سورية بين إعلان دمشق والحصار   
الاثنين 1426/11/5 هـ - الموافق 5/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 18:26 (مكة المكرمة)، 15:26 (غرينتش)






















نبيل شبيب

إعلان دمشق في محور الحدث
آليات الحصار ومواجهتها

تكاد السلطات السورية تثبت على نفسها المسؤولية من خلال أسلوب تعاطيها مع الحصار الدولي المتصاعد عليها في الخارج من جهة، والمعارضة السورية المتلاقية بصورة غير مسبوقة عبر إعلان دمشق من جهة أخرى.

فالموقف الرسمي يتأرجح بين إظهار الاستعداد للتعاون مع لجنة ميليس في جريمة اغتيال الحريري مع محاولة استبعاد بعض أسماء المسؤولين من الأسرة الحاكمة، وإظهار الاستعداد للدخول في مساومات ليس على النظام نفسه إنّما على القضايا الإقليمية المصيرية، ومن جهة أخرى يعتبر الاستقواء بالأجنبي –الذي يتعامل النظام معه على هذا النحو- جريمة، وهي بالفعل جريمة لو وقعت، ويأبى في الوقت نفسه انفتاحا داخليا حقيقيا على المعارضة التي باتت تمثل سائر الأطياف الداخلية في تحرّك مشترك، ليستقوي هو بها، ولتتخذ المعركة تجاه الخطر الخارجي، أبعادها الحقيقية الأهمّ، فهي معركة على مستقبل سوريا ومن خلالها مستقبل المنطقة وليس على مستقبل النظام الحاكم فيها.

إعلان دمشق في محور الحدث
"
فتح إعلان دمشق الأبواب أمام المرتبطين بالنظام الحاكم، ليكونوا جزءا من الشعب، وليس أوصياء فرضوا أنفسهم عليه، وهذا بدوره فرصة تاريخية ليدركوا أن المرفوض ليس هذه الفئة أو الطائفة أو الحزب، إنما المرفوض هو الاستبداد الذي تمارسه أي جهة كانت
"
لقد كان إعلان دمشق في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول 2005م أول وثيقة مبدئية على الطريق الصحيح لتجاوز أكبر عقبة كانت تقف في وجه تلاقي المعارضة بأطيافها المتعددة على أرضية مشتركة، إذ جمع لأول مرة بين المنطلقين الأساسيين من وراء تعدد المسميات التنظيمية وشبه التنظيمية، المنطلق الإسلامي والمنطلق العلماني، وجعل من المواطنة التي يقول بها الطرفان وما ينبثق عنها من نظام ديمقراطي بمعنى الكلمة الإجرائي للاحتكام إلى إرادة الشعب، احتكاما متوازنا يعطي الأكثرية حقّها عبر تلك الإرادة والتعبير بالانتخابات وفي دستور جديد دون غمط لحقوق الأقلية، الأساس الذي يريد أن ينطلق منه الجميع في بناء مستقبل سوريا.

وإن كان لاتزال توجد أصوات علمانية بالدرجة الأولى تعبر عن اعتراضاتها، فالأجدى هو التأكيد على أن ذلك ناتج عن سوء فهم صنعه تاريخ طويل سابق، ويحتاج إلى جهود مكثفة لإزالته، ويفيد في ذلك أن المؤسسين لتلك الخطوة تركوا الباب مفتوحا لمزيد من التعديلات والمشاركات، وهو ما لا ينبغي أن ينال الخطوط العريضة للبيان، بل إيجاد الضمانات والآليات الكفيلة لانتشار الاقتناع بأن الحصيلة تحقق المصلحة العليا المشتركة، وتحفظ حقوق الجميع دون استثناء.

صدر الإعلان وبدأت التفاعلات معه في اللحظة التاريخية المناسبة لتأكيد وجود بديل ثالث، إلى جانب الدمار نتيجة خطر خارجي أو الدمار نتيجة تعنت داخلي قائم على استبداد، مرفوض بحد ذاته من قبل ظهور الخطر الخارجي ومن بعده.

وقد فتح الإعلان نفسه الأبواب أمام المرتبطين بالنظام الحاكم، أن يكونوا –كما ينبغي- جزءا من الشعب، وليس أوصياء فرضوا أنفسهم فرضا عليه، وهذا بدوره فرصة تاريخية ليحسم كثيرون أمرهم، وليدركوا أن المرفوض ليس هذه الفئة أو الطائفة أو الحزب، إنما المرفوض هو الاستبداد الذي تمارسه أي جهة كانت، بغض النظر عن التسميات وعن شكليات اصطنعتها وأعطتها عناوين دستورية أو قانونية مزيّفة.

وهنا بالذات يبدو سلوك السلطة أو أركانها الرئيسيين خطرا عليها وعلى المرتبطين بها في الدرجة الأولى، فالمعركة التي تصورها هي معركة حياة أو موت، هي معركة من يتشبث بالاستبداد، وليست معركة من يتخلى عن الاستبداد ودعمه، بل هي فرصة لنجاته من أن يجره الاستبداد إلى معركة حياة أو موت، وهي لا تستهدفه إذا استطاع الإفلات من الوقوف في جبهة خاسرة بمنطق التاريخ، ومنطق مجرى الأحداث في الوقت الحاضر بالذات.

والخسارة الأكبر ليست أمام الخطر الخارجي، فالعدوان بمختلف أشكاله هو الخاسر في نهاية المطاف، إنما هي الخسارة أمام الإرادة الشعبية لمواجهة العدوان الخارجي والاستبداد الداخلي في وقت واحد، ومن لا يدرك هذه المعادلة ويضع نفسه في المكان الصحيح في الوقت المناسب، يساهم من حيث يدري أو لا يدري في أن يكون الثمن فادحا.

"
من الضروري والمفيد للمشاركين في إعلان دمشق والمنضمين إليه الانتقال من التنظير إلى المبادرات العملية، والتركيز في الفترة الراهنة على زيادة توثيق الأرضية المشتركة، وصياغة المزيد من الضمانات والآليات المطلوبة لمرحلة انتقالية محتمة 
"
فما يدور في الوقت الحاضر هو تصعيد الحصار خارجيا، مقابل تصعيد متانة الجبهة الداخلية لمواجهته، والذين يعملون من داخل السلطة أو من مواقع الارتباط بها، على تأخير مسيرة متانة الجبهة الداخلية، يساهمون في إضعافها أمام الخطر الخارجي، وستصيبهم عواقب ذلك هم أنفسهم إلى جانب إصابة المسؤولين عن الاستبداد وبقائه، ناهيك عن إسهامهم في تصعيد مخاطر المعاناة والأضرار التي تصيب الشعب في سوريا عموما، وقد بات من المؤكد أن إرادته ستحقق النجاة في نهاية المطاف، لسوريا البلد والتاريخ والحضارة، فالإسهام في أن يكون الثمن فادحا هو الجريمة التي يسأل عنها من يتردد عن التحرك في الطريق الصحيح.

ومن الضروري والمفيد للمشاركين في إعلان دمشق والمنضمين إليه الانتقال من التنظير إلى المبادرات العملية، والتركيز في الفترة الراهنة على زيادة توثيق الأرضية المشتركة، وصياغة المزيد من الضمانات والآليات المطلوبة لمرحلة انتقالية محتمة بين الوضع الراهن ووضع مستقبلي مستقر، ومضاعفة العمل من أجل بيان جوانب تلك الأرضية المشتركة في مواجهة العدوان الخارجي والاستبداد الداخلي في وقت واحد، والخطوط -العريضة فقط- لنقاط التماس في المنطلقات المتعددة والرؤى المتباينة التي يمثلونها وهو أمر طبيعي ومحتم في كل مجتمع من المجتمعات.

ويعني هذا في الوقت الحاضر البعد ما أمكن عن إصدار مواقف وبيانات انفرادية، والحرص على المشترك منها، بما يصنع منهج التغيير لا مناهج ما بعد التغيير، فتعدد المنطلقات معروف للجميع، وكان الالتقاء على إعلان دمشق انطلاقا من وجودها لا تجاهلها، ومن الاعتراف المتبادل بحق كل طرف في أن يتبنى ما يراه، واستعداده للاحتكام إلى إرادة الشعب عندما تأتي مرحلة قادمة، تشهد تنافس مناهج متعددة، قابلة لتشكيل ائتلافات تنفيذية، وقابلة لوجود جهة أو جهات حاكمة وأخرى معارضة، مع قابلية التداول على السلطة، وبالتالي قابلة للتنافس النزيه على كسب تأييد نسبة أكبر من أصوات الشعب، صاحب السيادة الحقيقية في أرضه.

إن كل استباق لتلك المرحلة ببيانات ومواقف انفرادية في اللحظة الراهنة، تؤكد المعروف من مواطن الافتراق، يمكن أن يثير الاختلاف دون فائدة آنية أو مستقبلية، وأن يشكل في الوقت ذاته خطرا على استمرارية التحرك المشترك في الاتجاه الصحيح.

آليات الحصار ومواجهتها
لا يخفى أن الحصار الخارجي يستهدف سوريا لا النظام الحاكم فيها، وإذا كانت مساومات النظام الحاكم عبر أربعة عقود مضت أعطته مواقع من قبيل الاستعصاء على التطويع لمسيرة الهيمنة الصهيو-أميركية في المنطقة، فليس مجهولا أن هذه الورقة التي استخدمها إقليميا وداخليا، دون أن تقترن بتحرك فعال في جبهة الجولان مثلا، كان ثمنها السكوت المؤقت على وجوده في لبنان في الدرجة الأولى، فضلا عن تخلي القوى الدولية عن التعريض باستبداده داخليا، فمثل ذلك التعريض انتقائي على الدوام، يتستر بدعوات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ولا يخدم إلا أغراض الهيمنة.

وقد انتهت مرحلة المساومات، وبات المطلوب التطويع الكامل تحت عنوان "التطبيع" و"المشاريع الشرق أوسطية"، وهذا ما جعل الاستغناء عن السلطة في سوريا دوليا أوسع نطاقا بكثير من مساومته الموروثة من حقبة ماضية على ورقة لبنان واضطراره إلى الانسحاب منه، أو مساومته الجديدة على ورقة العراق ونشر الألوف من الجنود والمئات من مواقع المراقبة على حدوده، أو انفتاحه على السلطة الفلسطينية إلى جانب تقييده الجزئي لمنظمات المقاومة العاملة سياسيا وإعلاميا في سورية والمقتصرة فيما سوى ذلك على الداخل الفلسطيني.

"
انتهت مرحلة المساومات، وبات المطلوب التطويع الكامل تحت عنوان "التطبيع" و"المشاريع الشرق أوسطية"، وهذا ما جعل الاستغناء عن السلطة في سوريا دوليا أوسع نطاقا بكثير من مساومته على ورقة لبنان أو العراق أو فلسطين
"
إن النظام بعد تصعيد الحصار على سوريا، رغم كل ما قدمه وما لايزال يعرضه على حساب القضايا الإقليمية وليس على حساب موقعه المهيمن بأسلوب الاستبداد داخليا، لم يعد أمامه سوى التسليم المطلق بالتخلي عن ورقة الاستعصاء كلية، وهذا الاستعصاء –وحده- ما كان يجد التأييد شعبيا، لأنّه يدور حول قضية مصيرية وليس حول وجود النظام نفسه، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين، فمسيرة "التطويع والتطبيع" مرفوضة سواء كانت من جانب النظام السوري الحالي أو سواه، ومن جانب هذه الجهة الاستبدادية أو غيرها، والقوى الدولية القائمة على آليات الحصار تسعى لانتزاع المزيد من التنازلات من النظام السوري من جهة، كما تسعى من جهة أخرى من أجل المساومة مع المعارضة في الداخل والخارج على ورقة الاستعصاء نفسها، أو بتعبير أصح على المواقف المرتبطة بقضايا مصيرية، كقضيتي فلسطين والعراق.

إن أي جهة من جهات المعارضة تبدي استعدادا للقبول بحلول جانبية للقضايا المصيرية، بدعوى الحصول على أي شكل من أشكال الدعم الدولي في معركتها ضد الاستبداد، إنما تنزلق بذلك إلى قطاع المحرمات في السياسة السورية سيان تحت أي عنوان، وتدخل في تناقض جذري مع المصلحة العليا لسوريا والمصلحة العليا الإقليمية، فهما مصلحة عليا واحدة لا ينفصل جزء منها عن الجزء الآخر.

إن ما يعطي المعارضة في سورية قوتها هو إثبات وجودها الفعلي المؤثّر لكسب التأييد الشعبي العريض، لا كسب التأييد من جانب قوى دولية معادية تحاصر سورية وتساوم النظام على المقايضة بين وجوده واستمراره وبين القضايا المصيرية.

وليس هدف إنهاء الاستبداد في سوريا هدفا قابلا للتجزئة، أي لا يمكن الانطلاق من الإرادة الشعبية في اختيار السلطة التي تحكم داخليا ومخالفة الإرادة الشعبية في ممارسات ما على الصعيدين الإقليمي والدولي، أي في التعامل مع القضايا المصيرية، كفلسطين والعراق.

لقد استطاعت أطياف المعارضة السورية في الداخل والخارج أن تقطع خلال السنوات الخمس الماضية على الأقل، أشواطا كبيرة، ليتجاوز كل فريق نفسه في بعض المواطن الأساسية التي كانت قائمة على الإقصاء والاستئصال، فكريا وسياسيا، وهذا وحده –وليس مسيرة الحصار الموازية- ما أوصل إلى مرحلة جديدة يمثلها إعلان دمشق.

"
إن الاتجاه الإسلامي، أو القومي، أو العلماني، أو الشيوعي، أو سوى ذلك من الاتجاهات، يفقد انتماءه إلى المصلحة العليا الجامعة وإلى الوطن المشترك، في اللحظة التي يتجاوز فيها تواصله مع أي جهة أجنبية، حدود بيان الثوابت

"

ومن المؤكد أن توقيت تصعيد هذا الحصار والاستعجال بآلياته على الأقلّ، يستهدف هذا التطور على صعيد المعارضة أيضا، قبل أن تنضج ثماره، فهو جزء من صناعة مستقبل سوريا، ولا يوجد أي دليل على أن الحصار يريد أن ينتهي إلى قيام وضع في سوريا يضمن مستقبلا مستقرا لها على أساس الثوابت الكبرى المشتركة، سورياً وإقليمياً، من منطلق إسلامي أو قومي، علماني غير استئصالي أو إسلامي غير استئصالي، إنما يوجد ألف دليل على نقيض ذلك.

إن الحصار يستهدف سوريا الدولة والشعب والتاريخ والحضارة والمستقبل.. لا النظام، ويستهدف بذلك مسيرة المعارضة أيضا ويعمل على الانحراف بها، وذاك هو أحد وجوه الخطر الذي ينبغي أن يكون ماثلا للعيان في كل خطوة تخطوها المعارضة على طريق الانتقال من التنظير إلى المبادرات العملية، ومن مضامين الخطوط العريضة لإعلان دمشق إلى مضامين الخطوط العريضة لمستقبل سورية.

وإن المعارضة السورية التي تصنع المظلة الواقية لسوريا بجمع سائر أطيافها تحتها، لا ينبغي أن تغفل عن أن الخط الأحمر الفاصل بينها وبين النظام يتألّف من شقين متكاملين لا ينفصلان، أحدهما الاستبداد وثانيهما المساومة على المصلحة العليا في القضايا المصيرية، ولهذا يمكن أن تضم المعارضة سائر الأطياف المتعددة المنطلقات، ولا تضم أي طرف يسير على نهج كرزاي والجلبي وأمثالهما، أو ما قد يشابههما في المضمون ويختلف في الإخراج والتنفيذ، سيان ما هو المنطلق الذي يمثله والتسمية التي يطلقها على نفسه والتسويغ الذي يسوقه.

إن الاتجاه الإسلامي، أو القومي، أو العلماني، أو الشيوعي، أو سوى ذلك من الاتجاهات، يفقد انتماءه إلى المصلحة العليا الجامعة وإلى الوطن المشترك، في اللحظة التي يؤول فيها تواصله مع أي جهة أجنبية، فيتجاوز حدود بيان الثوابت، ويتصرف بأي صورة من الصور على حساب أي اتجاه آخر داخل الوطن المشترك، بما في ذلك اتجاه البعث الذي تحكم السلطة تحت عنوانه، أو على حساب أي قضية من القضايا المصيرية، التي يعود التفريط فيها بالوبال على سوريا وعلى المنطقة بأسرها.



ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة