العراق.. صعوبة الحسم العسكري هل تمهد لخيارات جديدة؟   
الاثنين 1427/2/27 هـ - الموافق 27/3/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:20 (مكة المكرمة)، 13:20 (غرينتش)

عدنان إبراهيم

- استنزاف القوات النظامية
-
استطلاع قتالي
- الحرب غير النظامية

رغم أن المتحدثين العسكريين الأميركيين والعراقيين لم يعلنوا رسميا انتهاء عملية "المجتاح" الأخيرة في سامراء ومحيطها والتي امتدت على مسرح عمليات وصلت مساحته إلى 600 كلم مربع حسب الناطق العسكري الأميركي، فإن النتائج التي أسفرت عنها حتى الآن تظهر حجم التباين بين الخطط العسكرية وتطبيقاتها في ميدان المعارك وبين أهداف العمليات ونتائجها الحقيقية على الأرض.

وبما أن القوات النظامية لم تواجه بمقاومة فعلية من جانب القوات غير النظامية فإن ذلك يعني أحد احتمالين يرجح أحدهما الخطوات التي جاءت لاحقا على الأرض.

"
"رجال العصابات" الذين يعملون تحت اسم "المقاومة العراقية" نجحوا في تحقيق أهدافهم الحالية على الأقل، وربما يحصلون على مكافأة إضافية تتمثل في تعاطف السكان معهم وزيادة تأييدهم لهم
"
استنزاف القوات النظامية

الاحتمال الأول: أن القوات الأميركية والعراقية وقعتا ضحية خداع وتضليل قوات المقاومة غير النظامية عن طريق تسريب معلومات مضللة إلى الاستخبارات العسكرية كميزة من ميزات حرب العصابات، حيث تتوفر لها مصادر أوسع للمعلومات عن قوة الخصم.

ويعني هذا الاحتمال أن هدف "رجال العصابات" يتحقق باستنزاف مجهود القوات النظامية والتأثير على استعدادها النفسي لخوض القتال وزعزعة ثقة الجنود بقيادتهم وخططها التي تستند إلى معلومات غير مؤكدة كهدف أول، وصرف الأنظار عن اتجاه الضربة الحقيقية كهدف آخر.

وإذا كان الهدف الأول لا يمكن نفيه أو تأكيده لأنه يدخل في إطار النوايا التي لا يمكن إماطة اللثام عنها بسهولة، ولأن ظهور نتائجه وتأثيره يحتاج إلى مدة طويلة نسبيا، فإن الهدف الثاني يمكن أن يكون قد تحقق بالعملية التي تعتبر نوعية في أسلوبها وسرعتها ونتائجها من خلال الهجوم المباغت على مركز الشرطة والمحكمة في المقدادية التي تمخض عنها قتل عدد من رجال الشرطة وإطلاق سراح أكثر من 30 سجينا.

وهذا يعني أن "رجال العصابات" الذين يعملون تحت اسم "المقاومة العراقية" قد نجحوا في تحقيق أهدافهم الحالية على الأقل، وربما يحصلون على مكافأة إضافية تتمثل في تعاطف السكان معهم وزيادة تأييدهم لهم.

وهذا ما أشار إليه ماوتسي تونغ واضع أسس حرب العصابات، إذ يشبه رجال العصابات بالسمك، ويشبه الشعب بالبحر الذي يسبح فيه السمك، وهذه المكافأة الإضافية إن تحققت، فستكون نتيجة اتباع أساليب البطش والقتل والاعتقال والتعذيب التي يتعرض لها العراقيون.

استطلاع قتالي
الاحتمال الثاني: ويتعلق بالقوات النظامية وهو ذو شقين:

الأول: أن عدم وجود معلومات كافية لدى هذه القوات عن وجود وأنشطة وحجم رجال العصابات في المنطقة يدفعها لاستخدام تكتيك الاستطلاع القتالي، كأحد الأساليب لمعرفة القوة الحقيقية "للمقاومة" واختبار ردود فعلها على الهجوم المفاجئ بالقوات المنقولة جوا "المجوقلة" ولإخراج القوات النظامية من حالة الترقب والانتظار المنهكة للحالتين النفسية والجسمية.

وفي حالة ما إذا تم استدراج المقاومة إلى المواجهة في هذه العملية المخططة مسبقا يتم تطويرها إلى حرب وقائية على مسرح عمليات واسع.

"
المواجهة غير المتكافئة بين القوات الأميركية والعراقية من جهة والقوات غير النظامية من جهة ثانية، لا تعتمد على التفوق في القوى والوسائط والتسليح بل تعتمد إلى حد بعيد على الحسم بين قوى تملك الفكر والمقدرة على الإقناع وقوى تملك السلاح والمقدرة على البطش
"

ويبدو من الناحية العملية أن الاستطلاع القتالي قد أخفق في تحقيق هدفه إذ لم تجر مواجهات ذات شأن حتى الآن في مسرح العمليات المعلن عنه باستثناء اعتقال عدد من المدنيين الذين يستبعد أن يصنفوا من وجهة نظر حيادية كمقاتلين، استنادا إلى التجارب السابقة التي أثبتت ضراوة المواجهات بين الطرفين مع استبعاد فكرة الاستسلام من طرف القوات غير النظامية ومما عزز الفكرة الأخيرة ما يتم الإعلان عنه بين فترة وأخرى من سوء معاملة السجناء العراقيين.

الثاني: إرباك عمل رجال العصابات ومنعهم من شن هجمات على أهداف أخرى يمكن أن يكون لها تأثير عميق على الخطط السياسية والاقتصادية والعسكرية، ومن الواضح أن عملية "المجتاح" قد ترافقت مع انعقاد جلسة البرلمان العراقي المنتخب بعد طول انتظار.

وفيما يتعلق بالشق الأول فقد أوضح ناطق عسكري أميركي أن الهدف من العملية منع القوى المعادية من إقامة ملاذ آمن في المنطقة الشاسعة.

بينما يلاحظ أن الشق الثاني من الهدف قد تحقق جزئيا ولوقت محدود هذا إذا كانت المقاومة تستهدف بالأصل البرلمان العراقي، إذ إن الميزات التي ما زال يتمتع بها رجال العصابات تجعل من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- حسم الحرب ضدهم.

وقد أثبتت المواجهات السابقة واللاحقة أن القوات غير النظامية تستند إلى حرية حركة في اختيار الزمان والمكان والهدف وأسلوب المواجهة وإلى مقدرتها على التضليل والانتشار والخداع وتوريط القوات النظامية في معارك جانبية ربما تحول أنظارها عن معارك رئيسية تستنزف في الحالتين قواها ومجهوداتها وتؤثر على استعدادها النفسي والقتالي.

ولذلك فإن المواجهة غير المتكافئة بين القوات الأميركية والعراقية من جهة، والقوات غير النظامية من جهة ثانية لا يعتمد حسمها على التفوق في القوى والوسائط والتسليح بل يعتمد إلى حد بعيد على الحسم بين قوى تملك الفكر والمقدرة على الإقناع وقوى تملك السلاح والمقدرة على البطش.

وعلى هذا الأساس يبدو أن القوات غير النظامية التي تخوض حرب عصابات في العراق تتجنب المواجهات المباشرة والمعارك التصادمية وفق مبدأ "أضرب واهرب" وتلجأ إلى خوض الحرب بأساليب مختلفة تماما.

وقد أشار الجنرال الفيتنامي جياب ومن قبله ماوتسي تونغ إلى هذا الأسلوب عندما قال "إذا لجأ العدو إلى تجميع قواته ألجأ إلى نشر قواتي، وإذا لجأ إلى نشر قواته ألجأ إلى تجميع قواتي".

الحرب غير النظامية
أخيرا إن الوعود بحسم المعركة والانتصار التي تطلقها قيادات القوات النظامية العسكرية والسياسية تحتاج إلى دليل تاريخي وحقيقي على الأرض.

فمن المعروف في التاريخ العسكري أن الحرب النظامية فشلت في مواجهة الحرب غير النظامية التي تعتمد على أيدولوجيات وأرض وسكان واستعداد نفسي وعملي للتضحية في مواجهة نوع من الفراغ السياسي للحرب النظامية التي لا تلتزم عادة بالمبادئ الأخلاقية للحرب كما هو الحال دائما وكما هو معلن بين الفترة والأخرى في الحرب الدائرة على أرض العراق.

والأمثلة على ذلك عديدة، منها حرب أنصار ماوتسي تونغ في الصين ضد قوات الصين الوطنية بقيادة تشن كاي تشك التي اعتمدت على التحرك الواسع في الأرياف، ومنها الحرب الفتنامية على الفرنسيين أولا، ثم الأميركيين الذين انسحبوا أمام ثوار الفيت كونغ في وضع مترد من الفوضى والارتباك.

"
القوات الأميركية أمام خيارين إذا كانت ترغب في وضع حد لدائرة العنف في العراق، إما الدخول في مفاوضات مع ممثلي المقاومة، وإما الاستمرار في تدريب وتطوير القوات العراقية المتحالفة معها لاستخدامها لخوض حرب بالوكالة عنها
"
وأيضا فقد انتصر أسلوب الحرب غير النظامية في الجزائر في مواجهة فرنسا وفي الجنوب اليمني في مواجهة بريطانيا، وفي أفغانستان في مواجهة القوات السوفياتية بالإضافة إلى أمثلة من أميركا اللاتينية وأفريقيا وأنغولا وزمبابوي (روديسيا سابقا)، وبنسبة أقل في جنوب أفريقيا.

وكانت الحرب غير النظامية تؤدي دائما إما إلى انسحاب القوات النظامية بدون مفاوضات كما حصل في أفغانستان حيث أدى انسحاب القوات السوفياتية إلى انهيار سريع للنظام الموالي لها، أو بعد مفاوضات كما حصل في جنوب اليمن بين القوات البريطانية النظامية والقوات غير النظامية فيما كان يعرف باتحاد الجنوب العربي، وكما حصل في الجزائر حيث أدت المفاوضات إلى توقيع اتفاقية إيفيان بين جبهة التحرير الجزائرية وفرنسا.

وفي كل التجارب التاريخية العسكرية كانت قوات الاحتلال النظامية تعتمد على قوات محلية في مواجهة القوات غير النظامية (المقاومة) لكن هذه القوات المحلية تنهار عادة بعد انسحاب قوات الاحتلال.

وبالاعتماد على هذه الحقائق التاريخية والواقع على الأرض فإنه يبدو أن القوات الأميركية أمام خيارين إذا كانت ترغب في وضع حد لدائرة العنف في العراق.

فإما الدخول في مفاوضات مع ممثلي المقاومة العراقية لوضع جدول زمني لانسحابها، وإما أنها تستمر في تدريب وتطوير القوات العراقية المتحالفة معها في محاولة لاستخدامها لخوض حرب بالوكالة عنها، بينما تقوم القوات الأميركية بالحفاظ على قواها البشرية والانسحاب من التجمعات السكنية والتمركز في قواعد إستراتيجية يسهل الدفاع عنها.

وبين الخيارين يكمن خيار ثالث يتمثل في سياسة الهروب إلى الأمام أي توسيع دائرة الحرب في إطار سياسة الأرض المحروقة أو البساط المطوي لإعادة الاحتلال على غرار ما فعلته فرنسا في الجزائر وأخفقت فيه، أو ربما في إطار توسيع رقعة الحرب لتشمل دولا أخرى لخلق واقع جديد يعبر عنه الإستراتيجيون الأميركيون باسم "الفوضى الخلاقة".

إن الاختيار يعتمد بدرجة كبيرة على تقدير صحيح للموقف وتعديل كافة الأساليب التي ظهر أنها كانت خاطئة، وبدراسة متوازنة للمصالح الأميركية في المنطقة. هذا إذا تم استثناء المبادئ الأخلاقية للحرب.
__________________
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة