الصومال بين التدويل والتجاذبات المحلية   
الأربعاء 1427/6/2 هـ - الموافق 28/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 12:59 (مكة المكرمة)، 9:59 (غرينتش)


عصام حسين الجامع

استقطبت التطورات المتسارعة في الصومال اهتمام المجتمع الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة. غير أن المطًلع على هذا الشأن لا يخفى عليه عدم تجانس الرؤى الدولية والإقليمية حول المعضلة الصومالية.

فالدور الأميركي يدخل في إطار المحافظة على الأمن العالمي المهدد من قبل أفراد وجماعات أكثر منه من دول، والمحافظة على الأمن القومي الأميركي بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، واحتواء الدول المفككة المهيأة لاحتضان الفكر الأصولي والحركات الإرهابية ودمجها في النظام العالمي الجديد.

وقد تزايدت وطأة هذا الدور بعد ظهور الصومال في أعين بعض أقطاب جهاز المخابرات المركزية الأميركية كمرشح قوي لاحتضان أنشطة "الإرهاب الإسلامي"، لدرجة كشفت معها بعض التقارير الصحفية عن ضربة عسكرية أميركية ضد معاقل الإسلاميين في مقديشو إثر معلومات استخباراتية تفيد بوجود عناصر أجنبية مدعومة من حركات إسلامية محلية.

ورغم عدول أميركا عن هذا العمل فإن هذه التهديدات أخذت منحى آخر يتفق إلى حد بعيد مع مصطلح "الحرب بالوكالة" و"الحرب بالظل"، تجلى في الدعم المالي والتنسيق الاستخباراتي بين وكالة المخابرات الأميركية وما سمي باتحاد مناهضة الإرهاب وإعادة الأمن.

"
الكشف عن نية الإدارة الأميركية البحث عن إستراتيجية جديدة إزاء الصومال ورغبتها في دعوة بعض الأطراف الدولية والإقليمية للمشاركة في وضعها، يعد اعترافاً جلياً بفشل سياستها السابقة وتحولاً مهماً في رؤيتها للمعضلة الصومالية
"
لا شك في أن كشف الرئيس الأميركي عن نية إدارته البحث عن إستراتيجية جديدة إزاء الصومال ورغبتها في دعوة بعض الأطراف الدولية والإقليمية للمشاركة في وضعها، يعد اعترافاً جلياً بفشل سياستها السابقة وتحولاً مهماً في الرؤية الأميركية للمعضلة الصومالية.

ويجد المدقق أن الرؤية الأميركية قد تطورت من مجرد رؤية أحادية أمنية ضيقة إلى رؤية متبناة من قبل أعلى سلطة سياسية في واشنطن تبحث عن البعد الإستراتيجي للدور الأميركي في الصومال، بالتشاور والتعاون مع أطراف دولية وإقليمية.

ليس خافيا أن التطورات الدراماتيكية المتسارعة في الجنوب عموماً وفي مقديشو خصوصاً، تعد عاملاً رئيسياً دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة النظر في سياساتها بالصومال، ودفعت أطرافا عديدة إلى المبادرة بالاستفادة من الفرص الحقيقية التي أفرزتها هذه التغيرات، ومحاولة احتواء أية انعكاسات سلبية محتملة على الأمن والاستقرار العالميين.

فالتطورات الأخيرة في جنوب الصومال لا تعد مجرد تغيرات في ميزان القوة العسكرية فحسب، وإنما تشكل تغيراً إستراتيجياً في تاريخ المعادلة السياسية الصومالية منذ سقوط حكم الرئيس السابق محمد سياد بري عام 1991. ويتجلى هذا التحول الإستراتيجي فيما يلي:

1- ظهور فصيل واحد مسيطر على معظم مناطق الجنوب الصومالي. فقد تميزت الساحة الصومالية في الجنوب طوال الأعوام الـ15 الأخيرة بوجود عدة فصائل عسكرية تسيطر كل منها على جزء من أجزاء العاصمة مقديشو أو باقي المناطق المحاذية لها. وقد ساعد ذلك في استمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار وعرقلة جميع جهود المصالحة التي بذلت من دول وأطراف عديدة.

2- تقلص النفوذ الإثيوبي في الشأن الصومالي، إذ تعد سيطرة تحالف اتحاد المحاكم الإسلامية على معظم مناطق الجنوب رسالة قوية للإدارة الإثيوبية، مفادها أن الشعب الصومالي الجنوبي كسائر الصوماليين يرفض النفوذ الإثيوبي الذي تمثل في حلفائها من أمراء الحرب.

3- إقامة مؤسسات النظام الاتحادي الانتقالي في "بيداوه" جنوبي الصومال، وسيطرة القوات الحكومية على زمام السلطة فيها وطرد المليشيات العسكرية منها.

إذ يعكس هذا التواجد الإرادة الجادة من قبل النظام السياسي في دفع العملية السياسية إلى الأمام، ورسالة واضحة إلى الشعب الصومالي في الداخل والخارج مفادها عودة رموز الدولة إلى المعادلة السياسية على أرض الواقع بعد غياب دام 15 عاما، وجدية هذه الرموز في انتهاج كل السبل الكفيلة بإشاعة مظاهر الأمن والاستقرار وسيادة القانون.

ورسالة أخرى إلى المجتمع الدولي مفادها ضرورة دعم ومساندة المؤسسات الشرعية في البلاد، وتضييق الخناق على أمراء الحرب وأعوانهم الداخليين والخارجيين الذين يهدفون إلى المحافظة على مكتسباتهم غير الشرعية الناتجة عن استمرار حالة الفوضى وانفلات الأمن وغياب مؤسسات الدولة.

"
التحول الإستراتيجي في الصومال يتجلى في: ظهور فصيل واحد مسيطر على معظم مناطق الجنوب الصومالي, وتقلص النفوذ الإثيوبي في الشأن الصومالي, وإقامة مؤسسات النظام الاتحادي الانتقالي في بيداوه
"
لكن رغم أن الرؤية الأميركية للقضية الصومالية قد طرأ عليها تغير ملموس، فإن المؤشرات الأولى لهذه الرؤية تشير إلى أن الولايات المتحدة ما زالت مستمرة قدماً في التعريف الذاتي للتحديات والفرص الكامنة في القضية الصومالية. هذا التعريف الذي تجلى على نحو واضح في استمرارية انحصار الرؤية الأميركية في البعد الأمني والابتعاد عن المفهوم الشمولي عند البحث في المعضلة الصومالية، والتعاطي معها في دائرة الحلفاء والأتباع.

وتعد هذه المؤشرات الأولية بوادر أولية لخلافات أميركية أميركية, وأميركية أوروبية، وأميركية أفريقية وعربية حول المسألة الصومالية.

فبعض التقارير تفيد بوجود خلافات إزاء السياسة الأميركية في الصومال داخل كل من وزارة الخارجية الأميركية ووكالة الاستخبارات. كما أن الأوروبيين في أكثر من مناسبة قد أفصحوا عن مدى استيائهم للسياسات الأميركية في الصومال وخصوصاً في كيفية تعاطي الأميركان مع الإسلاميين والمليشيات الأخرى، وأشاروا إلى مدى إضرار هذه السياسات بالمصالح الغربية الإستراتيجية وفقدان التأييد وتزايد الشعور بالكراهية لكل ما هو غربي.

كما أن أطرافا أفريقية رئيسية -ككينيا وجيبوتي وليبيا ومصر- أبدت استياءها بشكل أو بآخر لاستبعادها من الاجتماعات التي دعت إليها الولايات المتحدة للتباحث حول إستراتيجية جديدة في الصومال. كما أن الجامعة العربية على لسان أمينها العام عمرو موسى أبدت استغرابها لعدم دعوتها إلى هذا الاجتماع.

وفي السياق ذاته نجد تحركات أحادية الجانب لبعض الدول العربية كاليمن والسودان للتدخل في الشأن الصومالي انطلاقا من رؤيتها الأحادية للمداخل والحلول.

تؤكد هذه التحركات والجهود الدولية والإقليمية للتعامل مع الفرص والتحديات التي أفرزتها التطورات الأخيرة في الساحة الصومالية، أمرين أساسيين هما:

الأمر الأول- تدويل القضية الصومالية، وهذا يحمل في طياته من ناحية فرصة يمكن اغتنامها، أبرزها عودة هذه القضية إلى مقدمة الاهتمامات الإقليمية والدولية ما من شأنه أن يسلط الضوء على متطلبات واحتياجات الصوماليين الملحة، ويساعد على كشف الغطاء عن مدى فظاعة الانتهاكات التي ارتكبها أمراء الحرب، فضلاً عن إمكانية استغلال هذا التدويل لزيادة الضغوط على الإثيوبيين والحد من نفوذها في الصومال.

"
يحمل تدويل القضية الصومالية على تحديات أبرزها: هواجس محلية صومالية من تحول الصراع إلى نزاع فكري, وهواجس إقليمية من تنامي قوة المحاكم, ومخاوف أميركية من تواجد خلايا إرهابية متصلة بتنظيم القاعدة
"
كما يحمل تدويل القضية الصومالية من ناحية أخرى عدة تحديات أبرزها:

أ- هواجس محلية صومالية من التحول النوعي للنزاع الصومالي من نزاع قبلي إلى نزاع فكري بين الإسلاميين وبين العلمانيين والكفار. غير أن هذا لا يعني أن البعد القبلي قد تلاشى، بل بالعكس تماماً، فسيطرة مليشيات المحاكم الإسلامية التي تنحدر من قبيلة واحدة هي "الهوية"، هي في أعين بعض القوى الصومالية ليست سوى سيطرة قبيلة واحدة طامحة للسيطرة على معظم مناطق الصومال.

ب- هواجس إقليمية من تنامي قوة اتحاد المحاكم الإسلامية، إذ تعد بعض الأطراف -لاسيما إثيوبيا- أن هذه القوة المتنامية ما هي سوى مقدمة لإقامة دولة إسلامية.

ج- مخاوف أميركية من تواجد خلايا إرهابية متصلة بتنظيم القاعدة.

هذه الهواجس والمخاوف قد تترجم بتحالفات جديدة على أرض الواقع وبسياسات مناوئة لتفوق اتحاد المحاكم، ما قد يتسبب في توتير الأجواء وتعقيد المعادلة السياسية. وقد يساعد في ذلك التركيبة الهشة تنظيمياً لاتحاد المحاكم، إذ تتكون من أربعة أطراف رئيسية:

1- طرف معتدل يمثله رئيس المحاكم شريف شيخ أحمد الذي يحظى بمساندة شعبية كبيرة.

2- طرف يمثله آدم عيرو والشيخ حسن طاهر أويس وهو الطرف الأكثر تشدداً.

3- طرف يمثله يوسف اندا عده المنتمي إلى قبيلة عير وهي من قبيلة الرئيس السابق عبدي قاسم صلاد.

4- طرف يمثله التجار وهم الممول الرئيسي لاتحاد المحاكم في حربه مع أمراء الحرب.

هذه التركيبة غير المتجانسة تنذر بتحالفات جديدة تتلاقى مع الهواجس المحلية والإقليمية والدولية المشار إليها أعلاه ولا يمكن التنبؤ بعواقبها، خصوصاً أن الهدف الرئيسي لقيام هذا التحالف بين الأطراف الأربعة قد تحقق وهو هزيمة أمراء الحرب.

الأمر الثاني- عدم وجود تناغم دولي أو إقليمي حول القضية الصومالية، وهذا الأمر من شأنه أن يرمي بظلاله على الشأن الداخلي الصومالي المهيأ لاحتضان هذه الرؤى غير المتجانسة، وقد تتشكل مخرجاتها على هيئة تحالفات وتشكيلات سياسية وعسكرية جديدة من شأنها أن تزيد الأمور تعقيداً.

لن يتحقق الاستقرار السياسي ويترسخ في الصومال ما لم تتم إعادة الاعتبار إلى المصلحة الوطنية الصومالية العليا، إذ إنه من المهم جداً أن يدرك جميع الفرقاء السياسيين في الساحة الصومالية خطورة ترك القضية برمتها تحت التجاذبات والسجالات وعرضة للمخاطر الخارجية التي قد تفرزها عملية التدويل لهذه القضية.

كما أنه من المهم أن يبادر كل من الحكومة الاتحادية الانتقالية واتحاد المحاكم بإقامة جسور ثقة بينهما والتوقف عن الحرب الدعائية بينهما، والبدء بالتفاوض على مختلف القضايا دون شروط مسبقة.

"
القضية الصومالية اليوم في مفترق طرق، ويخضع القائمون بشؤونها لاختبار حقيقي في مدى إيمانهم بقدسية المصلحة الوطنية الصومالية العليا، وأهمية إعادة الاعتبار للمواطن الصومالي وحقوقه التي كفلتها المواثيق الدولية
"
من الضروري أن لا يقع أي طرف في أخطاء إستراتيجية من شأنها المساس بحرمة المصلحة الوطنية الصومالية العليا كرفض الجلوس للتفاوض واللجوء إلى منطق القوة، أو التآمر مع قوى خارجية، أو الادعاء بأن إثيوبيا ليس لها أية مصالح في التدخل في الشأن الصومالي، أو الاعتماد بصورة كاملة على الطرف الخارجي لحل المعضلة السياسية، أو الادعاء بوجود خلايا إرهابية لكسب الرأي العام الأميركي والدولي، أو محاولة فرض رؤى فكرية معينة على المجتمع الصومالي، أو التغافل عن المخاطر الحقيقية الكامنة في تدويل القضية الصومالية.

كما أنه من الضروري جداً أن لا يدفع أي طرف الطرف الآخر إلى الهاوية، فاتحاد المحاكم ينبغي عليه أن لا يستخدم قوته العسكرية المتنامية للسيطرة على المناطق والأقاليم الآمنة في وسط وشرق الصومال، وأن يدرك قادته أنه وإن كانت السيطرة على بيداوه -مقر المؤسسات الاتحادية الانتقالية- أمرا ممكنا من الناحية العسكرية لضعف القوات النظامية الحكومية، فإن هذا العمل مكلف جداً من الناحية السياسية والإستراتيجية، ومن شأنه أن يتيح المجال أكثر للتدخل الخارجي وتنامي النفوذ الإثيوبي في الشأن الصومالي.

مثلما على الحكومة أن لا تثقل كاهل اتحاد المحاكم بالتنازلات قبل البدء بعملية المفاوضات، وأن تعترف بالدور الكبير الذي لعبه الاتحاد في تخليص الشعب الصومالي من أمراء الحرب الذين عاثوا في البلاد فساداً وتفننوا في إطالة مأساة الشعب الصومالي، وأن تدرك جيداً بأن الاتحاد ليس تنظيماً سياسياً وإنما هو عبارة عن تجمع لقوى مختلفة أرادت توفير الحد الأدنى من الأمن والاستقرار، وأنها على استعداد للبدء في عملية المفاوضات والجلوس والتباحث حول جميع المسائل دون أية شروط رغم تحفظاتها الكثيرة على العديد من القضايا.

القضية الصومالية اليوم في مفترق طرق ويخضع القائمون بشؤونها -من الساسة الصوماليين ووجهاء القبائل وممثلي المجتمع المدني والعلماء والمثقفين- لاختبار حقيقي في مدى إيمانهم بقدسية المصلحة الوطنية الصومالية العليا، وأهمية إعادة الاعتبار للمواطن الصومالي وحقوقه التي كفلتها المواثيق الدولية.
__________
كاتب صومالي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة