الشيخ شريف رئيسا للصومال.. الفرص والعقبات   
الاثنين 1430/2/28 هـ - الموافق 23/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 15:55 (مكة المكرمة)، 12:55 (غرينتش)


حسن محمد إبراهيم

- الفرص المواتية
- العقبات والمطبات

اختتم في جيبوتي في التاسع والعشرين من يناير/كانون الثاني الماضي اجتماع تصالحي بين الحكومة الانتقالية وجناح جيبوتي من تحالف إعادة التحرير، ونتج عن ذلك انتخاب الشيخ شريف رئيسا للحكومة الانتقالية لفترة سنتين، وضم مائتي عضو من جناح جيبوتي إلى برلمان الحكومة الانتقالية ليصل أعضاؤه إلى 550 عضوا نصفهم من أعضاء برلمان الحكومة الانتقالية السابق، والنصف الآخر من المعارضة، مائتا عضو منهم لجناح جيبوتي، والباقي وهو 75 عضوا لمنظمات المجتمع المدني.

"
رئيس الحكومة الانتقالية خرج من رحم المقاومة، ورجال المقاومة من أصدقائه ورفقاء دربه، ولن يلقى عناء في التفاهم معهم أكثر من الذي لاقاه في تقاسم السلطة مع الحكومة الانتقالية
"
ويأتي انتخاب الشيخ شريف بعد انهيار كامل لكل البنى التحتية للبلد بسبب الحرب الأهلية التي مضى عليها قريب من 18 عاما، كما يأتي إثر ضياع وتشرد عانى منه الصوماليون طويلا، بعد انهيار الحكومة المركزية بسقوط نظام سياد بري، إضافة إلى ضياع سيادة البلد بشكل كامل، بحيث أصبح كلأ مباحا لكل طامع، ومرتعا خصبا لكل مغرض.

فسماؤه مفتوحة لكل من هب ودب، وأرضه اعتادت الاجتياحات العسكرية من جيرانه غير الأوفياء، وبحره مليء بأساطيل الغرب والشرق التي تتنافس على نهب الخيرات وسرقة الثروات.

ويأتي هذا الاجتماع الذي انتخب فيه شريف في ذيل قائمة طويلة من مؤتمرات المصالحة انتهت كلها وليس معظمها بحروب طاحنة عمقت الجراح وزادت الطين بلة، إلى أن أصبحت هذه الاجتماعات أشأم من البسوس في نظر الصوماليين.

فهل يا ترى تجود اجتماعات المصالحة هذه المرة بنتائج إيجابية تنهي الصراع وتؤسس لمرحلة جديدة يعود فيها الوئام لأهل الصومال الذين تفرقوا أيدي سبأ بعد أن دقوا بينهم عطر منشم؟، وهل يكون الشيخ شريف بدعا من الرؤساء الذين أنجبتهم معامل اجتماعات المصالحة، فينجح فيما أخفق فيه غيره؟ أم سينتهي إلى ما انتهى إليه من سبقه إلى أزمة الرئاسة الصومالية بعد سياد بري من فشل ذريع؟

نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة في السطور التالية، وذلك بعرض الفرص المواتية للشيخ شريف، والعقبات التي تعترض سبيله.

الفرص المواتية
يتوفر للرئيس الجديد فرص عدة يمكنه الإفادة منها إذا هو أحسن استغلالها ووظفها لصالح مشروعه ومنها:

1- انسحاب القوات الإثيوبية من البلد يخفف العبء عن كاهل المقاومة ويتيح لها التفكير في السعي إلى استقرار سياسي ينهي التناحر والتشرذم الذي ساد في الصومال قريبا من 18 عاما، وهذا ما يوفر له أرضية صالحة للتفاهم مع رفاق السلاح وأصدقاء الخندق، ولاسيما إذا تمسك بالثوابت المشتركة، وأصر على مبدأ تحكيم الشريعة الذي جاء به إلى الواجهة.

2- رئاسة الشيخ شريف للحكومة الانتقالية قد تحول دون نشوب صراعات دموية بين المقاومة والحكومة الانتقالية، إذا لم يستجب للضغوط الدولية التي تدفعه إلى محاربة فصائل المقاومة، وسعى إلى مراضاتها وعدم مبادأتها بالقتال، لأنه يدرك قبل غيره أن فصائل المقاومة ليست بأسوأ من في البلد، بل يدرك أنها تسعى إلى الإصلاح والدفاع عن البلد وأهله، بينما لم يكن عبد الله يوسف يملك تلك الرؤية بسبب جهله المطبق بالمقاومة بل عن الصحوة الإسلامية عموما، وهذا سيتيح له التفرغ للمشاكل الأخرى العالقة التي أعيت من سبقه إلى كرسي الرئاسة.

"
يملك الشيخ شريف ورفاقه ورقة قوية هي طرح مبادرة مصالحة حقيقية تستوعب جميع مكونات المجتمع الصومالي، بما في ذلك القوى والإدارات ذات النفوذ الفعلي في الميدان
"
3- فرص نجاح الحوار البيني أكثر من أي وقت مضى، فرئيس الحكومة الانتقالية خرج من رحم المقاومة، ورجال المقاومة من أصدقائه ورفقاء دربه، ولن يلقى عناء في التفاهم معهم أكثر من الذي لاقاه في تقاسم السلطة مع الحكومة الانتقالية التي كانت تضم غرماءه من تحالف محاربة الشهادتين أمثال قنيرى وموسى سودي، بل إنهم لا يطالبونه بنصيب من كعكة الحكم كما يعتقد، إذا رفع شعار تطبيق الشريعة وهو جاد في ذلك كبادرة حسن نية.

4- فرص السعي إلى إعادة الدولة الصومالية إلى الوجود من جديد أكثر من أي وقت مضى، فالشيخ شريف ورفاقه من الإسلاميين الذين انخرطوا في الحكومة الانتقالية، يدركون حقائق الواقع على الأرض، وأن الحكومة الانتقالية لا تمثل أكثر من أعضاء البرلمان الانتقالي، وهو في الحقيقة خليط غير متجانس.

ويملك الشيخ شريف ورفاقه ورقة قوية هي طرح مبادرة مصالحة حقيقية تستوعب جميع مكونات المجتمع الصومالي، بما في ذلك القوى والإدارات ذات النفوذ الفعلي في الميدان كإدارتي أرض الصومال وبونت لاند، وهذا ما سيزيد من ثقته وقبوله الشعبي.

العقبات والمطبات
هناك عقبات جديدة قديمة ومطبات طالما تحطمت على صخرتها الأحلام الوردية للرؤساء الذين تعاقبوا على الكرسي بعد سياد بري وما زالت تلك العقبات تنظر الرئيس الجديد ومنها:

1- كان الصومال يضم قبل انهيار حكومة سياد بري 18 إقليما إداريا، وتخضع هذه الأقاليم اليوم لإدارات وقوى مختلفة، فالأقاليم الشرقية والشمالية (بونت لاند وأرض الصومال) وهي عبارة عن سبعة أقاليم ونصف تخضع لإدارتي أرض الصومال وبونت لاند، وأقاليم أقصى الجنوب والجنوب الغربي وهي ستة أقاليم تسيطر عليها فصائل المقاومة المعارضة للحكومة الانتقالية.

والباقي وفيه العاصمة مقديشو يتقاسمه الحكومة الانتقالية برئاسة الشيخ شريف، وفصائل المقاومة المعارضة، بالإضافة إلى مليشيات للطرق الصوفية أنشئت حديثا في إقليم جلجدود بعد تنامي دور المقاومة الإسلامية.

2- نصف أعضاء البرلمان الانتقالي يمثل زعماء الحرب، ولهم علاقات مشبوهة مع قوى إقليمية ودولية، ويصعب تمرير مشاريع لا ترضيهم في البرلمان، لأنهم شركاء في القرار، وسيعارضون كل ما لا ينسجم مع مصالحهم أو مصالح من يمثلونهم من القوى الإقليمية والدولية، وصنيعهم مع عبد الله يوسف لما دعت أديس أبابا إلى الإطاحة به ليس عنا ببعيد.

3- عمر الحكومة الانتقالية التي يترأسها الشيخ شريف قصير وهو سنتان، ويصعب إحداث تغيير يذكر في الساحة خلال هذه المدة الوجيزة مع أخذ تراكمات الأزمة الصومالية -التي طال أمدها- بعين الاعتبار.

4- جميع فصائل المقاومة باستثناء جناح جيبوتي أبدى معارضته الشديدة لاجتماع جيبوتي وما نتج عنه، ويستحيل على الحكومة الانتقالية إزالة وجودها ولو بالقوة، وينذر ذلك باندلاع حرب أهلية لا غالب فيها ولا مغلوب.

5- إدارتا بونت لاند وأرض الصومال أبدتا معارضتهما لاجتماع جيبوتي ونتائجه، وذكرتا رسميا أنهما غير معنيتين بذلك لأنهما لم تكونا ممثلتين في الاجتماع رسميا، والمجتمع الدولي يتعامل مع هذه الأنظمة كواقع لا يمكن تجاوزه، فرؤساء أرض الصومال أو بونت لاند يعاملون معاملة لا تختلف كثيرا عن التي يلقاها رئيس الحكومة الانتقالية.

وتبرم هذه الأنظمة اتفاقيات رسمية مع من تشاء من الدول دون الرجوع إلى سلطة مركزية أو حكومة فدرالية، وظهرت في الشهور الأخيرة في الساحة الدولية دعوات صريحة تطالب بتقسيم الصومال أو الاعتراف بأرض الصومال التي أعلنت انفصالها من طرف واحد.

6- الحكومة الإثيوبية لا تسمح بقيام صومال قوي تحكمه سلطة مركزية، ولا تألو جهدا في بث العراقيل أمام كل حكومة صومالية وإن كان رئيسها مواليا لها، ولها أسلوب قديم جديد في ذلك، وهو أنها تتحاشى التعامل مع الحكومة الانتقالية كممثل للصومال وتتعامل مع كل منطقة أو متنفذ على حدته، بل إنها تسعى إلى تسليح زعماء الحرب من جديد.

"
ما أبدته أميركا وبعض الدول من تأييد ما تمخض عنه اجتماع جيبوتي لا يعدو أن يكون من قبيل المجاملات التي تخالفها الأفعال، وبدلا من دعم الحكومة الانتقالية فإن أميركا ستستخدمها كعصا تضرب بها ما تسميه بالإرهاب
"
وقد بدأت الآن ذلك، واصطحبت قواتها المنسحبة كلا من محمد طيري (محافظ مقديشو السابق) وبري هيرالي (وزير الدفاع وحاكم مدينة كيسمايو السابق) وحابسدي (وزير النقل وأحد المتنفذين في مدينة بيدوا) ودبغيد (وهو محافظ هيران السابق) بالإضافة إلى محافظ بيدوا وآخرين، ويبدو أنها تعدهم لأدوار قادمة، كما كانت تفعل عقب كل مصالحة وتشكيل حكومة.

7- دأب المجتمع الدولي وفي مقدمته أميركا على التعامل مع كل حكومة صومالية بعد انهيار الحكومة المركزية عام 1991 من زاوية أمنية أو إنسانية بحتة، ما يدل بوضوح على أن هناك أجندة خفية لم تكتمل فصولها إلى الآن.

ومن الغريب أن الإدارة الأميركية لم تعترف حتى الآن بالحكومة الانتقالية كما صرحت بذلك مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية للـ بي بي سي في وقت سابق، وإن كانت قد استخدمتها كغطاء شرعي لتدخلاتها غير القانونية ومنها العدوان الإثيوبي على الصومال الذي كانت ترعاه أميركا.

وما أبدته أميركا وبعض الدول من تأييد ما تمخض عنه اجتماع جيبوتي لا يعدو أن يكون من قبيل المجاملات التي تخالفها الأفعال، وبدلا من دعم الحكومة الانتقالية فإن أميركا ستستخدمها كعصا تضرب بها ما تسميه بالإرهاب.

8- يرابط في سواحل الصومال وفي بره قوات أجنبية لا تأتمر بأمر رئيس صومالي ولا تستأذن برلمانا صوماليا، ويجري الآن حديث عن إرسال قوات أممية وأفريقية إلى الصومال، وهذه القوات الموجودة على الأرض، أو المتوقع إرسالها إلى الصومال لا ترعى مصالح الصومال وإنما ترعى مصالح بلادها أو مصالح القوى العظمى، ووجودها سيمنع قيام حكومة مستقلة في قراراتها، وهذا سيجعل الحكومة الوليدة تراوح في مكانها إلى أن تستكمل عمرها الزمني المفترض.

9- هناك لاعبون دوليون تتناقض مصالحهم في المنطقة مع مصالح إثيوبيا، ولا يألون جهدا في دعم من يرونه معارضا للشيخ شريف الذي يمثل في نظرهم امتدادا للأجندة الإثيوبية، ولاسيما بعد الترحيب الإثيوبي بانتخاب الشيخ شريف رئيسا للصومال، وهذا سيجعل مهمته أكثر تعقيدا.

تلك هي بعض العقبات التي تنتظر الشيخ شريف ويبدو أنها سوف ترهق أعصابه ولكن هل سيتمكن من اجتيازها؟ أم سيضطر إلى الاستسلام لها والإعلان المبكر عن استحالة المهمة؟

هذا ما ستجيب عنه الأيام القليلة القادمة، وإن كانت الأزمة الصومالية قد سجلت في السابق تساقطا رهيبا لكل من تقلد الرئاسة أو رام كرسي الحكم.
__________________

كاتب صومالي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة