السودان وأزمة الحوار الأفريقي   
الأربعاء 20/9/1433 هـ - الموافق 8/8/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:29 (مكة المكرمة)، 13:29 (غرينتش)
منى عبد الفتاح

 

بعد انعقاد القمة 19 للاتحاد الأفريقي في يوليو/تموز المنصرم بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، التي تُعتبر القمة الثانية بعد انفصال جنوب السودان في عام 2011، تمت استثارة وضع السودان بشكله الجديد من منطلق التفكير في الانفصال، وكأنه استئصال للجذور الأفريقية بوصفها خصائص تكوينية لدولة السودان.

ومنذ القمة 18 للاتحاد الأفريقي في يناير/كانون الثاني الماضي وحتى هذه الأخيرة والأجندة الرسمية تؤكد على أزمات القارة المتجذرة والمستحدثة، أما وقد أُضيف إليها النزاع بين السودان وجنوب السودان الذي يلعب الاتحاد الأفريقي فيه دور الوساطة في المفاوضات بين الجانبين، فقد زاد ذلك من التصور السائد بعجز الاتحاد الأفريقي عن حل مشاكل القارة، وزاد من التحدي أمامه ليتحمل مسؤولية صياغة حلول إقليمية شاملة.

سؤال الهوية
لعبت الروابط التاريخية والثقافية والوجدانية المشتركة دوراً مهماً في المكونات الأساسية لشعوب القارة الأفريقية، ولكن بتغير ملامح السياسة الدولية المعاصرة بدأت تطرأ التغيرات أيضاً على دول القارة، وأصبح تقلب العصور السياسية إحدى أهم سمات الحكم في أفريقيا.

ومن الصورة الواسعة لأفريقيا، كان السودان يمتد على رقعة جغرافية لها أبعاد جيوسياسية هامة. فالسودان يتوسط موقع القلب من أفريقيا، وبالانفصال أصبح السودان عبارة عن شريحة أفقية أخذت تنسحب رويداً رويدا من العمق الأفريقي الذي اكتسبت الدولة من إحدى صفاته اسمها التاريخي.

إذا كانت الهوية قد شكّلت العنصر الأكثر أهمية في بلورة الاتحاد الأفريقي وتجسيده على الأرض, فإنّ تكيّف السودان على مختلف إثنياته مع تكوين هذا الاتحاد يذهب يوماً بعد يوم في اتجاه التباعد والقطيعة

من الناحية الإستراتيجية قد لا يتم حساب الموقع المركزي للسودان في أفريقيا وفقاً للاعتبارات العرقية، بل لاعتبارات جيوبوليتيكية كان ينهض عليها السودان ويشكّل موقعه بفضلها رابطا بين الوطن العربي وأفريقيا. وبالرغم من مساحة وموقع السودان وإطلالته التاريخية المتميزة على الوطن العربي شمالاً وشرقاً فما زالت العلاقة بينه وبين الوطن العربي تعاني نوعاً من المد والجزر.

أما الفتور فهو سمة إطلالة السودان الحديثة على أفريقيا من خلال دولة جنوب السودان. فقد استطاعت الدولة الوليدة رغم قصر عمرها أن تحجب ما بين دولة السودان وأفريقيا، كما أنه من المتوقع أن تلعب دوراً يساهم في إعاقة التنسيق والتعاون الإقليمي ما بين السودان ودول القارة الأفريقية وتكتلاتها الإقليمية.

وقد كانت لواقعة انعقاد القمة الأفريقية الـ19 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي المكونة من الدول 54 الأعضاء في الاتحاد يوميْ 15 و16 من يوليو/تموز الماضي، وحيثيات تحويلها من ليلونغوي عاصمة ملاوي إلى أديس أبابا عاصمة أثيوبيا، عدة آثار.

فمشاركة الرئيس السوداني عمر البشير في هذه القمة -التي طغت عليها أزمات أخرى، كما طغى عليها حدث انتخاب رئيس أهم هيئة في هذه المنظمة الدولية- ضاعفت من وضع الاتحاد الأفريقي الحرج أصلاً. ووضعت كل هذه الأحداث الاتحاد الأفريقي في موقف لا يقتصر على الكيفية التي يمكنه التعامل بها مع قرار المحكمة الجنائية الدولية القاضي بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير مع احترام مبادئ ومواثيق الاتحاد الأفريقي، وإنما يصل إلى التحدي الذي واجه القادة الأفارقة بالوصول إلى حل توفيقي تم به نقل أعمال القمة من دولة ملاوي إلى إثيوبيا.

جاءت القمة الأفريقية الأخيرة وقد تحول المفهوم القومي للقوة بعد تلاشي الأيديولوجيات إلى التنافس المحموم على الأرض من حيث المساحة والموقع الجغرافي. هذا التحول ساهم في خلق نزاعات إقليمية عديدة عملت على تشكيل السياسة الخارجية للدول الأفريقية. وما حق تقرير المصير الذي انتهى إلى انفصال دولة جنوب السودان كمثال، إلا نتاج استياء من التنكر لهذا الحق من جهة، وتعبير عن تظلم تاريخي من سوء المعاملة باعتبار شعب جنوب السودان إثنية مغايرة من جهة أخرى.

وبالنظر إلى السودان من نافذة الاتحاد الأفريقي، ومن منطلق التفكير في مفهوم الهوية التي انعكست على طبيعة التطور التاريخي للدولة في حقب السودان السياسية المختلفة، فإنه يمكن أن تنقسم هذه المراحل إلى مرحلتين هما ما قبل وما بعد انفصال جنوب السودان.

وإن كانت الهوية قد شكّلت العنصر الأكثر أهمية في بلورة الاتحاد الأفريقي وتجسيده على أرض الواقع فيما مضى، فإنّ تكيّف السودان على مختلف إثنياته مع تكوين هذا الاتحاد يذهب يوماً بعد يوم في اتجاه التباعد والقطيعة. كيف لا وقد تحولت الفاعلية التي كانت نواة بناء الاتحاد إلى معيارية هدمت أواصر التواصل، مما يستلزم النظر في تحدي مفهوم الهوية التي بدأت تشكّل وجود سودان جديد بعد الانفصال.

بين المنظمة والاتحاد
لا يعوّل أحد على أن يكون الاتحاد الأفريقي النموذج الذي يمكن أن يُحتذى بالنسبة للوحدة الداخلية لأي دولة أفريقية، وذلك لأن الاتحادات السياسية والاقتصادية الإقليمية الأفريقية لا تصل إلى أن تكون اتحادات مؤثرة لافتقارها للقيادات والمؤسسات والظروف الملائمة. وبالرغم من بعض المكاسب السياسية التي حققتها بعض دول القارة فإنّها لا تتناسب مع تاريخ نيل هذه الدول لاستقلالها حتى تشجعها على تحقيق نُظم ديمقراطية أو تكامل اقتصادي، أو تقترب بها من الإحساس بروح المواطنة الأفريقية المشتركة.

ونجد أنّ السودان بوصفه أحد مؤسسي منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 لم يستفد من التجارب الوحدوية في ذاك الزمان إلا على المستوى الشعبي. أما على المستوى الرسمي -وبعد تكوين الاتحاد الأفريقي عام 2002 كبديل لمنظمة الوحدة الأفريقية- فقد عانى من نفس الشتات والانقسامات السياسية التي عانت منها أفريقيا، وذلك لما للحكومات الأفريقية وزعمائها من مقدرة على إفراغ قضايا التكامل السياسي والاقتصادي من محتواها الأساسي.

وكما لا يمكن تقييم تجربة الاتحاد الأفريقي تقييماً دقيقاً وفقاً لأوجه الإنجازات والقصور نظراً للمعوقات التنموية التي تكبّل القارة، فإنه وبنفس المقاييس لا يمكن أيضاً تقييم تجربة السودان في حالة الوحدة أو الانفصال تقييماً شاملاً. فبالإضافة إلى ذلك هناك أيضاً الصراعات والحروب الأهلية، وعدم وجود ديمقراطية حقيقية، مع استشراء الفساد وانعدام الشفافية.

لا يعوّل أحد على أن يكون الاتحاد الأفريقي النموذج الذي يمكن أن يُحتذى بالنسبة للوحدة الداخلية لأي دولة أفريقية، وذلك لأن الاتحادات السياسية والاقتصادية الإقليمية الأفريقية لا تصل إلى أن تكون اتحادات مؤثرة

أما تاريخ القارة -الذي كان من الممكن أن يؤهل اتحادها لدور أكبر من هذا- فيمكن النظر إلى الجزئية المضيئة منه، وهي أنه بنهاية الحرب العالمية الثانية بدأت الدول الأفريقية في نيل استقلالها، وأولها كانت إثيوبيا وليبريا وجنوب أفريقيا. بعد ذلك عمت أفريقيا موجات التحرر الثورية فأخذت تنال استقلالها واحدة تلو الأخرى، فاستقلت ليبيا عام 1953، ثم السودان عام 1956، ثم المغرب وتونس عام 1956، وغانا عام 1957، وغينيا عام 1958.

كان أول ما جمع دول القارة الأفريقية مع العربية منها هو ميثاق الدار البيضاء عام 1961 بتجمع غانا، غينيا، مالي، الجزائر، المغرب، والجمهورية العربية المتحدة (مصر). وقد صدرت عن ذلك التجمع عدة مبادئ تنص على تضامن الدول الأفريقية في تصفية الاستعمار، وتعاونها في استغلال ثرواتها الطبيعية، وفي المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

أما السودان فقد واكب استقلاله من الاستعمار البريطاني عام 1956 الحركة الأفريقية الثورية التي بدأت بالمطالبة بالاستقلال، ثم الوقوف ضد نظام الفصل العنصري. وبعد التوقيع على مبادئ دستور منظمة الوحدة الأفريقية الستة التي تحكم علاقات الدول الأفريقية فيما بينها نشط السودان أفريقياً.

وكانت تلك المبادئ هي مبدأ المساواة المطلقة في السيادة، ومنع إثارة الفتن، واحترام الحدود السياسية  القائمة، وفض المنازعات الدولية الأفريقية في نطاق أفريقي، والتعاون الاقتصادي والاجتماعي الأفريقي، وإدخال مبدأ عدم الانحياز ومكافحة الاستعمار من خلال مبادئ ثورية جديدة.

تجاوز الأزمات
عندما تم عقد قمة الاتحاد الأفريقي العادية السادسة في عام 2006 في الخرطوم كان هناك جدل كبير حول ترشح السودان الذي كان يستضيف القمة آنذاك لتولي رئاسة الاتحاد، بينما كان القتال الدامي يستعر في إقليم دارفور منذ عام 2003، وكانت المتهمة فيه الحكومة السودانية. وقد قال الرئيس البشير وقتها عندما كان ينشد المنصب الأفريقي الرفيع إنّ الجهد الأفريقي سيظل هو الذي يقود إلى السلام في دارفور، وسنضع أيدينا في أيدي الاتحاد الأفريقي تأكيداً لمقدرة الأفريقيين على حل مشاكلهم داخل البيت السوداني.

وكان البيت السوداني فيما قبل يسع أفريقيا كلها، ولكنه بعد تولي حكومة الإنقاذ السلطة عام 1989 أصبح يفقد المزيد من علاقاته مع دول الجوار الأفريقي. ولم يقف الفتور في العلاقات عند ذاك الحد وإنما أخذ في الازدياد حتى ضعف توجه السودان نحو القارة الأفريقية.

لم يكن توجس القادة الأفارقة -خاصة رؤساء الدول الخمس الذين نصحوا الرئيس عمر البشير بسحب سعيه لمحاولة قيادة الاتحاد الأفريقي في 2006- توجساً عادياً. فقد كانوا يرون أنّ ترشح الرئيس البشير للمنصب واعتماده يخدش مصداقية الاتحاد الأفريقي، كما يمكن أن يضر بجهود القارة الأفريقية وسعيها لتحسين صورتها وسجلها في مجال حقوق الإنسان وتحقيق الديمقراطية.

ولم تكن تلك الأسباب بأقل من مخاوف انهيار محادثات السلام بشأن إقليم دارفور التي بذل فيها الاتحاد الأفريقي جهوداً كبيرة. كما أنّ الدول الأفريقية توجست من القبول بترشح الرئيس البشير لذاك المنصب لأنه قد يشجع حكومة الإنقاذ على مواصلة تصدير نموذج مشروعها الإسلامي للدول الأفريقية، مما يتعارض مع توجهات العديد من القادة الأفارقة.

ذاك الوضع بظروفه المختلفة خلق نوعاً من الجفوة بين السودان والدول الأفريقية غذاها الخطاب السياسي لنظام الإنقاذ، والذي أدى فيما بعد إلى تركيز السودان على الدول العربية والإسلامية. وقد ذهبت الأحوال من سيئ إلى أسوأ في مجال العلاقات السودانية الأفريقية بانفصال جنوب السودان الذي استطاع إقناع العقلية الأفريقية بأن السودان دولة عربية إسلامية عنصرية يحركها الجانب الإثني والعِرقي.

معاناة السودان تشبه إلى حد كبير معاناة القارة الأفريقية من الحروب الأهلية والنزاع على الحدود والصراع حول الموارد والسلطة, وعدم قدرة السودان على تجاوز هذه الأزمات يشبه إلى حد كبير عجز أغلب الدول الأفريقية عن تحقيق حالة اندماج وطني  

وتم تصنيف السودان بحسب ذلك –على الأقل في الأدبيات السياسية الأفريقية- بأنه دولة مستعمرة سابقة، حين قدمت دولة جنوب أفريقيا طلبها إلى الاتحاد الأفريقي باعتماد كلمة "استقلال" بدلاً عن "انفصال" للتعبير عن حالة دولة جنوب السودان في تقرير مصيرها.

إنّ معاناة السودان تشبه إلى حد كبير معاناة القارة الأفريقية من الحروب الأهلية والنزاع على الحدود والصراع حول الموارد والسلطة. وعدم قدرة السودان على تجاوز هذه الأزمات يشبه إلى حد كبير عجز أغلب الدول الأفريقية عن تحقيق حالة اندماج وطني بين القبائل والإثنيات المختلفة المكونة لدول القارة.

ومن هنا يمكن الاعتراف بأنّ أزمة السودان تشابه إلى حد كبير أزمات دول القارة رغم خفوت دور السودان في الفترة الأخيرة. كما أنّ وجود السودان في الاتحاد الأفريقي وجود باهت رغم الأضواء التي تم تسليطها على رئيسيْ دولتيه في القمة الأخيرة. فالأضواء في مثل هذه الظروف تكشف من العيوب والسوءات أكثر مما تعكس نجومية ما، وأنّى للسودان ذلك وهو ما زال يسعى بين الأمم للوصول إلى سَلمٍ قومي حقيقي وتجديد لأواصر البناء الوطني.

ما يحتاجه السودان هو استعادة دوره الأفريقي بحيث يتكامل الشعبي مع الدبلوماسي مع الإستراتيجي. فقد جفت الصحف التي تم تسطير مشاكل السودان عليها، وأريق حبرٌ كثير ليوضح أنّ العمق والبعد أفريقي، مما يوجب على دولة السودان أن تبدأ من ذات العمق لتصحيح أخطاء الماضي وتدارك كوارث المستقبل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة