركة المسلحة من سوح المعارك وتحولها من حركة ممسكة بالسلاح إلى حزب سياسي يبدّل عنفوان السلاح بسلمية الحوار

وقد يتحقق الحوار بانعقاد مؤتمر أهل دارفور الذي أعلنت السلطة الإقليمية أنه سيكون خلال فترة ما بين 23 و26 من يونيو/حزيران الحالي، وبمشاركة واسعة تضم ناشطي المجتمع المدني والأحزاب السياسية، الإدارة الأهلية، النازحين واللاجئين، الحكومة الاتحادية وأعضاء السلطة التشريعية القومية، وبعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في السودان "يوناميد"، والبعثات الدبلوماسية.

إنّ الطريق إلى سلام دارفور شائك ولكن السير المؤسسي في دروبه يُعتبر مصدر حيوية لعملية السلام نفسها وأحد أسباب تحقيقها، وأكثرها فاعلية من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالنسبة للإقليم وللسودان كله. فمن الناحية السياسية يتضح أن طول أمد المفاوضات والوصول إلى اتفاقيات وتسويات لم يفلحا في إلغاء أشكال الفرقة والخلافات السياسية، وبهذا تجب الاستفادة من إيجابية التعايش مع الاختلاف السياسي.

ومن الناحية الاقتصادية يتمثل ذلك في سد الفجوة الغذائية بالإقليم وتنفيذ مشروع الإنعاش المبكر الذي تتبناه اللجنة القطرية الرفيعة المستوى لتقديم الخدمات لمناطق العودة الطوعية للنازحين واللاجئين وإعادة إعمار دارفور. وبالقبول بالعيش سويًّا من نفس الموارد والقسمة العادلة للثروات الطبيعية.

أما من الناحية الاجتماعية فإنّ ما تم التوافق عليه من ضرورة المصالحة السياسية ينبغي أن يرتكز بالأساس على المصالحة في الذات الاجتماعية الدارفورية لتلتئم مكوناتها الثقافية التي تفرق جمعها وتشتت بسبب الحرب والغبن التاريخي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة