القذافي.. حياة وموت دكتاتور   
الأحد 27/3/1433 هـ - الموافق 19/2/2012 م (آخر تحديث) الساعة 7:49 (مكة المكرمة)، 4:49 (غرينتش)
عرض/ بوعلام رمضاني
تكمن الأهمية المبدئية للكتاب في كونه الأول الذي يتحدث عن القائد الليبي الراحل بشكل أكاديمي معمق ومعزز بجوانب غير مسبوقة وفقت من خلالها الباحثة برافان في إيجاد توازن لافت بين المعالجة التاريخية والسياسية للنظام السياسي الليبي والهوية الشخصية والمزاجية والاجتماعية القبلية للقائد "الشكسبيري" الذي مات في ظروف مأساوية مرفقة بملابسات مرعبة يرفع عنها اللثام لأول مرة. 
 
-الكتاب: القذافي حياة وموت دكتاتور
-المؤلف: هيلين برافان
-عدد الصفحات:267
-الناشر: بوران, فرنسا
-الطبعة: الأولى 2012
وانطلقت الباحثة من ديباجة مثيرة تحدثت فيها عن موت العقيد القذافي قبل تعرضه لاعتداء جنسي مشين قبل تفوهه قائلا "حرام عليكم"  وقتله في ظروف غامضة لا تؤكد بالضرورة أن أحد الثوار هو الذي أطلق على رأسه الرصاصة الحاسمة.

الباحثة هيلين برافان صحفية مستقلة ومتخصصة في القضايا السياسية والاقتصادية المغاربية، وتتعاون مع عدة صحف فرنسية ودولية ورسائل سرية، وقامت بتحقيقات كثيرة للتلفزيون الفرنسي.

ناقشت الكاتبة في أربعة فصول مسيرة حكم القذافي انطلاقا من الانقلاب الذي أطاح بالملك إدريس عام 1969 مرورا بسلسلة الأحلام التي راودته لنقل ليبيا من عهد القرون الوسطى وصولا إلى حداثة تمكن الشعب من الحكم ووحدة  تصنع قوة عربية سياسية واقتصادية عربية: "البدوي الشاب والفقير حكم مدة 42 عاما بقبضة دكتاتوري مثالي وانتهازي، إقطاعي حداثي، متحضر وهمجي استطاع أن يصمد أمام عقبات وخيبات أمل جمة قبل أن يموت تحت ضربات الناتو والثوار".

البدوي والعسكري الثائر
تحدثت الكاتبة في الفصل الأول "أحلام السيطرة 1942ـ 1972عن البدوي الذي عاش فقيرا والثائر العسكري الذي جرب كل أشكال الوحدة العربية لاحقا تجسيدا لـتأثره بالناصرية، وصاحب الثورة البترولية التي وضعت حدا لاحتكار الشركات الغربية وعلى رأسها الشقيقات الأميركية.

القذافي ـالذي أشاع عنه الإعلام الإسرائيلي أن جدته يهودية وأحد صحفيي القناة الثانية شانيل 2 أنه يهودي ـ عاش طفولة فقيرة تحت خيمة الغوس لقبيلة القذاذفة، وحسب الكاتبة، يعد القذافي الذي ولد عام 1942 في يونيو/حزيران ـ في سيرت نتيجة تاريخية ونفسية وأخلاقية لتربية بدوية لا ترد فيها الكلمة للقائد وهو الأمر الذي ترك الكثيرين يعتبرون حياته قصة انتقام اجتماعي، الشيء نفسه يمكن سحبه على إيمانه بدور المرأة الاجتماعي نتيجة تأثره بالحضور النسائي الذي جسدته أمه التي كانت تقوم بكل شيء في انتظار عودة الزوج الذي كان يذهب بعيدا للرعي بالغنم لعدة أشهر على بعد مئات الكيلومترات.

القذافي الذي عاش محاطا بثلاث شقيقات قام برعي الغنم والمعز وزرع القمح والشعير قبل التحاقه بالمدرسة في سن العاشرة، وحافظ على عادة حب الزراعة في عز الثورة الليبية

القذافي الذي عاش محاطا بثلاث شقيقات قام برعي الغنم والمعز أيضا وزرع القمح والشعير قبل التحاقه بالمدرسة في سن العاشرة، وحافظ على عادة حب الزراعة في عز الثورة الليبية، والدليل عثور الثوار على حقول صغيرة للخضار تنتظر السقي في إحدى إقاماته العديدة.

إيمان القذافي بما أسمته الكاتبة "الاشتراكية القرآنية" ناتج أيضا عن تربيته الإسلامية والفقيرة التي كتب عنها قصصا نشرها عام 1993 في سيرت، واستطاع قائد ليبيا المستقبلية أن يستدرك تأخره الدراسي بفضل ذكائه الخارق وموهبته ووعيه بفقره الذي انعكس على فكره الثوري القائم على روح التضامن والعدل.

رحيل عبد الناصر وتبخر الوحدة
بعد أن نجح الضابط الشاب الناصري والمثقف المشبع بالفكر القومي والاشتراكي في الإطاحة بالملك العجوز السنوسي في الفاتح سبتمبر/أيلول من عام 1969 ـ بتزكية من الأميركيين الذين حاولوا وضع عمر الشلحي على رأس السلطة الجديدة حسب إحدى الروايات المفترضةـ راح القذافي يغير الهيكلة السياسية القديمة اعتمادا على الضباط الأحرار وقبائل القذاذفة والمقارحة والورفالة ومؤسسا أنظمة المحافظات والمتصرفات والمديريات ومؤمما الشركات النفطية والبنوك الأجنبية تجسيدا لمبدأ السيادة الوطنية على ثروات البلاد.

نجاح العقيد في تحقيق الثورة التحريرية البترولية دفعه إلى السعي لتحقيق حلم الوحدة العربية والإسلامية والأفريقية ودعم الحركات الثورية بكل السبل لمواجهة الإمبريالية وإخراج المسيحية والصهيونية من القارة السمراء.

بعد ثلاثة أعوام من تاريخ وصوله إلى الحكم تبخرت أحلام القذافي الوحدوية وتعارك مع قادة تونس والمغرب والسودان وتزوج من جديد وتحول إلى معبود جماهيري على الصعيد الداخلي بعد أن تحسنت معيشة الليبيين إثر ارتفاع أسعار النفط وبلغت حد الرخاء بتمكنهم من اقتناء سيارات فاخرة تجاوزت مثيلاتها في البلدان المغاربية والأفريقية الأخرى نوعا وكما.

القائد الذي خرج من معطف عبد الناصر، لم يستسلم رغم محاولاته التوحيدية الانفرادية وغير المؤسسة واستياء الكثير من الموظفين والتجار الليبيين، ووجد القذافي في حكم الجماهير الوسيلة البديلة الأكثر فعالية للقيام بثورة ثقافية من شأنها التحرر من إداريين غير منتجين وقطع العشب من تحت أقدام البورجوازيين الغربيي الروح الذين لم يحبهم طيلة حياته.

راديكالية السبعينيات والكتاب الأخضر
انتقلت الكاتبة في الفصل الثاني إلى المرحلة التي أسمتها "سنوات الراديكالية 1973ـ1979 ـ وهي المرحلة التي راح يطبق فيها الزعيم الليبي فحوى الكتاب الأخضر أو النظرية الثالثة بعد الخطاب الذي ألقاه في الزوارة غرب طرابلس في الخامس عشر من أبريل/نيسان من عام 1973، وتميزت المرحلة بقمع كل المعارضين من الماركسيين والبعثيين والإسلاميين على يد هيئة الأمن الداخلي التي تدربت في مصر وألمانيا الشرقية, وبهروب الكثير من المثقفين إلى الخارج ، ورغم الاستفراد بالرأي والاستبداد لم يتردد عوض حمزة أحد رفقاء الزعيم في مجلس الثورة ومنصور الكيخيا وزير الخارجية من معارضة التنكيل الذي طال المثقفين والطلبة التروتسكيين ـ جماعة الأربعين ـ والإخوان المسلمين.

ليبيا الغنية بفضل نفطها, هي نفسها ليبيا القذافي التي عمقت بطشها بكل من يعارض هدر المال, تحولت من بلد يسمى عام 1977 الجماهيرية العربية الشعبية الاشتراكية إلى سجن تحت الهواء الطلق

راديكالية المرحلة تجسدت داخليا في نظام الديمقراطية المباشرة التي طبقت على شعب أمي في معظمه من خلال اللجان الشعبية وبتعميق سياسة تأميم البترول والتجارة الخاصة.

فشل كل محاولات الوحدة دفعت الزعيم الليبي إلى نعت القادة العرب بالمتآمرين المتحالفين مع أميركا الأمر الذي لم يمنعه من توقيع اتفاقية تعاون عسكري واقتصادي وفني مع فرنسا والاتحاد السوفياتي.

القذافي الذي أصبح مصدر توجس وحيطة من الأشقاء العرب الذين تأكدوا من صحة عناده وممارساته الراديكالية والانفرادية غير الواقعية، استمر في عنجهيته مكرسا تعنته داخليا وخارجيا، ورافضا كل رأي مخالف كما حدث مع عبد المنعم الهوني وزير الدفاع وعمر الوحيشي وزير التخطيط اللذين عارضا إعدام المنتسبين لأحزاب ولسياسة الإنفاق التي أدت إلى تبذير كبير بسبب تمويل عمليات تخريب في بلدان عربية على حساب التنمية الصناعية والزراعية.

ليبيا الغنية بفضل نفطها التي استقبلت الآلاف من العمال العرب هي نفسها ليبيا القذافي التي عمقت بطشها بكل من يعارض هدر المال الذي يعزز قبضة مخابرات القمع والتعذيب والحرس الأخضر بكيفية حولت بلدا أصبح يسمى عام 1977 الجماهيرية العربية الشعبية الاشتراكية إلى سجن تحت الهواء الطلق.

قمع..غضب صامت.. تفسخ
البحبوحة الاقتصادية النفطية التي لم تنعكس إيجابيا على كل الشرائح الاجتماعية، وتحول القذافي من وحدوي عربي فاشل إلى وحدوي أفريقي، وممول لحركات التحرر والمعارضات وقمع الإسلاميين والمثقفين والطلبة، كلها حقائق ساهمت في بروز غضب صامت وسط الجماهير التي أضحت خاضعة لحكم قبلي تسلطي لا يمت بصلة لشعارات التضامن والعدل والتقدم ومبادئ الكتاب الأخضر.

في الوقت نفسه عمق القذافي حربه البترولية ضد الولايات المتحدة الأميركية بتخفيضه الإنتاج، وراح يؤيد الأجنحة الفلسطينية الثورية ويزيح بعض مواقع إسرائيل في أفريقيا قبل أن تنقلب عليه الوضعية العالمية الاقتصادية الناتجة عن الأزمة النفطية المزدوجة، 1974ـ1979، داخليا وخارجيا الأمر الذي أوقع البلد في مصاعب أضعفت من وهج القائد ومهدت لرد فعل ليبي دفاعي لم يخفف من وطأة التفسخ الذي بدأ يصيب الجماهيرية الاشتراكية.

مع مرور الشهور في مطلع الثمانينات، أمضت الباحثة برافان تحلل صيرورة الواقع السياسي والليبي في الفصل الثالث 1980ـ1988 مؤكدة على دخوله مرحلة تميزت بعسكرة اجتماعية غير مسبوقة وملاحقة مضاعفة لكل الأصوات المعارضة في الداخل والخارج ومواجهة ليبية أميركية جديدة بين ريغان الكوبوي والقذافي البدوي على حد تعبيرها بعد أن قرر الأول الإطاحة بنظامه على عدة مراحل انطلاقا من شهر أغسطس/آب عام 1981.

رغم جرعة الأوكسجين التي مكنت القذافي في سنوات التأزم من التنفس إثر استغلاله شعبيا لمحاولة الاغتيال الأميركية، لم يعد أمامه إلا خيار التكتكة السلبية والتوبة المفروضة أمام حصار مزدوج داخليا ودوليا

سنوات الشك والفشل المريع
بعد وقوفها عند تأزم ليبيا اقتصاديا وسياسيا بسبب دكتاتورية بغيضة وسياسة اقتصادية شعبوية ودبلوماسية غير واقعية بل ومتهورة، والعودة إلى الخصخصة بحثا عن نفس جديد، وتحقيقا لتدارك مستحيل، أنهت الكاتبة برافان رحلتها في كوكتيل تناقضات وانتهازية وتعنت وبدوية حياة ومواقف القائد الليبي متحدثة في الفصل الرابع والأخير "سنوات الشك 1999ـ 2011" عن الإستراتيجية الليبية الجديدة والتوبة السياسية الخارجية فقط والتحرير الاقتصادي الخجول الذي لم يعد ينفع.

وربطت الكاتبة في هذه المرحلة بشكل لافت بين تصاعد الوجود الإسلامي وإصرار القذافي على استئصاله، وبين فشله المريع على الصعيد الدولي واضطراره إلى التنازل عن عنجهيته بعد أن أصبح حديث الليبيين عن سقوط النظام ضرورة حتمية لتغيير الوضع المسدود.

ورغم جرعة الأوكسجين التي مكنته من التنفس إثر استغلاله شعبيا لمحاولة الاغتيال الأميركية وإحباطه لمحاولات انقلابية إسلامية ومواجهته للمقاطعة الغربية وتشجيعه للقطاع الخاص ومغازلته المعارضة الخارجية، لم يعد أمام القّذافي إلا خيار التكتكة السلبية والتوبة المفروضة أمام حصار مزدوج داخليا ودوليا.

توبة بدوي في باريس
 روح البداوة التي بقيت ساكنة في أعماقه طيلة حياته على حد تعبير الكاتبة، لم تمنع القّذافي من الرضوخ للأمر الدولي والغربي الواقع وبالتالي التنازل عن كرامته بسعيه لرفع المقاطعة من خلال تسليم عبد الباسط المقرحي وعلي أمين خليفة فهيمة المتهمين بتفجير الطائرة الأميركية في لوكربي، والتوقف عن دعم الأجنحة الفلسطينية الثورية الراديكالية.

ومضى القذافي في تكريس توبته بتعويض عائلات ضحايا الطائرة الأميركية وملهى برلين، والكشف عن مشاريع تسلحه النووي رغم بساطتها، وفتح سوق قطع الغيار للغرب وتحرير الاقتصاد تحت الضغط الأميركي الأمر الذي يفسر تعيين شكري غانم الأميركي التوجه وزيرا جديدا للاقتصاد.

أثمرت توبة القذافي بإعادة اعتبار غربية لعدو الأمس أو لبونابرت الصحراء فتم استقباله في إيطاليا وفي باريس بخيمته وحرسه النسوي وبإطلاق سراح الممرضتين البلغاريتين والطبيب الفلسطيني عام 2007.

الثورة الليبية التي نجحت بمساعدة غربية لم تتحقق إلا بإصرار -شعب بائس- على التحرر من سلطة دكتاتورية قبلية، لكن مستقبلها مازال على كف عفريت

توبة القذافي الدولية جاءت متأخرة حسب الكاتبة لأنها لم تساهم في توقيف تدهور الوضع الداخلي سياسيا واقتصاديا بحكم استحالة حل مشكلات تاريخية وهيكلية عويصة تحولت إلى قنبلة موقوتة انفجرت في وجه صانعها بشكل مأساوي كشفت عنه الكاتبة في مقدمة مبدعة كما مر معنا.

في خاتمة كتابها ، أكدت هيلين برافان أن الثورة الليبية التي نجحت بمساعدة غربية لم تتحقق إلا بإصرار شعب بائس على التحرر من سلطة دكتاتورية قبلية ، وأن مستقبلها مازال على كف عفريت، وتنبأت بذلك متحدثة عن صعوبة التوفيق بين مصالح بقايا النظام البائد غير المستعدين للالتحاق بالنظام الجديد والليبيين الذين قرروا الانتقام من 42 عاما من الخضوع والمذلة ناهيك عن صعوبة فرعية خطيرة أيضا تتمثل في كيفية اقتسام الكعكة النفطية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة