البرنامج النووي الإسرائيلي.. تآكل مسوغات الغموض الإيجابي   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ صالح محمد النعامي

- سادس قوة نووية في العالم
- جذور سياسة "الغموض الإيجابي"
- رهانات إسرائيل على سياسة "الغموض الإيجابي"

- دعوات لمراجعة "الغموض الإيجابي"
- الإفراج عن فعنونو يقلص مبررات "الغموض الإيجابي"

مع إفراج السلطات الإسرائيلية عن مردخاي فعنونو خبير الذرة الذي قضى ثمانية عشر عاما في السجن بعد إدانته بالكشف عن أسرار البرنامج النووي الإسرائيلي، يجدد الجدل داخل إسرائيل وخارجها حول مستقبل هذا البرنامج.

في إسرائيل برزت العديد من الأصوات الداعية إلى إعادة تقييم سياسة "الغموض الإيجابي" التي اتبعتها الدولة العبرية إزاء برنامجها النووي منذ أواسط الستينيات من القرن الماضي وحتى الآن، وهي السياسة القائمة على رفض دوائر صنع القرار الإقرار بشكل رسمي بامتلاك ترسانة نووية، لكن في نفس الوقت إعطاء كل المؤشرات غير المباشرة على وجود مثل هذه الترسانة.

وتهدف إسرائيل من وراء هذه السياسة مراكمة عامل الردع في مواجهة الدول العربية، وردعها عن مجرد التفكير بأنه من الممكن القضاء على دولة إسرائيل ونحن هنا بصدد مناقشة مستقبل سياسة "الغموض الإيجابي"، في ضوء المتغيرات الدولية والإقليمية وبالاستناد إلى جملة الحسابات التي دفعت الدولة العبرية إلى اتباع هذه السياسة.

سادس قوة نووية في العالم

قبل أن يكشف فعنونو عن البرنامج النووي الإسرائيلي، كان العالم بأسره لا يعي فقط أن إسرائيل دولة نووية بل أن حجم ترسانتها النووية يؤهلها لاحتلال المكانة السادسة في العالم
حتى قبل مبادرة فعنونو بالكشف عن أسرار البرنامج النووي الإسرائيلي، فقد كان العالم بأسره لا يعي فقط أن إسرائيل دولة نووية، بل إن هناك تقديرات بأن حجم الترسانة النووية في الدولة العبرية يؤهلها لاحتلال المكانة السادسة في ترتيب الدول التي تملك ترسانات نووية كبيرة.

وحسب التقارير التي قدمتها وكالة الاستخبارات الأميركية CIA فإن إسرائيل تملك حوالي 400 رأس نووي، فضلاً عن نجاحها في تطوير قنابل هيدروجينية. وحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية فإن الدولة العبرية قد طورت صواريخ تحمل رؤوسا نووية قادرة على ضرب أي بقعة في العالم.

العام الماضي حدث تطور هام على البرنامج النووي الإسرائيلي عندما تم مد سلاح البحرية بغواصات مزودة بصواريخ تحمل رؤوسا نووية، وفسر هذا التطور في حينه على أنه جاء من أجل تمكين إسرائيل من ضرب الدول العربية والإسلامية البعيدة جغرافيا عن الدولة العبرية، في حال مثلت هذه الدول خطراً عليها.

جذور سياسة "الغموض الإيجابي"
منذ الإعلان عن قيام الدولة العبرية في العام 1948، فطن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول ديفد بن غوريون إلى ما اعتبره "حلولاً خلاقة" لمواجهة التهديدات العربية على وجود الدولة العبرية.

بن غوريون كان مبهوراً بالخطوة التي أقدمت عليها الولايات المتحدة بإلقاء قنبلتين ذريتين على اليابان من أجل حسم الحرب العالمية الثانية. وهو اعتبر أن ضمان مستقبل الدولة العبرية يكمن في قدرتها على تطوير برامج أسلحة غير تقليدية، وبالذات البرنامج النووي لردع الدول العربية عن مجرد التفكير بإمكانية تهديد وجود الدولة العبرية.

استعان بن غوريون بشخصين كان لهما بالغ الأثر في انطلاق البرنامج النووي الإسرائيلي وتطوره، وهما المدير السابق للهيئة النووية الإسرائيلية البروفيسور إيرنتس ديفد بريغمان الذي شغل في نفس الوقت منصب مدير قسم الأبحاث في وزارة الدفاع، والمدير العام لتلك الوزارة في ذلك الوقت شمعون بيريس الذي تولى فيما بعد منصب رئيس الوزراء، والآن يتزعم حزب العمل المعارض.

وعبر شبكة علاقاته الواسعة استطاع بيريس في العام 1957 إقناع الحكومة الفرنسية بتزويد إسرائيل بمفاعل ذري، بعد أن طور علاقات خاصة مع الرئيس الفرنسي شارل ديغول.

في الفترة الممتدة من العام 1966 وحتى نهاية العام 1967، أنهت إسرائيل المرحلة الأولى من برنامجها النووي بإنتاج عدد من القنابل الذرية يتراوح بين ثلاث إلى سبع قنابل. ومنذ ذلك الحين وحتى الآن تطورت أغراض البرنامج النووي الإسرائيلي لتشمل تطوير قنابل هيدروجينية، فضلاً عن تطوير رؤوس نووية يمكن تركيبها على صواريخ، إلى غير ذلك من الأغراض.

الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة التزمت بسياسة "الغموض الإيجابي" ورفضت بإصرار التوقيع على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، بدعم وتأييد الولايات المتحدة التي دعمت استثناء إسرائيل من التوقيع على المعاهدة دون بقية دول المنطقة التي سارعت واشنطن إلى غزو بعضها وتهديد الآخر في سعيها لمنع هذه الدول من تطوير السلاح غير التقليدي.

في نفس الوقت فقد فرضت الدولة العبرية رقابة مشددة على تغطية الإعلام الإسرائيلي لكل ما يتعلق بالبرنامج النووي، لكن من ناحية ثانية كانت دوائر صنع القرار في الدولة العبرية تشعر بالرضا إزاء نشر بعض التسريبات في وسائل الأعلام الأجنبية على اعتبار أن مثل هذه التسريبات يمثل رسائل واضحة للدول العربية حول هامش الإمكانيات الكبير الذي تتمتع به الدولة العبرية في أي مواجهة معها. بن غوريون، وقادة الدولة العبرية من بعده، اعتبروا أن الترسانة النووية الإسرائيلية بمثابة "بوليصة التأمين" التي يعني التنازل عنها غياب أي قدر من المسؤولية تجاه مستقبل الدولة وأمن سكانها.

رهانات إسرائيل على سياسة "الغموض الإيجابي"

"الغموض الإيجابي" جزء أساسي من الإستراتيجية الأمنية للدولة العبرية التي ترى أن عامل الردع النووي هو الذي دفع الدول العربية لتجنب خوض حروب ضد إسرائيل
يعتبر "الغموض الإيجابي" جزءاً أساسياً من الإستراتيجية الأمنية للدولة العبرية التي أرسى دعائمها بن غوريون. وترى إسرائيل أن عامل الردع الناجم عن إدراك العالم العربي لامتلاكها ترسانة نووية ضخمة، هو العامل الأهم في دفع تلك الدول لتجنب خوض حروب ضد إسرائيل، وهناك في الدولة العبرية من أدعى أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات خطط لحرب محدودة ضد إسرائيل في العام 1973، خوفاً من ترسانتها النووية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين كان يكثر من التلميح بدور الترسانة النووية في تيئيس العالم العربي من ثمار أي مواجهة مسلحة مفتوحة مع إسرائيل. وهناك من بين كبار الإستراتيجيين الإسرائيليين من يرى أنه بعد خمسة عقود على هذه السياسة فإنها تثبت نفسها.

ويقول الجنرال والإستراتيجي الإسرائيلي الدكتور رؤفين فيدهستور إن إسرائيل اليوم أكثر أمناً بفضل ترسانتها النووية، مضيفاً أن أدراك قادة الأنظمة العربية لتلك الحقيقة هو الذي كفهم عن التخطيط لإبادتها. وفي إسرائيل قناعة متجذرة بدور ترسانتها النووية في دفع دول عربية للتوقيع على معاهدات سلام معها.

وقد عبر عن ذلك بشكل واضح، شمعون بيريس، حيث قال "السلام لن يأتي بنفسه، ولن يأتي بتأثير قوى غيبية، لكن إسرائيل أدركت أنه بإمكانها أن تحقق السلام إذا نجحت في إقناع العرب أنه بواسطة التقدم العلمي (يقصد تطوير المشروع النووي) فإن إسرائيل قادرة على أن تقضي على أي فرصة للعرب لتهديد وجودها".

لكن الترسانة لم تنجح –حسب الإسرائيليين– فقط في دفع العرب إلى طاولة المفاوضات، بل إنها عملت على خفض سقف توقعاتهم في المفاوضات.

ويقول أوري ساغيه رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية سابقاً إنه عندما يقدم العرب للمفاوضات وهم يعلمون أنه لا يوجد أمامهم إلا خيار المفاوضات، فإن هذا يساهم في خفض سقف مطالبهم، إذ أنهم يدركون أنهم يفتقرون إلى أوراق ضغط، تتمثل في إمكانيات مادية تهدد وجود إسرائيل.

وهناك سبب موضوعي يجبر إسرائيل على "الغموض الإيجابي"، وهو أن هناك قانونا أميركيا يحظر تقديم أي مساعدات اقتصادية وعسكرية لأي دولة تطور أسلحة نووية. ونظراً لحجم المساعدات الأميركية الهائل لها، فإن الدولة العبرية لا تفكر في تغيير سياستها القائمة بشأن برنامجها النووي.

دعوات لمراجعة "الغموض الإيجابي"
باستثناء بعض المنتمين لمدرسة "ما بعد الصهيونية" فإن أحداً في الدولة العبرية لا يدعو إلى ضرورة التخلص من برنامجها النووي. لكن في المقابل هناك دعوات متزايدة لضرورة مراجعة سياسة الغموض الإيجابي، ودراسة إمكانية أن تبادر الدولة إلى وضع العالم أمام الحقائق كما هي والإعلان رسمياً عن وجود ترسانة نووية.

المؤيدون لمثل هذه الخطوة يقولون إن الظروف الدولية والإقليمية تسمح لإسرائيل باتخاذ مثل هذه الخطوة، ويشيرون إلى تجربة كل من الهند وباكستان اللتين بادرتا إلى الإعلان عن ترسانتهما النووية، بل وعرض تجاربهما النووية بشكل استعراضي دون أن يتعرضا إلى عقوبات جدية.

ويعتقد هؤلاء أن الإدارة الأميركية ستبدي تقهما كبيراً للإقرار الإسرائيلي بوجود ترسانة نووية، حيث لمح أكثر من مسؤول أميركي إلى أن على العالم أن يسلم بوجود الترسانة النووية الإسرائيلية، بحجة أن وجود حكومة منتخبة ديمقراطياً في الدولة العبرية يجعلها تتعامل بـ "مسؤولية" مع ترسانتها النووية، بخلاف "الأنظمة المارقة التي تفتقد لمثل هذه المسؤولية"، وفق المنطق الأميركي.

ويرى المنادون بالتخلص من سياسة "الغموض الإيجابي" أنه لا داعي للخوف من ردة أنظمة الحكم في العالم العربي في حال أقرت إسرائيل بترسانتها النووية. ويقول نائب حزب العمل حاييم رامون الرئيس السابق للجنة الخارجية والأمن التابعة للبرلمان الإسرائيلي أن الأنظمة الحاكمة في العالم كل ما يعنيها الآن هو ضمان مواصلة بقائها في أعقاب ما حل بنظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

وهناك من يرى في تطوع ليبيا لدعوة الدول العربية للتخلي عن برامج الأسلحة غير التقليدية دون انتظار إسرائيل، دليلا آخر على أن العالم العربي لم يعد يعنيه البرنامج النووي الإسرائيلي.

ويرى المنادون بوضع حد لسياسة الغموض البناء أن من شأن مثل هذه الخطوة على المدى المتوسط أن تعفي إسرائيل من الاستجابة للدعوات بانضمامها لمعاهدة حظر نشر الأسلحة النووية، في نفس الوقت فإن إقرار إسرائيلي رسمي بامتلاك تل أبيب ترسانة نووية يكرس مزيدا من الصدقية لعامل الردع في مواجهة العالم العربي.


هناك دعوات متزايدة لضرورة مراجعة سياسة الغموض الإيجابي ودراسة إمكانية أن تبادر إسرائيل إلى الإعلان رسمياً عن وجود ترسانة نووية
الإفراج عن فعنونو يقلص مبررات "الغموض الإيجابي"
رغم أن هناك من يقول إنه لم يعد في جعبة فعنونو أسرار تتعلق بالبرنامج النووي الإسرائيلي، إلا أن هناك إجماعا على أن الإفراج عنه يقلص الحاجة إلى مواصلة سياسة "الغموض الإيجابي"، وذلك لسببين هامين:

1- نية فعنونو شن حملة دعائية عالمية لمطالبة العالم بتجريد إسرائيل من قدراتها النووية، ومهاجمة النظام العالمي الحالي الذي يتيح تسليم العالم بانفراد الدولة العبرية دون سائر دول المنطقة، بعدم التوقيع على معاهدة انتشار الأسلحة النووية. وهذا سيشكل عامل إحراج شديد لكل من إسرائيل وأميركا.

2- رغم القيود التي فرضتها الدولة العبرية على حرية التعبير بالنسبة لفعنونو، إلا أنه خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في باحة السجن فور تحرره، ألمح إلى تورط الولايات المتحدة بمساعدة إسرائيل في مجال تطوير برنامجها النووي.

فقد قال فعنونو إن الفتاة الحسناء التي تدعى سيندي، والتي استخدمت في إغوائه واستدراجه لكي يقع في أيدي عناصر الموساد الذين نقلوه إلى إسرائيل، كانت في الحقيقة عميلة إما لجهاز المخابرات المركزية CIA أو لمكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، ليلمح إلى أن للولايات المتحدة مصلحة في عدم تسليط الأضواء على مراحل تطوير البرنامج النووي الإسرائيلي.

ما تقدم يجعل البعض يرى أن تخلص إسرائيل من "الغموض الإيجابي" أضحى مصلحة أميركية، لأن إقرارا إسرائيليا بالترسانة النووية يعني درء الحرج عن واشنطن في حال واصل فعنونو الحديث عن الدور الأميركي في تطوير البرنامج النووي الإسرائيلي، مع العلم أن القيود على فعنونو سيتم رفعها في غضون عام.

ومع كل ما تقدم، ومع كل هذه الدعوات، فإنه لا توجد مؤشرات على أن مؤسسة الحكم في إسرائيل بصدد تغيير سياسة "الغموض الإيجابي" في المستقبل المنظور.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة