ما بعد الاتفاق النووي مع إيران   
الأحد 1436/10/3 هـ - الموافق 19/7/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:13 (مكة المكرمة)، 12:13 (غرينتش)
سلامة كيلة

أخيرا جرى التوقيع على الاتفاق النووي بين الغرب وإيران بعد مفاوضات طويلة، حيث كان واضحا منذ أشهر أن الاتفاق منجز، وأن ما يجري يتعلق بـ"تهيئة الأجواء" في كل من أميركا وإيران لقبوله.

ورغم التركيز على تعقيدات تتعلق بمسائل حساسة، فإن كلا الطرفين كان يعتقد بأن الأمور تسير نحو الاتفاق.

ولا شك أن الأمر كان يتعلق بكل من أميركا وإيران بالأساس، وكان كل طرف يعرف "نقاط ضعف" الطرف الآخر، حيث استخدمت أميركا العقوبات الاقتصادية إلى المدى الأقصى، وفرضت حصارا على البنك المركزي الإيراني، وهو ما أفقد إيران القدرة على الاستفادة من المداخيل النفطية نتيجة أن النفط يباع بالدولار حصرا، الأمر الذي جعل حصول إيران على مداخيلها النفطية مستحيلا، حيث يجب أن يمر الدولار عبر البنك المركزي الأميركي الذي يقوم بمصادرتها في الحال بدل تحويلها إلى البنك المركزي الإيراني.

انهيار الاقتصاد الإيراني فرض على إيران أن تناور، لكن أن تقبل في الأخير ما هو ممكن من أجل الوصول إلى رفع العقوبات قبل انهيار الدولة، لهذا كانت تشدد على أن تُرفع العقوبات من لحظة توقيع الاتفاق، وهو ما حصلت عليه بعد مناورات متعددة

هذا الأمر جعل الاقتصاد الإيراني في وضع صعب، وأشرف على الانهيار، وبالتالي كان على النظام الإيراني أن يناور، لكن أن يقبل في الأخير ما هو ممكن من أجل الوصول إلى رفع العقوبات قبل انهيار الدولة. لهذا كان يشدد على أن تُرفع العقوبات من لحظة توقيع الاتفاق، وهذا ما حصل عليه بعد مناورات متعددة.

في المقابل، باتت أميركا معنية بـ"التحالف" مع إيران، لأنها تعتبر أن الخطر الأكبر هو ذاك القادم من الصين، ولهذا اعتبرت أن أولويتها هي منطقة الباسيفيك (آسيا والمحيط الهادي)، وانطلقت من ضرورة كسب الدول المحيطة بالصين في سياق ضمان حصارها في حال أرادت تطوير الصراع.
ولأن أميركا ما زالت تعتبر أن الخليج العربي هو "جزء من الأمن القومي الأميركي"، كما قرر مبدأ كارتر (سنة 1980)، فقد باتت معنية بوجود "حائط صد" أمام الصين لكي لا تتمدد نحوه، رغم وجود القواعد العسكرية الأميركية هناك.

كما أنها وهي تتراجع عالميا تريد ضمان استقرار الخليج، وكسب إيران يساعد على ذلك، لهذا كانت العقوبات التي فرضتها على إيران من أجل الوصول إلى توافق وليس من أجل "هزيمتها"، والنظام الإيراني يعرف هذه الحاجة الأميركية، لهذا ظل يناور إلى آخر رمق، فحصل على ربط رفع العقوبات بالتوقيع على الاتفاق النووي.

أما غير ذلك فإن الاتفاق يشل مقدرة إيران لسنوات طويلة عن تطوير قدرتها النووية، وهنا يظهر نجاح السياسة الأميركية، لكن يجب ملاحظة أن كل طرف بات يستطيع القول إنه نجح في "فرض شروطه"، والأمر هنا يتعلق بمسائل شكلية وليس بجوهر البرنامج النووي.

ربما كان قبول أميركا والدول الأخرى ربط رفع العقوبات بالتوقيع هو ما أثار الخوف لدى قطاع كبير من المتابعين، لأنه يعني أن إيران باتت قادرة على دعم وجودها في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن بعد أن ظهر في الفترة الأخيرة أنها باتت عاجزة عن تمويل الحروب في هذه البلدان. هذا الأمر ربما هو ما أثار أكثر التخوفات، وأطلق التكهنات بشأن أن أميركا قد أطلقت يد إيران في المنطقة، وفرض انتشار جو من السلبية والتشاؤم.

أظن أن في ذلك تسرع، وأيضا سوء فهم كبير، فربما لم ينتبه البعض إلى أن الحل الذي جرى التوصل إليه في ما يتعلق بربط رفع العقوبات بتوقيع الاتفاق تمثل في إعطاء مدة تسعين يوما بين توقيع الاتفاق رسميا، بما في ذلك إقراره في مجلس الأمن، وتطبيقه، لهذا لا بد من محاولة فهم ما يمكن أن يجري خلال هذه المدة.

لم ينتبه البعض إلى أن الحل الذي جرى التوصل إليه في ما يتعلق بربط رفع العقوبات بتوقيع الاتفاق تمثل في إعطاء مدة تسعين يوما بين توقيع الاتفاق رسميا -بما في ذلك إقراره في مجلس الأمن-، وتطبيقه. لهذا لا بد من محاولة فهم ما يمكن أن يجري خلال هذه المدة

لا شك أن أميركا ضمنت توقيع الاتفاق، ولهذا سوف تنتقل إلى البحث في الوضع الإقليمي. وقد أشار باراك أوباما منذ أيام إلى أن إدارته عاكفة على صياغة رؤية للسياسة الأميركية في كل من سوريا والعراق واليمن، بالتالي لا بد من رصد ما يمكن أن يجري على ضوء ذلك. ولا شك في أن أميركا تريد التحالف مع إيران، لكن ذلك لا يعني التسليم لها بما تريد، خصوصا أن لأميركا مصالح أخرى لا تتوقف عند إيران.

فالعراق بالنسبة لها جزء من الخليج العربي، وحين احتلته كانت معنية بأن تهيمن عليه، حتى وهي تعطي إيران حصة فيه عبر فرض سيطرة "قوى شيعية" كلها تابعة لإيران. وقد اختل الأمر بعد انسحابها الذي فرضته الأزمة المالية التي انفجرت في سبتمبر/أيلول سنة 2008، والتحول الذي حصل في إستراتيجيتها بالتوجه وإعطاء الأولوية لمنطقة الباسيفيك.

لكن خطأ نوري المالكي باستغلال داعش (تنظيم الدولة) لكي يعود إلى السلطة جعل أميركا تعود عبر "الحرب ضد داعش" (أو الحرب بداعش) لكي تعيد بناء السلطة في العراق بما يجعلها هي المهيمنة، وتضخيم داعش واللعب بها يهدف إلى ذلك، فالعراق بلد نفطي يجب السيطرة عليه، ولقد شُمل بمبدأ كارتر.

لهذا لن تتخلى عنه لإيران، على العكس سوف يتصاعد الصراع في الفترة القادمة من أجل إضعاف سيطرة إيران على السلطة، وتهميش قواها، وبناء سلطة جديدة تخضع للسيطرة الأميركية. هذا ما بدأته منذ صيف سنة 2014، وهي مستمرة به، ولن يكون ممكنا تراجعها عنه.

ولكن هل البديل هو سوريا؟ لا أظن، فأميركا منذ بداية سنة 2012 "تبرعت" بسوريا لروسيا، رغم أن نفوذها هناك لم يكن قائما، وهذا "التبرع" هو جزء من المفاوضات الأميركية الروسية لـ"تقاسم العالم"، حيث إن حاجة أميركا لحصار الصين تفرض عليها التحالف مع روسيا، وبالتالي تقاسم الحصص معها، ولأن روسيا منشدة للتواجد في سوريا، وقد حصلت على مصالح كبيرة بعد الثورة نتيجة دفاعها "المستميت" عن النظام في المحافل الدولية، ولأن أولوية أميركا الجديدة (منطقة الباسيفيك) تعني التخلي عن "الشرق الأوسط"، فقد قبلت أن تكون سوريا من حصة روسيا. ورغم الخلاف الكبير الذي نشب بعد الأزمة الأوكرانية، فقد ظل المنظور الأميركي يقوم على دعم وجود روسيا في سوريا.

ربما الآن بات الأمر أكثر أهمية بالنسبة لأميركا في ما يتعلق بإبعاد إيران عن سوريا، فقد وقعت الاتفاق النووي معها رغم المعارضة الشديدة من قبل الدولة الصهيونية، ورغم الخوف الكبير لديها، وهو ما أثار الحساسية في العلاقات بين الطرفين، وربما يهيئ لمشكلات كبيرة.

لهذا سينطلق المنظور الأميركي تجاه سوريا، ليس من التقاسم مع روسيا فقط، بل كذلك من ضرورة إبعاد إيران عن سوريا إرضاء للدولة الصهيونية، وتحقيق ذلك يعني ترتيب وضع نظام في سوريا ليس معاديا للدولة الصهيونية، خصوصا أن روسيا "صديقة حميمة" للدولة الصهيونية، لكنه يعني أيضا خنق حزب الله الذي سيفقد الطريق إلى طهران، وسيكون محاصرا بأطراف لا تريده، وهذا ما يمكن أن يشل حركة الحزب، وقد يفتح على تجريده من السلاح، وربما استثارة قاعدته الاجتماعية بعد كل الخسائر التي نتجت عن حربه ضد الشعب السوري.

إذن، سيكون الشغل الأميركي على ترتيب سلطة في سوريا غير تابعة لإيران، بل مهيمن عليها من قبل روسيا (أو ربما تبدو كذلك فقط نتيجة التداخل الممكن مع أطراف أخرى). وهذا يعني العودة إلى مبادئ جنيف1، والانطلاق إلى جنيف3 تحت الرعاية الأميركية الروسية.

الاتفاق النووي سيفتح على ترتيب وضع المنطقة، لكن ليس بهيمنة إيران بل بتقليص دورها، وعبر إعطائها امتيازات في العراق واليمن، هي أقل مما يريد الإيرانيون، لكنهم لا يستطيعون الحصول على أكثر مما هو ممكن

ولا شك أن اتصال بوتين بأوباما للحديث عن سوريا له معنى بعد أن ظل الروس يتجاهلون ذلك، و"يتدللون" على أميركا، فقد شعر الروس بأن إيران هي التي تهيمن الآن على السلطة في سوريا، وأن مقدرتهم وحدهم على ترتيب السلطة بما يحقق المصالح الروسية لم تعد كبيرة، لهذا لجأ بوتين إلى أميركا التي تمتلك أوراق ضغط كبيرة، معتمدا عليها في ترتيب وضع سلطة خاضعة له وليس لإيران.

في اليمن، من الواضح أن أميركا لا تريد إنهاء الحوثيين، وهذا ما يظهر من خلال موقف الأمم المتحدة، وخصوصا من خلال مبعوثها إلى هناك. لكن هذا لا يعني أنها تريد تسليم اليمن للحوثيين، بل تريد أن يكون الحوثيون جزءا مؤثرا في الدولة المقسمة بين السعودية وإيران، حيث يعود حزب الإصلاح وتعود القبائل التي هي عصب السلطة، وهذا يرضي السعودية، مع إشراك الحوثيين عبر "موقع مميز" في السلطة، وهذا يرضي إيران.

لهذا فإن التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني سيفتح على ترتيب وضع المنطقة، لكن ليس بهيمنة إيران بل بتقليص دورها، وعبر إعطائها امتيازات في العراق واليمن، هي أقل مما يريد الإيرانيون، لكنهم لا يستطيعون الحصول على أكثر مما هو ممكن.

ربما كانت مدة التسعين يوما هي الفترة التي ستعمل الإدارة الأميركية فيها على هذا الترتيب قبل أن تتدفق الأموال على إيران، هذه الأموال التي سوف يجري العمل على نهبها عبر المشاريع التي ستطرح لتطوير حقول النفط، وتحديث أسطول الطيران والبنية التحتية. وهي المسائل التي سوف تثير التنافس بين حلفاء الأمس، من ألمانيا وفرنسا إلى أميركا، ومن روسيا إلى تركيا.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة