الثورات العربية وغياب أفق الدولة   
الاثنين 20/10/1434 هـ - الموافق 26/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:17 (مكة المكرمة)، 11:17 (غرينتش)
محمد عادل شريح

 

إشكالية النظام السياسي
إشكالية الدولة

منذ أن بدأت ثورات الربيع العربي ومع اتساع رقعة تأثيرها وتداعياتها، وهي تثير موجة من المواقف المتباينة تجاهها، فما بين مؤيد متحمس لهذه الثورات ومعارض متشدد ضدها، كانت المواقف الهادئة النقدية تتراجع وتنكفئ.

لكن بوادر (الصوملة) أو (الأفغنة) التي تدفع باتجاهها بعض القوى الإقليمية والدولية باتت تنذر بمخاطر وقوع هذه المنطقة في حالة من الفشل تعمم نموذج الدولة الفاشلة على منطقة حيوية من العالم مما سيستدعي بالضرورة تدخلات إقليمية ودولية مباشرة.

إن الحراك الجماهيري الواسع النطاق حيث تخرج ملايين الناس إلى الشارع ليس جديدا في التاريخ، فقد حصل ما يشبه ذلك في ثورات عدة كالفرنسية أو الروسية البلشفية أو غيرها.

لكن هذا الحراك وهذه الحشود ليست عامل بناء بحد ذاتها، إنما هي قابلة للتحول إلى عناصر بناء عندما تتبلور النخبة السياسية الجديدة القادرة على توجيه الطاقة الهائلة للجماهير المحتشدة التي تطالب بالتغيير، وتحويل هذه الطاقات إلى رؤى وبرامج وشعارات وسياسات وتوازنات جديدة.

إن حجم المهام التاريخية وحجم التحديات التي تواجه العرب كمجموعة بشرية اليوم لا يمكن أن تقوم بحمله الدولة القُطرية كما عهدناها، لأنها بطبيعتها ضعيفة

وهنا نشير إلى خطأ ثقافة التبجيل والتقديس لـ"التحشدات" الجماهيرية الكبيرة التي وقعت فيها النخب العربية، بما فيها الإسلامية بتأثير من الثقافة الليبرالية أو اليسارية الماركسية، هذه النظرة التبجيلية التي تفترض أن الجماهير هي القوة المحركة للتاريخ والتي تصنع المستقبل والتي تحمل في ثنايا وعيها وفطرتها السليمة بذور المستقبل المشرق.

إن التنظير لما يجري في المنطقة العربية يجب أن ينطلق من الواقع التاريخي والسياسي لهذه المنطقة، وكأساس لهذا التنظير لا بد من الإقرار أن هناك إشكاليتين كبيرتين أسستا لمجمل الحياة السياسية فكرا وممارسة منذ أواخر عهد الدولة العثمانية، هاتان الإشكاليتان هما إشكالية النظام السياسي وإشكالية الدولة.

 إشكالية النظام السياسي
مع تراجع قوة ونفوذ الدولة المركزية في العهد العثماني المتأخر، وبتأثير من عوامل ثقافية وفكرية نتجت عن الاحتكاك المباشر وغير المباشر للعرب المسلمين والمسيحيين بالغرب برزت إشكالية نظام الحكم كإشكالية مهيمنة في الفكر العربي والإسلامي السياسي.

وقد تحول السؤال عن شكل نظام الحكم الأمثل إلى أحد الأسئلة التي أسست لاحقا، وبتأثير ودعم مباشر من فرنسا وبريطانيا، لتدمير الدولة التي كانت في ذلك الوقت هي الدولة العثمانية.

فقد كان للثورة العربية التي قادها الشريف حسين من مكة بتشجيع ودعم من البريطانيين دور هام لا ينكره المؤرخون في خسارة الدولة العثمانية للحرب العالمية الأولى وتفكك السلطنة وقيام الدولة التركية الحديثة، لكن الغرب ذاته الذي ساهم بقيام الدولة التركية لاعتبارات جيوسياسية أهمها بروز ونشأة النظام السوفياتي في روسيا ساهم بكل ما يملك من طاقات وإمكانيات للحيلولة دون قيام الدولة العربية التي كان الشريف حسين يطمح لإقامتها.

وقد وقعت منطقة المشرق العربي تحت الوصاية والانتداب البريطاني الفرنسي الذي أسس لقيام منظومات الدول القُطرية في إطار تفاهمات واتفاقيات سايكس بيكو.

وقد حرصت أوروبا خلال هذه الفترة على تأسيس الكيان الإسرائيلي لتحقيق مجموعة من الغايات والأهداف يقع على رأسها الحيلولة دون قيام دولة بالمعنى الحقيقي في المنطقة العربية.

النخب العربية خلال هذه الفترة أنتجت منظومات أيديولوجية تمزج بين مفهومها الخاص للدولة والنظام السياسي معا، وتوزعت بين إسلامية تدعوا لقيام دولة الخلافة، أو قومية تدعو لقيام الدولة العربية الواحدة، أو ماركسية، لينينية بدعوتها لقيام دولة العمال والفلاحين.

وقد كانت هذه النماذج نماذج أيديولوجية أضفى عليها واقع الاحتراب الأيديولوجي والسياسي بين هذه التيارات طابع التكلس والابتعاد عن الواقع.

إن فشل المشاريع الأيديولوجية واستفحال وتغول الدولة القُطرية وتبلورها كنظم استبدادية دفع بالنخب العربية لتعديل منظوماتها الأيديولوجية، وتغليب إشكالية نظام الحكم في خطابها على إشكالية الدولة

ثم إن فشل هذه المشاريع الأيديولوجية واستفحال وتغول الدولة القُطرية وتبلورها كنظم استبدادية دفع بالنخب العربية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وسقوط المشروع العربي القومي، ربما فعليا وعمليا مع حرب الخليج الأولى، لتعديل منظوماتها الأيديولوجية لتناسب الواقع الجديد، ولتغليب إشكالية نظام الحكم في خطابها على إشكالية الدولة.

وقد كان هذا التحول أحد أهم التحولات غير الملحوظة في الفكر والممارسة السياسية للنخب العربية، في حين أن إشكالية نظام الحكم هي إشكالية في إطار الدولة لا خارجها، وقد برزت تاريخيا في إطار الدولة العثمانية التي ذهبت وانتهت.

ومع انطلاقة ثورات الربيع العربي سارعت النخب العربية المؤيدة لهذه الثورات إلى دفعها نظريا نحو إشكالية نظام الحكم وأغفلت تماماً إشكالية الدولة، وأعلنت سريعا أن هذه الثورات هي ثورات لإقامة النظم الديمقراطية المدنية على أساس من مفهوم المواطنة والانتخابات الديمقراطية الحرة.

لا نريد أن ندخل في سجال فكري حول أحقية هذا الشعار، فهذا ليس غرضنا هنا، لكننا لا نستطيع القفز على عدد من القضايا الجوهرية التي تحول برأينا دون تحقق هذا النموذج في الواقع التاريخي والثقافي المحلي، من نوع إشكالية الهوية وواقع تعدد وتنوع الهويات المذهبية والقومية والجهوية والعشائرية التي استثارتها وهيّجتها إلى أبعد الحدود الدولة القُطرية ذات التوجهات القومية، والتي تضع المنطقة اليوم أمام بوادر حرب أهلية مذهبية أو عرقية.

كذلك فإن الفصل بين الدين والدولة لم يتحقق تاريخيا وفعليا في وعي وثقافة الناس كما هو الحال في التجربة الأوروبية الحديثة التي لها خصوصياتها التاريخية والفكرية.

لكن الاعتراض الأهم بالنسبة لنا، هو أن خيار دولة الديمقراطية والمواطنة يحتاج أولا إلى دولة، وإن أهم ما يقفز عنه اليوم شعار الدولة المدنية الديمقراطية التي قررته النخب العربية نيابة عن الجماهير العربية هو غياب الدولة.

 إشكالية الدولة
إذا كانت إشكالية النظام السياسي هي سمة التفكير الأيديولوجي الذي هيمن على الحياة الفكرية والسياسية العربية خلال ما يزيد على قرن من الزمن، فإن إشكالية الدولة هي سمة التفكير الجيوسياسي الذي لا يسعنا إلا أن نقر بغيابه عن ساحة الفكر العربي الحديث.

لا بد من التمييز بين مفهوم الدولة كمعبر عن إرادة الأمة، ولا نعني هنا بإرادة الأمة إرادة حزب أو جماعة، ولا حتى مجموع إرادة الأفراد بالمعنى الليبرالي، إنما هي الإرادة الجمعية بالمعنى الذي تحدث عنه هيغل ربما، فالدولة هي التحقق الفعلي لروح الأمة مما يعطي للدولة بعدا تمثيليا وأخلاقيا.

إن حصر اهتمام النخب العربية بتحقيق نموذج حكم ملائم -من وجهة نظرها- في إطار الدولة القُطرية، يقفز على حقيقة مفادها أن نموذج الدولة القُطرية عاجز تاريخيا وحضاريا وبالتالي جيوسياسيا عن تحقيق مهام الدولة فعليا، وبالتالي فإن هذه الدول القُطرية هي في الواقع العملي ليست دولا بالمعنى الحقيقي بقدر ما هي حكومات وإدارات تقوم بهذه النسبة أو تلك من الكفاءة -أو نقصها- بتسيير شؤون جماعات بشرية وتحقيق مصالح شرائح وطبقات اجتماعية أو قوى عشائرية عائلية.

إن الفصل بين الدين والدولة لم يتحقق تاريخيا وفعليا في وعي وثقافة الناس كما هو الحال في التجربة الأوروبية الحديثة التي لها خصوصياتها التاريخية والفكرية

إن واقع الدولة القُطرية العربية عبر تاريخها هو تمثيل حي لمفهوم "الدولة الرخوة" الذي قدمه في ستينات القرن الماضي الاقتصادي عالم الاجتماع السويدي جينار ميردال، وقام الباحث المصري جلال أمين في كتابه "مصر والمصريون في عهد مبارك" (دار ميريت، القاهرة، 2009) بمطابقته على واقع مصر في مرحلة حكم مبارك.

فالدولة الرخوة هي التي تصدر القوانين ولا تطبقها، الكبار فيها تحميهم أموالهم والسلطة هي التي تغطي على ممارساتهم غير القانونية، ويعم الفساد وتنتشر الرشاوى بين الصغار والكبار على حد سواء بحيث يتحول الفساد إلى نمط حياة. إن هذه الدولة الرخوة إنما تقوم على الربط بين التخاذل في الاقتصاد والتخاذل في السياسة، وبين التراخي في السياسة الخارجية والتراخي في السياسة الداخلية.

المطلوب اليوم الانتقال بالواقع العربي من مأزق "الدولة الرخوة" و "الدولة البوليسية" لا إلى تناقضات وغموض "الدولة العميقة" ولا إلى فوضى "الصوملة" أو "الأفغنة" بل إلى آفاق "الدولة القادرة"، وهذا يعتمد إلى حد كبير على الانتقال بالتفكير السياسي العربي من نمط التفكير الأيديولوجي إلى نمط التفكير الجيوسياسي وقيام النخبة الفكرية القادرة على التنظير والتأسيس لهذا الخيار.

إن الفهم الجيوسياسي ونموذج الدولة في هذا الإطار ليس بدعا من القول، إنما هو شكل من أشكال التعبير السياسي المعاصر عن غايات ومقاصد محددة ومعروفة. ولو أننا نظرنا ملياً في حديث فقهاء السياسة المسلمين وفي تأكيداتهم على وجوب نصب الإمام وتحديدهم مقاصد الإمامة، أي مقاصد الدولة، ولو نظرنا أيضا في تاريخ الدولة العربية الإسلامية وبواعث السياسات في العصور المختلفة ومقاصدها، لوجدنا أنها لم تكن تخلو في أي لحظة من لحظات تاريخها السياسي من هذا الفهم الجيوسياسي العميق. وإن هذا الفهم لم يُفقد ولم ينته إلا مع بداية القرن العشرين وولادة الدولة القُطرية بعد ذلك.

إن حجم المهام التاريخية وحجم التحديات التي تواجه العرب كمجموعة بشرية اليوم لا يمكن أن تقوم بحمله الدولة القُطرية كما عهدناها، لأن هذه الدولة القُطرية الضعيفة ستعود في كل الأحوال للوقوع في مجال الجذب المغناطيسي لقوى أكبر منها، وبالتالي ستفقد استقلاليتها وتفقد قرارها وستدخل في تناقض مع تطلعات الشعوب، ولن يكون أمامها من خيار سوى اللجوء إلى القبضة الأمنية لحماية نفسها، وبالتالي العودة مرة أخرى للفساد المنظم الذي سيعيد مرة أخرى إنتاج نموذج "الدولة الرخوة" أو "الدولة البوليسية" وستقود حالة المعارضة لهذا الواقع إلى فشل الدولة.

بعيداً عن التعريفات الكلاسيكية للدولة التي تتحدث عن مكونات أساسية هي الأرض والشعب والسيادة، تبقى الدولة بالمعنى الجيوسياسي، ضمن معان عديدة، حاملة لثقافة الأمة، ومعبرة عن إرادتها، فهناك علاقة وطيدة بين ثقافة الأمة وطبيعة الدولة التي تمثلها، كما أشار إلى ذلك فريدريك راتزل أحد الآباء المؤسسين للجيوبوليتيكا (184-1904).

الاستمرار في شد الجماهير نحو تناقضات الأيديولوجيا والنموذج الأمثل لنظام الحكم في إطار الدولة القُطرية سيزيد من مخاطر التشرذم والفوضى، مما سيدفع المنطقة نحو مخاطر الوقوع تحت وصاية وهيمنة الدول الأجنبية

ففي كتابه "حول قوانين تطور الدولة " يحدد القانون الأول من قوانين الدولة السبعة بالقانون التالي: (امتداد الدول يتسع وفقاً لتطور ثقافتها)، ولو نظرنا في واقع الدول القُطرية وحتى الكبرى منها كمصر مثلا، سنجد هذه الدول لا تمتلك من الثقل الجيوسياسي (الجغرافي، والثقافي، والسياسي) ما يمتد ليتطابق مع، أو حتى يقترب من حدود ثقافة الأمة وتطلعاتها الحضارية.

إن التاريخ السياسي للمنطقة العربية ومنذ ما يزيد عن قرن من الزمن هو تاريخ التصارع بين قوى سياسية خارجية على النفوذ والتأثير في المنطقة، وإن بوادر تراجع النفوذ الأميركي اليوم يسعر من حالة الصراع بين قوى صاعدة منها روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي وإيران وتركيا لفرض نفوذها وملئ الفراغ الجيوسياسي دون أن يكون حتى يومنا هذا لدى شعوب المنطقة العربية مجرد مشروع أو تصور نظري حول خيار أن تكون شعوب المنطقة العربية هي سيدة مصيرها في بلدانها، وهذا ما لن يتحقق إذا بقيت النخب غارقة في صراعات أيديولوجية بين الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين والقوميين حول نظام الحكم في ظل غياب كامل وشامل لمشروع الدولة.

إن الاستمرار في شد الجماهير نحو تناقضات الأيديولوجيا والنموذج الأمثل لنظام الحكم في إطار الدولة القُطرية سيزيد من مخاطر التشرذم والفوضى مما سيدفع المنطقة نحو مخاطر الوقوع المباشر تحت وصاية وهيمنة الدول الأجنبية.

في حين أن التأسيس لخيار الدولة القادرة في إطار الفهم الجيوسياسي، بعيدا عن الأيديولوجيا القومية وسواها، هو ما سيحول طاقات الجماهير والنخب السياسية المتباينة نحو العمل البناء والتنافس الإيجابي، وهو ما سيضمن حياة واستمرار المجموعة البشرية العربية كمجموعة فاعلة الآن وبالمستقبل في صنع حاضرها والمساهمة في المسيرة الحضارية العالمية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة