آرش دو زويه أو الدروس المؤلمة   
الخميس 1428/10/28 هـ - الموافق 8/11/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:08 (مكة المكرمة)، 12:08 (غرينتش)
هيثم مناع

 

كثر الكلام في الفترة الماضية عن تحركات جمعية "آرش دو زويه" ومساعيها التي أحبطت في لحظاتها الأخيرة لنقل أطفال دارفوريين إلى فرنسا "بهدف إنقاذهم من الموت المحتم"، إلى أن ظهر أن ثلاثة أرباع هؤلاء الأطفال (82 ذكرا و21 أنثى غالبيتهم بين عمر ثلاث وست سنوات) من منطقتي أدريه وتينه التشاديتين المحاذيتين للسودان، والربع الباقي من مخيمات اللاجئين من دارفور.

"
الحكومة الفرنسية التي اعتبرت العمل غير قانوني وغير مسؤول بدت بعيد الحادث مرتبكة وكأنها لا تعزف على نفس الوتر، هذا إن لم نتحدث عن توزيع أدوار بين المسؤولين المعنيين بالملف
"
كما أبان تقرير اليونيسيف والصليب الأحمر الدولي والمفوضية العليا للاجئين أن 91 طفلا من أصل 103 يعيشون على الأقل مع أحد الوالدين، هذا إذا قصرنا العائلة على الأب والأم فقط، وكان قد عرض على هؤلاء الأهل تعليم أبنائهم في مجمع للأطفال معد لهذه الغاية في تشاد.

لكن السيناريو المعد منذ أشهر كتب له الفشل في اللحظات الأخيرة، عندما منعت السلطات التشادية الطائرة من الإقلاع من مطار أبيشي في 25 أكتوبر 2007.

كما اعتقلت القائمين على العملية من مؤسسة غير معروفة في الوسط الإنساني اسمها آرش دو زويه، ووضعت يدها على من معهم من صحفيين قدموا لتغطية الحدث، وعلى طاقم الطائرة الإسباني وقائدها البلجيكي.

ظهر الرئيس التشادي في وسائل الإعلام متحدثا عن جريمة خطف أطفال بقصد التجارة الجنسية وبيع الأعضاء، والرئيس التشادي له مآرب يحققها من وراء رفع صوته في هذا الظرف بالذات حيث إن ثلاثة آلاف جندي أوروبي نصفهم من الفرنسيين قادمون إلى بلده في وقت لاحق.

لكن في المقابل نرى أن الحكومة الفرنسية التي اعتبرت العمل غير قانوني وغير مسؤول بدت بعيد الحادث مرتبكة وكأنها لا تعزف على نفس الوتر، هذا إن لم نتحدث عن توزيع أدوار بين المسؤولين المعنيين بالملف.

ومنذ اللحظة الأولى اتضح بأن الجيش الفرنسي سهّل للمنظمة كل ما تحتاج إليه، مثلما فعل لخمس وسبعين منظمة غير حكومية فرنسية (قرابة نصفها ولد بقدرة قادر مع مأساة دارفور).

كما كشف متحدث باسم المنظمة أنه تم استقبال جمعيته ثلاث مرات على الأقل في وزارة الخارجية التي كانت تعلم بالمشروع منذ الصيف الفائت وتشجعه.

أما وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنر فقد تناولته نيران المنظمات الإنسانية الجدية مثل أطباء بلا حدود ومنظمة أطفال العالم وحقوق الإنسان، باعتباره يروج للتدخل الإنساني بسبل يوظف فيها العسكري والسياسي بحيث لم يعد مستغربا دخول البعد التجاري.

هذا الأمر اضطر رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا فيّون للتنصل من العملية وطلب تحقيقا من وزارتي الخارجية والدفاع، مما جعل المنظمات غير الحكومية تهزأ بالفكرة وتتساءل كيف يمكن لحراميها أن يكون حاميها؟

وكانت عدة مجموعات ضغط مهتمة بتوظيف قضية دارفور في أوروبا قد دعت لمظاهرة في الباستيل من أجل إطلاق سراح المعتقلين الفرنسيين في تشاد، كما استقبلت سكرتيرة حقوق الإنسان في وزارة الخارجية راما ياد عائلات معتقلي الجمعية المشبوهة، وأكدت لهم وفق تصريح محاميهم غيلبر كولار "حماية ودعم الحكومة الفرنسية".

المعضلة هي أن عددا هاما من المنظمات الإنسانية الفرنسية غير الحكومية قد حوصر في هذه القضية بين سندان الضغط الحكومي ومطرقة المصداقية الدولية، ويخشى من التوظيف الشوفيني الذي ينعكس على تبرعات المحسنين لها إن هي طالبت بمحاسبة الفرنسيين.

وظهر أن أكثر من منظمة حقوقية فرنسية ودولية في باريس التزمت الصمت خوفا على التسهيلات التي تقدمها لها الحكومة، فالمنظومة الفرنسية للعمل الخيري أمام أصعب امتحان لها منذ فشلها في مساندة جمعيات من العالم الإسلامي بدعوى نفس المخاوف.

المهزلة المأساة هذه تضع تجربة الأطباء الفرنسيين (French Doctors) التي انطلقت قبل ثلاثة عقود على المحك الأصعب، منذ انسلاخ برنار كوشنر وصحبه عنها وانضمامهم للفضاء الحكومي قبل 15 عاما، بحيث تطرح عليها اليوم أسئلة وجودية من نمط، هل هي فعلا عالمية وبلا حدود؟

وهل بإمكانها أخذ البعد اللازم من مدرسة تدعو في المحصلة الأخيرة، لتحويلها إلى الإنساني في خدمة العسكري التي يروج لها الثنائي رايس وكوشنر؟

وهل يأتي ذلك ضمن عملية ضرب ممنهجة لكل ما هو خارج السرب الغربي وبالتالي المشبوه بدعم الإرهاب، مقابل دعمها كل ما هو ضمن السياسات الرسمية؟

في هذا الوسط المحموم والموبوء، ركب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الطائرة إلى نجامينا ليعود بالصحفيين والمضيفات، في وقت كانت فيه القناة السادسة تبث التحقيق الذي أجراه مارك غارميريان قبل سفره لتشاد واعتقاله.

"
الجمعية تتبنى الطابع غير القانوني للعملية باسم "العمل الإنساني"، بل أكثر من ذلك تقول إنه "من أجل العمل الإنساني كل شيء مسموح به" وكأن العمل الإنساني فوق القانون وفوق الضوابط الأخلاقية التي تضمن مصداقيته قبل كل شيء
"
وهذا التقرير يؤكد أن الجمعية تتبنى الطابع غير القانوني للعملية باسم "العمل الإنساني"، بل أكثر من ذلك ترد فيه عبارات مثل "من أجل العمل الإنساني كل شيء مسموح به" وكأن العمل الإنساني فوق القانون وفوق الضوابط الأخلاقية التي تضمن مصداقيته قبل كل شيء.

يتبع ذلك احتفالية النصر بعودة المواطنين الإسبانيين والفرنسيين للوطن، أما الرئيس التشادي فيتراجع من ناحيته عن خطبته النارية التي تبعت إعلامه بأن من هؤلاء الأطفال من ينتمي لقبيلته هو أيضا، ويصرح بأن ربان الطائرة البلجيكي قد يفرج عنه لأن عمره 75 سنة وهو مريض بالقلب.

وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كان الحال كذلك فكيف يسمح لشخص بهذا العمر وهذه الصحة العليلة أن يقود طائرة تضم أكثر من مئة طفل بالإضافة إلى العاملين على متنها.

لا شك أنه مما يحسب لفرنسا والغرب بشكل عام -في هذه القضية وغيرها- هو التزامها بالحماية القنصلية لمواطنيها خارج الأراضي الفرنسية.

وتعتمد الحماية القنصلية على حق الدفاع عن المواطنين خارج الأراضي مهما كان الجرم وفي أي بلد ضمن المبادئ الثلاثة التالية:

-المعاملة الجيدة أثناء التوقيف أو السجن في الطعام والملبس والعلاج.
-احترام حق الدفاع مع إمكانية تعيين مترجمين أو تقديم مساعدة قضائية.
-تمتع السجناء بحق التواصل مع عائلاتهم.

ولإن كانت هذه المبادئ الوطنية تنسجم مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فهي في ميدان التطبيق ليست بهذه البساطة والسهولة، إذ يوجد اليوم خارج الأراضي الفرنسية 1794 سجينا في كل قارات العالم، ويتم التعامل معهم بطرق مختلفة تبدأ من التدخل وتوفير خدمات خمس نجوم إلى النسيان الكامل.

وهنا من الضروري التذكير بأن تبني أشخاص اعتقلوا في غوانتانامو احتاج إلى زمن أطول بكثير من هذا، لا بل أرسلت المخابرات الفرنسية من يستجوبهم هناك بشكل ينتهك القانون الفرنسي لعدم الاعتراف رسميا بشرعية هذا السجن.

كما أن الحكومة أعاقت حتى اللحظة إجراءات المحاسبة القضائية بحق من كان سببا في اعتقال ستة فرنسيين مسلمين زج بهم في غوانتانامو دون جرم، وبقوا دون محاكمة قرابة أربع سنوات.

كذلك ما زال هناك معتقلون فرنسيون في السجون الأميركية في العراق لا يطالب بهم أي مسؤول فرنسي، في حين أن المنظمات الموالية لإسرائيل استنفرت منذ الساعات الأولى لاعتقال الأسير الإسرائيلي في غزة شاليط، مطالبة الرئيس جاك شيراك بالتدخل الفوري من أجل الإفراج عنه لكونه يحمل الجنسية الفرنسية.

مرة أخرى، نجد أنفسنا أمام معضلة حقيقية اسمها ازدواجية المعايير واختلاف ردود الفعل، بغض النظر عن الجرم، أي أن الأساس القانوني يوضع في الصف الثاني ويتم دفع الأسباب السياسية والدعائية إلى الصدارة.

بالتأكيد، هذه السياسة لن تقدم أي خدمة بناءة لسمعة العمل الإنساني في أي بلد. بل تجعله أسير السياسة الحكومية بامتياز.

منذ 11 سبتمبر/أيلول لم يعد انتهاك القانون وضرب القيم مسألة مخجلة لمن يفعلها، فقد أنجبت الحرب على الإرهاب جيلا من السياسيين والعاملين في الشأن العام يرفضون ما يسمونه "سذاجة الهواة" الذين يعتقدون أن المفوضية السامية لحقوق الإنسان هي الحاكم الفعلي للعالم.

وفي متابعة المكتب الدولي للجمعيات الإنسانية والخيرية لحيثيات قضية جمعية "آرش دو زويه" سمعنا إجابات أقل ما يمكن وصفها به أنها "وقحة".

وذلك من نمط، هل تعلم أن الجمعية استقبلت عدة مرات في وزارة الخارجية ومن قبل نواب فرنسيين؟ ألم تسمع بتدخل أكثر من نائب اشتراكي من أجل التحرك لإعادة أعضاء الجمعية من تشاد؟

"
ليتذكر الرؤساء والملوك في الجنوب أن الرئيس الفرنسي استقل الطائرة لاستعادة شركاء في قضية نصب واحتيال لأنهم مواطنون، وأنهم لم يفعلوا شيئا يذكر لرموز كبيرة للعمل الخيري والإنساني يقبعون ظلما دون محاكمة أو اتهام في سجن غوانتانامو منذ قرابة ست سنوات
"
هل تظن أن الحكومة الفرنسية لم تسمع بمشروع أراد أصحابه أن ينال أكبر دعاية ليتمكنوا من الحصول على موافقة ومساعدة أكبر عدد ممكن من العائلات؟

هل تعرف بأن بداية المشروع كانت في 27 نيسان/أبريل 2007 أي قبل ستة أشهر، وأن الشرطة استجوبت أكثر من مرة مسؤولي الجمعية؟ ألم تسمع بمشروع إنقاذ عشرة آلاف طفل من جنون البشر في دارفور؟

ألم تُعرض عليكم مساعدات مالية من أجل الاستنفار لقضية دارفور؟ هل تريد قائمة المراكز الحقوقية التي تتلقى مساعدات فقط من أجل تنشيط موضوع دارفور في القاهرة والخرطوم وباريس ونجامينا؟

مثل ما سبق هناك عشرات الأسئلة التي لا تضع القيم الإنسانية النبيلة على مذبح الشك السلبي وحسب، بل تلغي الفروق بين الصالح والطالح والعامل والهامل، وتلغي روح التطوع المخلصة في مواجهة الفساد في الفضاء غير الحكومي.

برنار كوشنر، وجاكي مامو، وبرنار هنري ليفي، مارسوا عن سابق إصرار وتصميم التزوير في الأرقام والمعطيات، كما يقول كريستوف أياد في صحيفة ليبيراسيون، يؤيده في ذلك العديد من قادة العمل الخيري المخلص والجاد.

فلماذا كان إطلاق هذه الحملة؟ أحقا من أجل شعب دارفور؟ وإن كان كذلك فلماذا لم نسمعهم يتحدثون عن المأساة العراقية والفلسطينية؟

لقد دافع أحد أعضاء الجمعية المذكورة في العنوان عن نفسه بالقول، لماذا تعتبرني الأوساط غير الحكومية نصابا ولا تجرؤ على مواجهة "أس أو أس دارفور" أو "طوارئ دارفور" أو "أنقذوا دارفور"؟ هل لأنهم محاطون بمحامين ولوبيات قوية ونحن نقف وحدنا؟

لماذا يحق للسيد كوشنر أن يطالب بتسفير وتبني الأطفال الأيتام من "التوتسي" في المجازر الرواندية ولا يحق لنا فعل ذلك في دارفور؟

مهما يكن من أمر الفضيحة والجريمة، من حق كل المعنيين بها المطالبة باحترام قرينة البراءة، وكما أننا رفضنا تصنيف الإدارة الأميركية والمفوضية الأوروبية الاعتباطي والظالم لجمعيات خيرية وإنسانية إسلامية، نرفض في هذه القضية وضع أنفسنا مكان القضاء، بل ونطالب بمحاكمة عادلة لكل المتورطين، ونرفض التعميم على كل المنظمات الإنسانية الفرنسية والخبراء الفرنسيين.

فأنطوان جيرار رئيس مكتب التنسيق للقضايا الإنسانية في السودان فرنسي، وقد كشف أن هذه الجمعية لم تسجل يوما في مكتب الأمم المتحدة، وجاك هينتزي الذي كشف أن معظم الأطفال ليسوا أيتاما أيضا فرنسي، وثمة أسماء متميزة في العمل الخيري الفرنسي، منها رئيس أطباء بلا حدود السابق روني برومان الذي يقف بحزم في وجه "لفلفة" الموضوع اليوم.

لكننا نطالب بلجنة تحقيق دولية، لا مجرد لجنة منتقاة بعناية لحفظ ماء وجه الدولة وحماقاتها. نطالب بتحقيق شفاف حتى نتمكن من الدفاع عن كل مناضلي العمل الخيري الفرنسيين الذين يقومون بعملهم بكل أمانة وإخلاص، كما نتمنى أن تكون هذه الحادثة عبرة على طرفي المتوسط شمالا وجنوبا.

شمالا، أن تتوقف الحكومات الغربية عن إطلاق التهم السريعة غير الموثقة على الجمعيات الإنسانية والخيرية الإسلامية، كي لا يحكم الناس بنفس الطريقة وكرد فعل على العمل الخيري الغربي بعجره وبجره.

وجنوبا، أن يتذكر هذا الرئيس أو ذاك الملك، أن الرئيس الفرنسي قد استقل الطائرة لاستعادة شركاء في قضية نصب واحتيال لأنهم مواطنون، وأنهم لم يفعلوا شيئا يذكر لرموز كبيرة للعمل الخيري والإنساني مثل السعودي عبد الله المطرفي والسوداني عادل حمد القابعين ظلما وبدون محاكمة ولا اتهام، في سجن غوانتانامو منذ قرابة ست سنوات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة