حول ما جرى ويجري في قطاع غزة   
الخميس 1428/5/28 هـ - الموافق 14/6/2007 م (آخر تحديث) الساعة 13:47 (مكة المكرمة)، 10:47 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

في قطاع غزة طرفان يقتتلان، أحدهما يستمتع بممارسة لعبة "خمسة بلدي"، وفي رواية "عشرة بلدي" مع خصمه، والتعبير يستخدم للزعرنة ومشاكسة الخصم في اللهجة العامية الفلسطينية، وبالطبع من أجل تحقيق جملة من الأهداف على رأسها تنغيص حياته وجعل وجوده في الحكومة صعباً إلى حد كبير، مع جعل احتمال تجاوزه للحكومة نحو مفاصل السلطة (الأمنية على وجه التحديد، فضلاً عن بعض المفاصل الأخرى داخل المؤسسات الرئيسية والوزارات) مستحيلاً بصرف النظر عن واقع الانفلات الأمني.

وللحقيقة فهذا الطرف لا يمثل فتح كحركة تحرير، وإنما يمثلها كحزب سلطة يمكن لواقع التدافع الداخلي والخارجي أن يفرض على رأسه شخصاً أو مجموعة أشخاص من دون أن يكون لهم سند شعبي، بل ولا حتى احترام بين الكوادر، لاسيما في ظل غياب، بل تغييب القيادة التاريخية بالطريقة المعروفة.

"
أزمة تيار "خمسة بلدي" (دحلان ومن معه) هي في عدم قدرته على حسم المعركة بالقوة، فتراه يضرب ويتحرش ويمارس الانفلات وحين تبدأ الردود ويحشر في الزاوية يمعن في الصراخ وطلب الوساطات والتساهل معها
"
ليس هذا محض تحليل، فحين يجري الحديث عن تيار بعينه في فتح يقود المواجهات ويمارس لعبة "خمسة بلدي" مع حماس، فإن الجميع سيشير إلى رأس هذا التيار وبعض رموزه، أعني محمد دحلان وبعض المتعاونين معه. بعد ذلك سنعثر في غزة مثلاً على أمين سر الحركة أحمد حلس وآخرين إلى جواره في اتجاه آخر، كما نعثر في الضفة الغربية على قادة صرخوا بالفم المليان أنهم لن يسمحوا بتطبيق نظرية الانتقام من حماس في الضفة رداً على قوتها أو استضعافها لفتح في غزة.

وللمفارقة فإن أزمة هذا الطرف (دحلان ومن معه) هي في عدم قدرته على حسم المعركة بالقوة، فتراه يضرب ويتحرش ويمارس الانفلات وحين تبدأ الردود ويحشر في الزاوية يمعن في الصراخ وطلب الوساطات والتساهل معها، ومن ثم توقيع الاتفاقات التي ما تلبث أن تتحول إلى لا شيء، لأن اللعبة المشار إليها لا بد أن تعود من جديد ولذات الهدف المتمثل في تطفيش حماس من الحكومة، أو جعل وجودها فيها مستحيلاً أو مكلفاً على مختلف الصعد.

وهو بالمناسبة سيواصل هذه اللعبة حتى يكون بوسعه تغيير ميزان القوى. والأميركيون يمعنون في الضغط على تل أبيب من أجل تعزيز خطة "دايتون" لتعزيز قوات الأمن الموالية للرئيس الفلسطيني، وقد طلب دحلان دعماً تسليحياً عربياً ما زال الإسرائيليون مترددين في إدخاله كما كشفت ذلك الدوائرالإسرائيلية مطلع شهر يونيو/حزيران الحالي، فيما يقال إن بعضه قد دخل بالفعل.

أما الأموال الأميركية فقد وصلت من قبل، ويقوم الطرف المعني بوضعها في مصارفها الطبيعية!! وتبقى قصة الشرعية والانقلاب عليها التي أشار إليها عدد من الناطقين باسم الطرف المذكور، وهي قصة تؤكد أن فتح لا تزال ترى نفسها الشرعية، بينما الطرف الآخر طارئ على اللعبة وليس له شيء، ولا ينبغي أن يكون له أي شيء!!

في المقابل يبدو الطرف الثاني موحداً حيال ما يجري، أعني حماس التي لم نسمع قائداً فيها يدين التصدي للعبة الانفلات والتحرش المتواصل التي يمارسها الطرف الآخر، وقد تجلى ذلك بشكل أوضح خلال الجولة الأخيرة التي يبدو أن قرارها المبدئي هو ترك القوة العسكرية لحماس تحسم الموقف وعدم السماح بنجاح لعبة "خمسة بلدي" من جديد.

وفي القاهرة قال وزير الداخلية السابق سعيد صيام لأحد المسؤولين المصريين الكبار (يقال إنه مدير المخابرات عمر سليمان) وعلى مسمع من قادة في الفصائل "ارفعوا الغطاء عن محمد دحلان وسننهي الانفلات الأمني في أسبوع واحد أو عشرة أيام"، لكنهم لن يرفعوه على أية حال.

ليس لأن القاهرة تستمتع بصحبة الرجل (هي لا تطيقه في واقع الحال، ولطالما قال عنه المسؤولون المصريون إنه "بتاع إسرائيل")، بل لأنها تدرك أن موازين القوى الخارجية (الأميركان والأوروبيون والإسرائيليون) تعمل لصالحه من جهة، فيما تدرك من جهة أخرى أنه وحده القادر على تخليصها من الصداع الحمساوي في خاصرتها الفلسطينية.

"
حماس في أزمة بالغة الصعوبة لأن الذين يراقبون الاقتتال يعولون عليها هي التي ما لوثت بنادقها بدم الفلسطينيين في أي يوم، وذلك من دون أن ينتبهوا إلى التفاصيل التي يختلط فيها الحابل بالنابل, لكن الحركة لا ترى المشهد على هذا النحو، وهي محقة هذه المرة
"
فهي منذ اللحظة الأولى لم ترتح للنتيجة الانتخابية، وبدت توجهاتها واضحة في مطاردة التجربة؛ أولاً لأنها تمثل إسلاميين سيؤثرون بدورهم على الحراك السياسي المصري الداخلي، وثانياً لأن الوضع المصري منذ التوجه نحو التوريث لم يعد بوسعه مخالفة التوجهات الأميركية، وثالثاً لأن واشنطن قد منحت القيادة المصرية حرية قمع معارضتها الإسلامية مقابل التراجع في الملفين العراقي والفلسطيني.

حماس بدورها، وإن تكن موحدة في هذا الصراع، فهي في وضع لا تحسد عليه، بل في أزمة معقدة، وهي أزمة جاءت نتيجة قرار دخول انتخابات التشريعي، حتى لو غضب منا بعض أحبائنا لأننا لا نتوقف عن التذكير بذلك.

وبالمناسبة فإن حديثنا عن وحدة الحركة هنا لا يعني غياب أصوات لها رؤية أخرى، وهي أصوات محدودة يصفها الطرف الآخر (أعني في السلطة وبعض دوائر فتح) بالاعتدال، وهو الذي يعلم تمام العلم ما تختزنه من قوة تدميرية للحركة وتراثها، والسبب هو أن مسار الحل لديها يتمثل في التفاوض المباشر مع المحتل والموافقة على شروط الرباعية من أجل فك الحصار.

ولو ملكت تلك الأصوات قليلاً من العقل (لن نشكك في النوايا) لعلمت أن عليها أن لا ترى الدرجة الأولى في سلم التنازلات، بل الدرجات الكثيرة التالية، والتي ستدمر الحركة وتاريخها وتجلب القاعدة إلى فلسطين، ربما على نحو مبرر هذه المرة، فيما تقدم لفتح ذاتها القدرة الأكبر على تقديم التنازلات من دون كثير مساءلة، اللهم إلا ما سيرد به "المجاهدون الجدد" بعد ذلك.

والقدرة هنا تشمل شرعية الانتخابات التالية التي سترتب من أجل فوز مضمون لفتح بطبعتها الجديدة، كما تشمل شرعية الدعم العربي والدولي اللذين لن يطيق الإسلاميين حتى لو خلعوا جميع ثوابتهم السياسية نظراً لما يحملونه من أيدولوجيا مزعجة تستثير الصراع على نحو دائم، فيما تثير شهية نظرائهم الآخرين وتمنحهم المزيد من القوة الشعبية.

حماس إذن في أزمة بالغة الصعوبة لأن الذين يراقبون الاقتتال يعولون عليها هي التي ما لوثت بنادقها بدم الفلسطينيين في أي يوم، وذلك من دون أن ينتبهوا إلى التفاصيل، تماماً كما يحدث في أوضاع من هذا النوع يختلط فيها الحابل بالنابل ويصاب الناس بسببها بالإحباط، لكن الحركة لا ترى المشهد على هذا النحو، وهي محقة هذه المرة.

حماس اليوم ترى أن في مقابلها طرف يريد طردها من الحكومة تمهيداً للتنكيل بها وتمرير برنامج سياسي لا صلة له بالطموحات الفلسطينية، وهي تعلم أنه طرف مؤهل لفعل أي شيء، إذ تتذكر كيف حلق لحى زعمائها وعذبهم على نحو بشع في النصف الثاني من التسعينيات ووضع خيرة رجالها في السجون وأوقف بالقوة مسار المقاومة.

تتذكر كيف فعل ذلك من دون أن يحسب أي حساب للجماهير الفلسطينية، ولا لردود الفعل الشعبية العربية والإسلامية.

"
حماس تبدو هذه المرة وكأنها قررت حسم الموقف عسكرياً وبشكل نهائي في القطاع، وإن كنا نكتب قبل نهاية المعركة التي تتجه نحو الحسم فيما يبدو, على أن ذلك لا ينفي أن القضية في هذه المعمعة خاسرة لا جدال في ذلك
"
من هنا لا تجد الحركة وقيادتها الرافضة لنصائح "العقلاء" الداخليين والرافضة أيضاً لنصائح آخرين يطالبونها بالخروج من اللعبة نحو المجهول، لا تجد أمامها غير خيار الدفاع عن نفسها رغم أنها لا تملك إجابات على الأسئلة التالية، هي التي تستباح بيضتها بيد الاحتلال في الضفة الغربية، مع العلم أن فلسطين ليست قطاع غزة كي ترى أن بوسعها الاستئثار به بسطوة قوتها العسكرية، فهو (أي القطاع) ليس سوى 1.5% من فلسطين التاريخية، وهو 6% فقط من الأراضي المحتلة عام 67.

وفي الضفة يقبع نوابها ووزراؤها ورؤساء وأعضاء بلدياتها، ومعهم قيادات الصف الأول والثاني، وربما الثالث في السجون والمطاردة لا تتوقف، والنتيجة أن الفوز في القطاع لن يعني الكثير بسبب أوضاعه الخاصة، هو الذي يحاصره الإسرائيليون من الأرض والسماء، فيما لا يملك أي منفذ خارجي سوى المنفذ المصري، وهو منفذ تتحكم به السياسة من دون شك.

على أن ذلك لا يقلل من أهمية ما يجري هذه المرة بالنسبة لحماس التي يبدو أنها قررت حسم الموقف عسكرياً، وبشكل نهائي في القطاع، بحيث تتوقف لعبة التحرش المتواصل بها، وإن كنا نكتب قبل نهاية المعركة التي تتجه نحو الحسم فيما يبدو، على أن ذلك لا ينفي أن القضية في هذه المعمعة خاسرة لا جدال في ذلك، وهي خسارة لا تعني فتح أو حماس، بل تشمل جميع الفلسطينيين والقضية عموماً، لكن خسارتها لا تبدأ من هنا، بل تبدأ من لحظة الفراق في الساحة الفلسطينية بين تيار يناهض المقاومة، وسبق أن انقلب على ياسر عرفات بسببها، وبسبب تعنته السياسي بالطبع!!

وبين تيار يرى أن بوسع المقاومة أن تحقق للفلسطينيين المزيد من الإنجازات في الضفة كما فعلت في غزة وقبل ذلك في لبنان، بالطبع في حال جرى الإصرار عليها وليس الدخول في متاهة تفاوض ليس لها أفق غير الدولة المؤقتة داخل حدود الجدار، حتى لو أمعن القوم في إطلاق التصريحات الرافضة للدولة المذكورة.

في ظل هذه الأوضاع المعقدة سيبقى التدافع قائماً، بما فيه من اقتتال، وأقله تحرش، من الصعب القول إنه سيتوقف تماماً لأن الطرف الآخر لن يسلم بالهزيمة، لا هو ولا من يدعمونه عربياً ودولياً، ولن يحدث أي تغيير إلا في إحدى حالتين، أن يحسم التدافع الداخلي في فتح لصالح تيار يؤمن بالشراكة السياسية والنضالية مع حماس، أو تحدث تغييرات عربية وإقليمية تبعاً لما يجري في العراق وما سيجري مع إيران، يمكنها أن توفر ميزان قوى جديد يسمح باستئناف خيار المقاومة في الساحة الفلسطينية.

أما في حال حسم الموقف عسكرياً لصالح حماس فلا يعرف إلى أين سيحمل المعادلة، إذ سيعتمد ذلك على الموقف المصري، لكن المرجح هو تحسن الوضع الأمني لبعض الوقت، من دون أن يعني ذلك حسم الموقف بشكل نهائي، وتبقى إمكانية غلبة الروح الحزبية في فتح وصولاً إلى ضرب حماس في الضفة على نحو يفرض على حماس غزة تعاملاً آخر.

"
إذا حدث تطور سياسي على شاكلة حل الحكومة أو إعلان حالة الطوارئ من قبل عباس، فإن الموقف لن يتغير كثيراً، لكنه سيشير بالتأكد إلى أن فتح قد توحدت تماماً خلف المسار الذي فرضه دحلان، ما سيعمق الأزمة ويجعل حلها أكثر صعوبة
"
أما في حال حدوث تطور سياسي على شاكلة حل الحكومة أو إعلان حالة الطوارئ من قبل الرئيس الفلسطيني، فإن الموقف لن يتغير كثيراً، لكنه سيشير بالتأكد إلى أن فتح قد توحدت تماماً خلف المسار الذي فرضه دحلان، ما سيعمق الأزمة ويجعل حلها أكثر صعوبة.

هناك بالتأكيد الخيار الأفضل للفلسطينيين والقضية الفلسطينية، أعني خيار حل السلطة التي لم يعد ثمة شك في أنها مصلحة إسرائيلية، لكنه خيار مستبعد كما نقول دائماً حتى لو وافقت عليه حماس، ليس فقط لأن قيادة السلطة سترفضه، بل أيضاً لأن المرجعية العربية (المصرية تحديداً) سترفضه أيضاً.

إلى أن يحدث تحول إيجابي لا يبشر بعودة الاقتتال، على حماس أن تغير تكتيكها العسكري والسياسي وحتى الإعلامي في التعامل مع ما يجري في القطاع، وكذلك الحال في الضفة، وبالطبع عبر تصعيد سياسي شعبي يتحدى إجراءات الاحتلال من اعتداءات واغتيالات واستيطان وجدار وتهويد قدس، فضلاً عما تيسر من مقاومة، وهو مسار يمكنه أن يعيد ترتيب الأوراق على نحو يوحد الجماهير وينسيها بؤس الاقتتال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة