السلام في أجندة الأحزاب الإسرائيلية   
الثلاثاء 1437/3/25 هـ - الموافق 5/1/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:26 (مكة المكرمة)، 12:26 (غرينتش)
نبيل السهلي

الأحزاب وعقدة السلام
مفهوم قوى السلام
الجغرافية السياسية للسلام

كثيرة هي الدراسات والتحليلات السياسية التي أشارت إلى وجود أربعة أطياف حزبية إسرائيلية رئيسية في إطار المشهد الإسرائيلي الراهن، وهي: أحزاب اليسار، وأحزاب اليمين، والأحزاب الدينية، والأحزاب العربية. 

ويلحظ المتابعون انحياز عدد كبير من المحللين العرب إلى فكرة ضرورة تبوء أحزاب اليسار سدة الحكم في إسرائيل -خاصة بعد فوز حزب "الليكود" في انتخابات الكنيست في صيف عام 1977- وذلك على رغم مرور أكثر من 67 عاماً على قيام إسرائيل، وعدم حصول الفلسطينيين على أي حق من حقوقهم الوطنية، بل على العكس من ذلك تفاقمت ظاهرة العنصرية ضد الفلسطينيين سواء في داخل إسرائيل أو في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتؤكد القوانين العنصرية الإسرائيلية التي استصدرت خلال السنوات الأخيرة ذلك.

الأحزاب وعقدة السلام
قد يكون تحذير الكاتب الإسرائيلي سامي ميخائيل في أكثر من مقالة وندوة له من أن تنامي العنصرية الإسرائيلية قد يجعل إسرائيل ظاهرة عابرة، وانتقد مسلسل التشريعات العنصرية في الكنيست، وقال إن اليسار الإسرائيلي "يسار صالونات"، وقد يكون ذلك مدخلاً لتوصيف اليسار الإسرائيلي، في إطار الأطياف السياسية المختلفة.

يلحظ المتابع غياب دور سياسي فاعل لمعسكر اليسار الإسرائيلي، الأمر الذي دفع كثيرا من المحللين السياسيين إلى التساؤل عن أسباب الغياب، بينما ذهب آخرون إلى التنبؤ بتلاشيه

ويلاحظ المتابع لتحولات المشهد الإسرائيلي أنه بعد انعقاد مؤتمر مدريد في أكتوبر/تشرين الأول 1991، بات من الصعوبة بمكان توصيف الأحزاب الإسرائيلية؛ فإذا كان المعيار الرئيسي لهذا التحديد هو البرامج السياسية لهذه الأحزاب وبنودها الخاصة بالسلام مع الفلسطينيين، فإن تحولات كثيرة طرأت على هذه البرامج، مما أضاف صعوبة أخرى على التوصيف، حيث حدث خلال المعركتين الانتخابيتين اللتين تلتا اتفاقات أوسلو في سبتمبر/أيلول 1993، وبالتحديد في انتخابات الكنيست التي أجريت في شهر مايو/أيار 1996.

وكذلك انتخابات الكنيست التي أجريت في شهر مايو/أيار 1999، حيث حدث نزوح كبير لهذه البرامج نحو وسط الساحة الحزبية السياسية، سواء من قِبل أحزاب اليمين بزعامة "الليكود"، الرافعة للواء عدم التنازل عن أجزاء من أرض إسرائيل الكبرى، أو من أحزاب اليسار بزعامة العمل التي تتبنى بدرجات متفاوتة خيار دولتين لشعبين في حدود متعارف عليها.

رأى متابعون أن عودة حزب العمل ومعسكر اليسار عام 1992 إلى الحكم في إسرائيل بمثابة انقلاب في المشهد السياسي، بعد 15 عاماً من حكم اليمين، وما لبث اليمين أن انتزع الحكم في انتخابات 1996، ثم عاد اليسار ثانية في انتخابات 1999 بزعامة إيهود باراك، وهو ما رأته بعض الأوساط إسرائيلية في حينه فرصة تاريخية للتوصل إلى حل تاريخي مع الفلسطينيين.

وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر/أيلول 2000 وحتى نهاية عام 2015، يلحظ المتابع غياب دور سياسي فاعل لمعسكر اليسار الإسرائيلي، الأمر الذي دفع كثيرا من المحللين السياسيين إلى التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء هذا الغياب، والمدة المرشحة لاستمراره، في حين ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، حين تنبؤوا بتلاشي اليسار الإسرائيلي، أو ما يسمى معسكر السلام، من المشهد السياسي الإسرائيلي خلال العقد القادم.

وقد يعزز هذا الاتجاه اتساع وتفاقم ظاهرة العنصرية في المجتمع الإسرائيلي تجاه العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وفي الضفة الغربية وقطاع غزة.

مفهوم قوى السلام
ومن الأهمية الإشارة إلى وجود لبس أحياناً بين مفهوم اليسار الإسرائيلي وقوى السلام؛ فمفهوم اليسار أوسع، حيث تعدّ قوى السلام أحد مكونات معسكر اليسار، وتصنف بيسار اليسار وفق المعيار الرئيسي للتصنيف، وهو الموقف من مستقبل الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الخامس من يونيو/حزيران 1967.

فمن ينادي بإعادة هذه المناطق كاملة إلى السيادة الفلسطينية وعدم الاحتفاظ بها، أو ضمها إلى إسرائيل مقابل السلام، ينطبق عليه تحديد قوى السلام وهي يسار اليسار. وما يزيد من صعوبة تحديد قوى السلام في إسرائيل وفق هذا المفهوم هو مفهوم السلام لدى القوى والأحزاب الإسرائيلية.

من المعروف أن قادة إسرائيل منذ احتلال الضفة والقطاع ينادون بتحقيق السلام مع العرب، في الوقت الذي يمارسون فيه أعمالاً عدوانية ضد سكان الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة

ومن المعروف أن قادة إسرائيل منذ احتلال الضفة والقطاع ينادون بتحقيق السلام مع العرب، في الوقت الذي يمارسون فيه أعمالاً عدوانية ضد سكان الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة. والنشاط الاستيطاني المحموم في عمق الضفة الغربية، ومن ضمنها مدينة القدس خلال فترة حكمي العمل والليكود أو الائتلاف بينهما، فيه دلالة كبرى على ذلك، حيث أنشأت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ عام 1967 وحتى عام 2015 (177) مستوطنة يتركز فيها 530 ألف مستوطن إسرائيلي، منهم 180 ألف مستوطن في 26 مستوطنة تلف مدينة القدس بطوقين من المستوطنات.

واللافت أيضاً أن الأحزاب الإسرائيلية الدينية، سواء من داخل ائتلاف حكومة نتنياهو الرابعة أو من خارجه، أسقطت من أجندتها في الأساس أي عملية تسوية محتملة مع الفلسطينيين، وتجمع في الوقت ذاته على الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية المحتلة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، كان حزب البيت اليهودي (الحزب القومي الديني) بقيادة نفتالي بينيت يعارض بصراحة إقامة دولة فلسطينية، ويعارض أعضاؤه بشدة أي تنازل عن الأراضي، ويتعهدون في الوقت ذاته بالتصدي للتخلي عن سنتيمتر واحد عما يسمى أرض إسرائيل للعرب.

ولكن الحزب المذكور لا ينادي بضم الضفة الغربية بأكملها، بل وفقا لما يسميه خطة الاستقرار، حيث يطالب فقط بفرض السيادة "الإسرائيلية" في منطقة "ج"، وهي عبارة عن 60% من مساحة الضفة الغربية، التي يسكنها نحو ثمانين ألف فلسطيني، ويستوطن فيها نحو 350 ألف مستوطن يهودي.

فضلاً عن ذلك، تدعو الأحزاب الإسرائيلية الدينية، ومنها حزب البيت اليهودي، إلى ضرورة الانتهاء من إنشاء الجدار العازل، الذي سيمتد إلى نحو سبعمئة كيلومتر في عمق الضفة الغربية، بما فيها مدينة القدس، لفرض الواقع التهويدي على 40% من مساحة الضفة الغربية التي تصل مساحتها إلى نحو 5800 كيلومتر مربع.

الجغرافية السياسية للسلام
أما بالنسبة لمفهوم السلام الإسرائيلي مع الفلسطينيين، حيث جوهر الصراع، فاعتماد معيار هنا يستبعد من دون جدال من معسكر السلام أو يسار اليسار مجموعة كبيرة من القوى السياسية، تبدأ من أقصى يمين الساحة الحزبية وتنتهي بصقور حزب العمل، وهي القوى التي عبرت في شكل أو آخر عن الرغبة في الاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية المحتلة مهما اختلفت المشاريع والأطروحات، مثل الحكم الذاتي، أو الإدارة المدنية، أو الضم الفوري.

قوى السلام الإسرائيلي تتراجع لتنحصر في بعض الأحزاب الصغيرة وشخصيات هامشية لا يكون لها وزن أو تأثير يذكر في أحزابها

أما إذا اعتمدنا معياراً آخر أكثر اقتراباً من جوهر المسألة، باعتبار أن تحقيق السلام لا يتم إلا بتجسيد طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها الجزء الشرقي من القدس المحتلة، لرأينا أن قوى السلام هذه تتراجع، لتنحصر في بعض الأحزاب الصغيرة، إضافة إلى شخصيات هامشية، من دون أن يكون لها وزن أو تأثير يذكر في أحزابها.

إن مرور أكثر من 22 عاماً على اتفاقات أوسلو دون حصول الفلسطينيين على أي من حقوقهم الوطنية، يثبت من دون شك أنه لا توجد فجوات كبيرة في الرؤى بين الأطياف السياسية الإسرائيلية المختلفة حول السلام مع الفلسطينيين، ناهيك عن مواقف الأحزاب الإسرائيلية المتقاربة -إلى حد كبير- إزاء مستقبل القضايا الجوهرية في إطار القضية الأم، وفي المقدمة منها قضايا: القدس، واللاجئين والحدود، والمستوطنات، التي تعدّ المعلم الأساسي من معالم احتلال الأراضي الفلسطينية.

وثمة إجماع بين الأحزاب الإسرائيلية بتلاوينها المختلفة على التنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية، الأمر الذي يؤكد عدم جدوى التفاوض مع إسرائيل. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة