لا حسم وربما لا حل في سوريا   
السبت 4/9/1436 هـ - الموافق 20/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 14:01 (مكة المكرمة)، 11:01 (غرينتش)
سلامة كيلة


ارتفع التفاؤل في الأسابيع الماضية فيما يتعلق بحسم الصراع في سوريا، بعد أن تحقق تقدم كبير في الجبهتين الجنوبية والشمالية وفي القلمون، حيث ظهر أن "كل القوى المسلحة" قد اتحدت، وأن القوى الإقليمية التي كانت تتنازع الكتائب المسلحة قد توافقت على الحسم.

فقد كان الوضع العسكري يعاني من جهة من نقص كبير في السلاح، النوعي منه خصوصا، ومن جهة ثانية من "التناقضات" التي تحكم العلاقة بين الكتائب المقاتلة والمجموعات الأصولية (داعش "تنظيم الدولة الإسلامية" والنصرة وجيش الإسلام خصوصا)، وبالتالي من ضعف التنسيق بين الكتائب المقاتلة ذاتها ربما بسبب "الممولين"، أو ضعف الخبرة.

لهذا كان التقدم المفاجئ في هذه الجبهات لحظة أعطت الأمل بأن تغيرا قد حصل سوف يقود إلى الحسم. خصوصا هنا عند قطاعات في المعارضة من "الثرثارين" على النت، الذين يتفاءلون ويتشاءمون حسب الموسم، ويغردون مع الموجة، ويشتمون كل مخالف أو مختلف، فهذه هي مهمتهم في "الثورة".

نشهد الآن توقفا في التقدم العسكري، وسكوتا عن معارك كانت ستفتح في حلب ودمشق. وبالمقابل نشهد تقدما لداعش تحقق في تدمر، وحلب.. ربما التقدم الذي يجري هو ذاك المتعلق بالصراع مع داعش في الشمال الشرقي، حيث جرت استعادة تل أبيض وقرى محيطة بها

وقد بلغ التفاؤل حد "الجنون" أحيانا، وإطلاق كل مخزون ما علمته "مدرسة الأسد" من شتائم وطائفية. ولكن أيضا تشدد في رفض أي كلام عن الحل السياسي على أساس أن الانتصار بات محتما وقريبا.

الآن نشهد توقفا في التقدم العسكري، وسكوتا عن معارك كانت ستفتح في حلب ودمشق. وبالمقابل نشهد تقدما لداعش تحقق في تدمر، وحلب. ربما التقدم الذي يجري هو ذاك المتعلق بالصراع مع داعش في الشمال الشرقي، حيث جرت استعادة المدينة الحدودية تل أبيض وقرى محيطة بها، بعد استعادة عين العرب. وأيضا معارك مع داعش في ريف الحسكة. ليظهر الوضع الآن مربكا، ومشوشا، وربما يتراجع الحماس بـ"الانتصار"، أو يصاب البعض ممن تحمس بالإحباط.

لكن لا بد من القول بأن الوضع معقد، ويجب أن يفهم على ضوء كل التدخلات والتداخلات التي باتت أمرا واقعا، كما على ضوء المساومات والمفاوضات الدولية، وليس انطلاقا من لحظة جرى فيها التقدم.

لقد تحقق تقدم مهم في الجبهة الجنوبية، وظهر في لحظة أن الكتائب تزحف نحو دمشق. لكن قامت جبهة النصرة باعتقال عناصر القوات الدولية في القنيطرة فأربكت التقدم، حيث كان يعني ذلك خدمة للسلطة التي أرادت أن تجعل "المجتمع الدولي" في صفها ضد الثورة، ثم بعد تحرير نوى حاولت جبهة النصرة فرض سلطتها فطردها مقاتلو المدينة، وبعد ذلك سيطرت على نصيب الأمر الذي أدى إلى إغلاق الحدود الأردنية السورية، رغم انسحابها بعدئذ.

مشكلة جبهة النصرة مع محافظة السويداء قديمة بعد أن كانت خطفت العديد من شبابها، بالتالي حينما جرت السيطرة على اللواء 52 والتقدم نحو مطار الثعلة، ارتبك الوضع نتيجة خشية "الدروز" من دورها، وقد ظهر بعد ممارسات النصرة أن كل تقدم في الجبهة الجنوبية بات مرتبكا، رغم أن الكتائب هناك اعتبرت أنها تنظيم متطرف تجب مقاطعته، وعملت على "سحب" الشباب السوري منه.

في الشمال الغربي كانت جبهة النصرة قد عملت على تصفية العديد من الكتائب المسلحة التي تقاتل السلطة، وأوجدت وضعا يشل كل صراع معها. ولهذا لم يتحقق تقدم مهم إلا حين توافقت "الدول الداعمة" -السعودية وقطر وتركيا- على "توحيد الجهد". لهذا تحقق تقدم كبير فرض السيطرة على محافظة إدلب. وكان يبدو أن التقدم مستمر، خصوصا أنه تاخم "المناطق العلوية"، وكان يشير إلى محاولة السير نحو حماة.

ما حدث في مشفى جسر الشعور أثار ارتباكا من مساومات جرت، لكن الأكثر أهمية هو أن التقدم توقف تماما. وكأن "تعليمات" صدرت بذلك، أو أن الدعم العسكري قد توقف، ومن ثم قامت جبهة النصرة بمجزرة ضد دروز أربك كلية الوضع، وأظهر أن منطق هذا التنظيم هو فرض سلطته الأصولية كأولوية وكأساس.

في القلمون يحاول حزب الله القتال من أجل استعادة مواقع، وقد زادت شراسته هناك دون أن يحقق تقدما، رغم أن دور داعش في القلمون كان مربكا للكتائب المسلحة، التي اشتبكت معه وهي تقاتل حزب الله. والقتال ما زال مستمرا.

إذا كانت إيران لم تعد تستطيع إرسال جيوش للدفاع عن السلطة، وبات دور حزب الله ينحصر في جبهة القلمون بالأساس، وبالتالي بات وضع السلطة صعبا؛ فإن المحاولة التي تبدو ممكنة هنا تتمثل في ما يمكن أن يستتبع سيطرة داعش على مدينة تدمر

في الغوطة الشرقية قام جيش الإسلام باستعراض عسكري "كبير"، وظهر أنه يستعد للتقدم نحو دمشق بعد جولة "مهمة" قام بها زعيمه زهران علوش، لكن لم يتحرك شيء إلى الآن، وبدا أن الوضع هناك يجب أن يبقى هادئا.

إذن، سواء كانت هناك محاولة للاستمرار في التقدم على الجبهة الجنوبية، فإن الجبهة الشمالية سكتت، وجبهة حلب لم تتحرك، وكذا جبهة دمشق. هذا الأمر يشير إلى أن تحريك الجبهات كان يهدف إلى زعزعة ميزان القوى، وإظهار القدرة على الحسم لكن دون تحقيق الحسم. وهو أمر -كما يبدو- يتعلق بالدول الإقليمية التي فرضت ذاتها جزءا من معادلة الحل في سوريا عبر ذلك، ويبدو أنها أرادت إرسال رسائل أكثر مما أرادت تحقيق حسم ظهر في وقت ما أنه ممكن.

ولا شك في أن الحسم بهذه الطريقة لا يقود حتما إلى تشكيل نظام جديد، بالضبط نتيجة تشتت القوى، ووجود داعش والنصرة، وبالتالي فهو يعني الفوضى، وانهيار الدولة دون مقدرة على بناء دولة جديدة.

لكن ونتيجة لهذا الأمر يبدو أن الوضع بات يخضع للصراعات الإقليمية، ولميزان القوى الذي يحقق مصالح كل منها. وقد بات الصراع "على الأرض" جزءا من ذلك، أو هكذا تحاول الدول الإقليمية، في ظل مفاوضات أميركية إيرانية من الواضح أن الملف السوري جزء منها.

وإذا كانت إيران لم تعد تستطيع إرسال جيوش للدفاع عن السلطة، وبات دور حزب الله ينحصر في جبهة القلمون بالأساس، وبالتالي بات وضع السلطة صعبا، فإن المحاولة التي تبدو ممكنة هنا تتمثل في ما يمكن أن يستتبع سيطرة داعش على مدينة تدمر.

لقد سهلت السلطة لداعش السيطرة على المدينة، وتركت كميات كبيرة من السلاح والذخائر، وهو الأمر الذي يفرض التفكير في "الخطوة التالية"، حيث إن هذه الوضعية تسمح لداعش بأن تتقدم نحو الجنوب، ولقد لامست المناطق الدرزية، ويمكن أن تسير نحو اللجاة فتربك وضع الجبهة الجنوبية.

كما أنها يمكن أن تتقدم نحو ريف دمشق فتضع جيش الإسلام بين فكي كماشة السلطة وداعش، ومن ثم يمكن أن تدعم وجودها في القلمون، وهو ما يشكل خطرا على الجبهة هناك. كما أن السلطة سمحت بتقدم داعش نحو حلب، وربما هذا هو الأمر الذي أوقف محاولة إكمال السيطرة عليها.

في هذا المجال يمكن التوقع بأن السلطة بعد أن ضعفت كثيرا وباتت دون دعم حقيقي تحتاجه تماما، تريد أن تحول الصراع إلى صراع بين داعش والكتائب المسلحة، ومن ثم تقوم النصرة بإرباكات في العديد من المواقع لشل مقدرة الكتائب المسلحة. كل ذلك في سياق تعزيز وضعها، وربما إفشال التفاهمات التي تجري دوليا وإقليميا.

الإنجازات العسكرية يجب أن تعتمد على الكتائب المحلية وحدها، وأن تبدأ بإنهاء كل المجموعات الأصولية التي تشوش، وتربك، و"تطعن في الظهر". بمعنى أن بيئة الخلفية يجب أن تكون سالمة لكي يكون التقدم ممكنا

لكن الأمر هنا يتمثل -كذلك- في أنه ليست السلطة وحدها من "يساعد" داعش، بل هناك دول إقليمية تلعب بها، وأيضا قوى دولية، مثل أميركا التي قاربت حربها "ضد داعش" السنة، في حين أنها باقية وتتوسع "تحت حماية الطيران الأميركي"، ويخضع تكتيكها العسكري لسياسة أميركية واضحة، كما ظهر في العراق، وفي الشمال الشرقي من سوريا.

نستخلص من كل هذا التوصيف أن الحسم العسكري ليس واردا، وأن كل ما يجري يخضع للعب دول إقليمية وقوى دولية من أجل إنهاك البلد، والوصول إلى حل توافقي فيما بينها هي، وليس كما يريد الشعب السوري، رغم أن إنهاك وضعه يجعله يأمل بحل سياسي، لكن ليس بأي ثمن كما أرادت السلطة منذ البدء، بل على أساس رحيل الأسد وسلطته.

ولا شك أن هذا الأمر ينتظر وصول الدول الإقليمية والقوى الدولية إلى أن الحل بات ضرورة، وأنه يجب وضع نهاية لمجزرة طويلة كان بطلها نظام اعتقد أن سوريا ملك خاص له، وبمساعدة قوى إمبريالية أرادت كل هذا التدمير لسوريا كما فعلت في العراق، وأقصد هنا أميركا. ولكن بـ"مجهودات مخلصة" من دول وقوى أخرى كثيرة.

أخيرا فإن الإنجازات العسكرية يجب أن تعتمد على الكتائب المحلية وحدها، وأن تبدأ بإنهاء كل المجموعات الأصولية التي تشوش، وتربك، و"تطعن في الظهر". بمعنى أن بيئة الخلفية يجب أن تكون سالمة لكي يكون التقدم ممكنا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة