حول المخاوف الإسرائيلية من نشاط القاعدة   
الخميس 1427/9/13 هـ - الموافق 5/10/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:22 (مكة المكرمة)، 12:22 (غرينتش)
ياسر الزعاترة

 

- لماذا لم تستهدف القاعدة إسرائيل؟
- القاعدة ليست تنظيما هرميا ولا جيشا
- فرصة القاعدة في إسرائيل
- المعركة مع الاحتلال

عندما وقعت تفجيرات منتجع "دهب" السياحي في جنوب سيناء 24/4/2006، شعر الإسرائيليون بالكثير من الخوف، وفي اليوم التالي كتب عمير ربابورت، وهو معلق في صحيفة معاريف يقول: "عاجلا أم آجلا سيجتاز إرهاب القاعدة الحدود بين مصر وإسرائيل، مما يحتم على قوات الأمن الاستعداد بسرعة لمنع التنظيم من تنفيذ التفجير المقبل داخل أراضينا".

أما المعلق روبن بروغمان، فكتب في صحيفة يديعوت أحرونوت يقول: "إن الانفجارات في دهب لم تفاجئ أحدا في إسرائيل، وإن هيئة مكافحة الإرهاب كانت حذرت الإسرائيليين من التوجه إلى سيناء اعتمادا على تحذيرات متتالية تلقتها من جهات أجنبية، ليست مصرية، من عملية تفجير ممكنة في شبه جزيرة سيناء". وأضاف معلومة مهمة تقول إن ثمة قلقا لدى المخابرات الإسرائيلية مردها معلومات حول علاقة بين عناصر محسوبة على الجهاد العالمي في سيناء وبين عناصر في غزة، وذلك على خلفية تسريبات فلسطينية تتحدث عن اتصالات مزعومة بين قائد الجناح العسكري لحركة حماس، محمد الضيف، وبين قادة في القاعدة.

"
وجود مقاومة على الأرض الفلسطينية تقودها حماس والقوى الأخرى ومنها حركة إسلامية أخرى هي الجهاد قد وضع الساحة بيد أناس يثق بهم قادة القاعدة، ومن الصعب الدخول معهم في تناقض
"

مؤخرا، وتحديدا في 25/9/2006، عادت هذه التحذيرات إلى الواجهة من جديد، فقد نقلت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وفي عنوان رئيسي عن أجهزة الاستخبارات وجود مخاوف حقيقية لديها من احتمال أن ينفذ تنظيم القاعدة هجوما "إرهابيا" داخل إسرائيل بواسطة أجانب يعمل على تجنيدهم، الأمر الذي دفع تلك الأجهزة إلى رفع حالة التأهب في صفوفها.

في هذا السياق قال المحلل الإستراتيجي المعروف زئيف شيف إن دولته تأخذ على محمل الجد تهديدات الرجل الثاني في القاعدة أيمن الظواهري باستهدافها، ونسبت إليه جهودا خاصة لإنشاء خلايا في سيناء، مستغلا الأوضاع المعيشية السيئة للبدو هناك.

واعتبر شيف أن سيطرة الأجهزة الأمنية على الحدود لا تنفي وجود "صعوبات في منع تسلل عناصر من القاعدة عبر البحر، سواء عن طريق قطاع غزة أو مصر أو لبنان"، مضيفا أن التنظيم سيعتمد على أجانب لتنفيذ الهجمات وليس عربا، وذلك على غرار ما فعل في أفريقيا حين استخدم أفارقة لتنفيذ الهجمات هناك.

يشار هنا إلى أن آخر رسالة لنائب زعيم القاعدة الدكتور أيمن الظواهري قد تحدثت عن أن الهدفين القادمين للقاعدة هما الخليج والدولة العبرية.

في ضوء ما تقدم يمكن القول إن سؤال القاعدة والدولة العبرية يبدو مطروحا هذه الأيام، وهو سؤال لا يبدو هامشيا بحال من الأحوال، بل يحتاج إلى قدر من التحليل لفهم أبعاده وتطوراته المحتملة خلال المرحلة المقبلة.

لماذا لم تستهدف القاعدة إسرائيل؟
من حق البعض أن يطرح سؤالا كهذا في سياق الحديث عن مواقف القاعدة ونشاطاتها، لكن البعض ما زال يميل إلى طرحه في سياق التشكيك، كأن لأسامة بن لادن موقفا مسبقا من العمل في الدولة العبرية، أو كأنه يخشى تبعات ذلك.

من الصعب الجزم ابتداء بما إذا كانت القاعدة قد سعت إلى استهداف الدولة العبرية أم لا، لكن ما هو واضح إلى الآن هو أنه لم تكن ثمة محاولات مهمة على هذا الصعيد، اللهم إلا إذا وضعنا استهداف السياح الإسرائيليين في منتجع دهب ضمن ذات المنظور، وهو كذلك بالفعل، رغم أن علاقة من النوع المباشر لم تثبت بين العمليات وبين القاعدة.

لكن مزيدا من التدقيق في المسألة سيثبت أن ظروفا موضوعية حقيقية قد حالت دون ذلك إلى الآن، وهي ظروف يتعلق بعضها بالوضع اللوجستي من جهة، فيما يتعلق الثاني بالوضع السياسي الفلسطيني.

من جهة الوضع اللوجستي يمكن القول بكل بساطة إن مسألة استهداف الدولة العبرية ليست بالأمر السهل، بل هي صعبة إلى درجة لا يدانيها استهداف أية دولة أخرى.

فمن جهة هناك اختراقات واسعة النطاق حققتها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في المجتمع الفلسطيني، الأمر الذي يجعل أية محاولة للعمل معرضة للفشل، كما لا يبدو الأمر سهلا في سياق العمل من الخارج لأن القدرات الاستخبارية الإسرائيلية لا تزال الأقوى على الإطلاق.

من جهة السياسة، فإن وجود مقاومة على الأرض الفلسطينية تقودها حماس والقوى الأخرى ومنها حركة إسلامية أخرى هي الجهاد قد وضع الساحة بيد أناس يثق بهم قادة القاعدة، ومن الصعب الدخول معهم في تناقض.

"
غياب البعد التنظيمي التقليدي لا يقلل من أهمية القاعدة، بل ربما زاد في خطورتها، إذ ليس ثمة تنظيم يمكن اختراقه وضرب هرميته القيادية، بل مجموعات متناثرة يمكن أن تتحرك من دون أن ينتبه إليها أحد
"

وفي كل حال فإن أي شخص يرغب في الجهاد في سبيل الله لن يذهب في اتجاه القاعدة وهو يجد أمامه حركة حماس والجهاد بهذا السرب الطويل من الأبطال والشهداء، لاسيما أن الحركتين، كما هو حال الفصائل الأخرى تتكفلان بالتدريب والتبني الكامل في حال الأسر والاستشهاد، وهو ما لا ينطبق على القاعدة، يضاف إلى ذلك بالطبع صعوبة العمل الفردي في ساحة مخترقة وبالغة الصعوبة مثل الساحة الفلسطينية.

يشار هنا إلى أن نظرة قيادة القاعدة لحركة حماس قد غدت إيجابية إلى حد كبير خلال السنوات الأخيرة، خلافا لما كان عليه الحال في السابق حين كان بعض من حول بن لادن يتحفظون على المنهج الفكري والاعتقادي للحركة.

لكن الموقف الإيجابي لعدد من كبار العلماء في الساحة السعودية من الحركة قد ترك آثاره على القاعدة ورموزها، كما لا يبدو الظواهري في تعاطيه مع حماس سلبيا كما هو حاله مع جماعة الإخوان المسلمين وفروعها التي يقف منها موقفا بالغ الحساسية كما يظهر في الكثير من كتاباته وتسجيلاته، مع العلم أن له كتابا هجائيا في تقييم تجربتهم خلال ستين عاما، بعنوان رئيسي هو الحصاد المر.

في كل الأحوال فقد كان للنموذج الذي قدمته حماس في مواجهة العدو آثاره ذات الأهمية البالغة حتى على عناصر القاعدة الذين كثيرا ما ذكروا في وصاياهم أسماء أبطال الحركة ورموزها، فضلا عن تأثير الحركة على ثقافة المقاومة والجهاد والاستشهاد التي سادت العالم العربي والإسلامي.

القاعدة ليست تنظيما هرميا ولا جيشا
نميل دائما إلى القول إن القاعدة ليست تنظيما بالمعنى الحقيقي للكلمة، وأنه باستثناء بعض عناصر حركة الجهاد المصرية الذين انضموا إلى التنظيم، ومعهم بعض أيتام الجهاد الأفغاني الذين تقطعت بهم السبل، فإن القاعدة قد تحولت خلال السنوات الأخيرة، تحديدا منذ هجمات سبتمبر/أيلول، إلى نموذج تحريض أو مصدر إلهام للعديد من العناصر أو المجموعات التي تنفذ أعمالا هنا وهناك.

لا ينفي ذلك بالطبع وجود أفراد أو مجموعات تتبنى الفكرة ويتصل بعضها ببعض هنا وهناك وتوفر التمويل لبعض المجموعات التي تستقل بعملها، لكنها لا تتورع عن نسبة ما تفعل في حال النجاح إلى القاعدة، كما وقع في عمليات لندن ومدريد ودول أخرى.

لكن غياب البعد التنظيمي التقليدي لا يقلل من أهمية القاعدة، بل ربما زاد في خطورتها، إذ ليس ثمة تنظيم يمكن اختراقه وضرب هرميته القيادية، بل مجموعات متناثرة يمكن أن تتحرك من دون أن ينتبه إليها أحد.

كما تتوفر أدوات التحريض، سواء كانت من أدبيات القاعدة ذاتها، أو من المحافظين الجدد في الولايات المتحدة باستمرارهم في نهج استهداف الأمة ورموزها.

"
أجواء انتفاضة الأقصى ومن بعدها أجواء الحرب على العراق وفرت في الداخل الفلسطيني كوادر بلا عدد يقفون في انتظار دورهم في الأعمال الجهادية
"

فرصة القاعدة في إسرائيل
ما من شك في أن مثل هذا السؤال بالغ الأهمية، لكن الإجابة عليه تحتاج بعض التفصيل، ذلك أن إمكانية نجاح القاعدة في الوصول إلى العمق الإسرائيلي تبقى واقعية، لكن مدى النجاح ومستواه يعتمد على جملة من الظروف الموضوعية.

إذا تحدثنا عن مجرد عملية هنا أو هناك يمكن أن تنفذ كما يتوقع الإسرائيليون، فإن إمكانية النجاح تبقى قائمة في كل الأحوال، سواء تم ذلك من خلال بدو سيناء، أو من خلال تنظيمات لبنانية مقربة من برنامج القاعدة عبر الحدود اللبنانية، أو من خلال أجانب يجري تسريبهم من الخارج كما وقع مع الباكستانيين الذين نفذوا عمليات لصالح حماس، وكل ذلك بحسب التقديرات الإسرائيلية.

وتبقى إمكانية تجنيد أناس من الأراضي المحتلة عام 48 ممكنة، سواء من الداخل أو من الخارج، مما يصعب استبعاده، خاصة أن عرب 48 جزء من حراك أمتهم.

وقد سبق مرارا أن ساعد أناس من بينهم إخوانا لهم في سياق عمل مسلح ضد الاحتلال، بل إن بعضهم قد ساعد حزب الله في سياقات استخبارية أيضا.

كل ذلك يبدو متوقعا، وإن بدا بالغ الصعوبة في واقع الحال، لاسيما الشق الأخير، لأن تسرب شخص بجواز سفر أجنبي لا يبدو صعبا، لكن توفير أدوات الفعل هي الصعبة.

اللهم إلا إذا تم ذلك عن طريق تنظيمات فلسطينية، الأمر الذي لا يبدو مستحيلا، وإن تطلب ترتيبات واتصالات ستظل دائما عرضة للكشف كما تقول التجربة في الساحة الفلسطينية.

عندما نشير إلى قدرات العدو الاستخبارية، فنحن لا نضخم الصورة كما يعتقد البعض، إذ أنها كذلك بالفعل، بدليل الثمن الباهظ الذي دفعه ويدفعه الفلسطينيون مقابل استمرار المقاومة.

وحين نتذكر بعض الجدل حول سؤال لماذا كانت التنظيمات الفلسطينية تعلن عن أسماء استشهادييها كنا نقول إن الإسرائيليين كثيرا ما كانوا يعرفون اسم الاستشهادي قبل إعلانه، وبالطبع عبر اختراقهم الواسع للمجتمع الفلسطيني الذي تم عبر عقود من الاحتلال.

هناك الاحتمال الثاني المتعلق بقدرة القاعدة على العمل بشكل أوسع في الأراضي الفلسطينية، وهو أمر لا يبدو مستبعدا في حال ما إذا استمرت التهدئة في الساحة الفلسطينية، من دون أفق سياسي، أو في حال ما إذا جرى استدراج حماس إلى خطاب سياسي لا يليق بتضحياتها ولا ببرنامجها الأساسي المستند إلى القناعات السائدة في الشارع العربي والإسلامي.

في هذه الحال سيكون بالإمكان الحديث عن تسرب مقاتلين من حماس، وكذلك من التنظيمات الأخرى إلى برنامج القاعدة، سواء تم ذلك بمبادرات فردية أو عبر مجموعات صغيرة، أو تم عبر تواصل مع أناس في الخارج، وكلاء للقاعدة أو متبنين لبرنامجها، وفروا التمويل، وهذا ممكن بالطبع.

نقول ذلك لأن أجواء انتفاضة الأقصى، ومن بعدها أجواء الحرب على العراق قد وفرت في الداخل الفلسطيني كوادر بلا عدد يقفون في انتظار دورهم في الأعمال الجهادية.

وهؤلاء لن يقتنعوا بأي شكل من أشكال العمل السياسي مهما كان، وإذا ما تواصلت سياسة التهدئة والسياسة المجربة في سياقات سابقة، فإن تفلت هذه العناصر يبدو متوقعا إلى حد كبير.

"
الصراع على الأرض الفلسطينية لن يتوقف، وهو ليس رهنا بمسار سياسي بعينه، وإذا كان مسار أوسلو قد ووجه بعقلانية القوى الفلسطينية ورفضها الانجرار إلى مربع التصعيد مع السلطة، فإن أي مسار تفاوضي جديد لن يفرض التهدئة على الجميع
"

المعركة مع الاحتلال
من المفيد القول إن دخول القاعدة على خط الصراع مع الدولة العبرية في بعده المباشر لن يكون أمرا هامشيا، إذ أن ثمة مجموعة يمكنها الذهاب في التصعيد إلى مداه بعيدا عن أية حسابات سياسية تأخذها القوى الفلسطينية في الاعتبار، سواء كانت تلك الحسابات متعلقة بها مباشرة، أو متعلقة بمخاوف من ردود الفعل الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني. ومن استهدف أبراجا في نيويورك لن يتورع عن فعل أي شيء مماثل.

كل ذلك يعني أن الصراع على الأرض الفلسطينية لن يتوقف، وهو ليس رهنا بمسار سياسي بعينه، وإذا كان مسار أوسلو قد ووجه بعقلانية القوى الفلسطينية ورفضها الانجرار إلى مربع التصعيد مع السلطة، فإن أي مسار تفاوضي جديد لن يفرض التهدئة على الجميع، حتى لو فرضها على قوى المقاومة من خلال الضغوط المختلفة، أو من خلال استمرار توريطها في لعبة السياسة كبديل عن المقاومة.

يبقى السؤال المتعلق بتأثير دخول القاعدة على الخط الفلسطيني، وهنا يمكن القول إن الإجابة تعتمد على شكل الدخول وطبيعته في ساحة لها خبرتها الطويلة في ميدان المقاومة والعمل السياسي، والنتيجة هي أن بوصلة العمل هي التي تحدد الموقف منه، إيجابا أو سلبا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة