قرار 1559 يخالف ميثاق هيئة الأمم   
الأربعاء 14/9/1425 هـ - الموافق 27/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 15:41 (مكة المكرمة)، 12:41 (غرينتش)

بقلم/ منير شفيق

ليس من حق إدارة بوش أن تتحدث عن تدخل خارجي في الشأن اللبناني وهي التي تتدخل بفظاظة بكل الدول الأخرى، بشكل أو بآخر، فسياستها الخارجية كلها تدخل في تدخل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى في أميركا اللاتينية وأوروبا (الشرقية على الخصوص) وفي بلاد العرب والمسلمين والعالم الثالث عموما.

فرفضها للتدخل السوري في لبنان، وقد كانت من مباركيه، ينزع عن موقفها أي مبدئية أو احترام للنفس أو تماسك في الموقف، بغض النظر عن تأييد أو عدم تأييد ذلك التدخل.


ليس من حق الذين يحملون الموضوعة القائلة إن سيادة الدول في عصر العولمة لم تعد مبدأ لا يمس، وراحوا يبشرون بالسيادة المنقوصة أن يتحدثوا عن انتقاص سوريا لسيادة لبنان
هذا وليس من حق الذين يحملون الموضوعة القائلة إن سيادة الدول في عصر العولمة لم تعد مبدأ لا يمس، وراحوا يبشرون بالسيادة المنقوصة أن يتحدثوا عن انتقاص سوريا لسيادة لبنان إلا إذا كان مبدأ عدم انتقاص السيادة لا يطبق إلا بين الدول العربية، ولا يطبق على أميركا أو الدول الكبرى الأخرى حين تنتقص من سيادة الدول.

والأكثر، ليس من حق مجلس الأمن (ولا الجمعية العامة) أن ينصب نفسه مصدرا لتقرير سيادة الدول أو شرعية الحكومات، فمثل هذا الحق مخالف لميثاق هيئة الأمم المتحدة، والقوانين الدولية تقرر أن سيادة الدول وشرعية الحكومات هو من حق شعوبها وحدها.

ولهذا يجب أن يقرأ القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن باعتباره تدخلا في الشأن الداخلي اللبناني، وعدوانا على مبدأ سيادة الدولة والشعب، ومخالفة صريحة لميثاق هيئة الأمم المتحدة.

والفرق الحاسم بينه وبين قراره السابق رقم 425 كون القرار425 صدر بموافقة الدولة اللبنانية، صاحبة الشرعية في اللجوء إلى هيئة الأمم في حال الاعتداء على سيادتها، أو احتلال أراضيها، أما القرار 1559 الأخير فقد تم بمبادرة أميركية-فرنسية وضد الموقف الرسمي اللبناني من خلال ممثليه الشرعيين الدستوريين المعترف بهم من مجلس الأمن نفسه، ومن أميركا وفرنسا قبل غيرهما.

فالتناقض هنا صارخ بين الاعتراف بشرعية الرئيس اللبناني والحكومة اللبنانية والمجلس النيابي من جهة وضرب عرض الحائط بالموقف الرسمي اللبناني المعترض على مشروع القرار الأميركي- الفرنسي الخاص بالشأن اللبناني من جهة أخرى.

ثمة مشكلة مبدئية متعلقة بحدود صلاحية مجلس الأمن حين تصل تلك الصلاحية إلى حد اتخاذ قرار تعسفي بحق الشعب اللبناني وشرعية الدولة اللبنانية وسيادتها على أراضيها، لأن هذه السابقة تخضع من حيث المبدأ كل دساتير العالم وسياسات دولها الداخلية وإدارات ممثلي شعوبها لهيمنة مجلس الأمن، ومن ثم ليس من حقه الحلول مكانها أو استلاب صلاحياتها الدستورية منها.

فمن حيث المبدأ يجب أن يعارض قرار مجلس الأمن 1559 واعتباره بادرة خطيرة ستؤدي إلى فوضى عالمية، وإلى هيمنة قبضة من الدول الكبرى على مصائر الشعوب، ومن ثم إسقاط الهيئة الدولية باعتبارها ممثلة لأمم متحدة وفقا لميثاق يحظى بالإجماع العالمي. وقد جعل موضوع سيادة الدولة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية شرطا للعلاقات الدولية.


من حيث المبدأ يجب أن يعارض قرار مجلس الأمن 1559 واعتباره بادرة خطيرة ستؤدي إلى فوضى عالمية، وإلى هيمنة قبضة من الدول الكبرى على مصائر الشعوب
الذين لا يعودون إلى المبادئ في حكمهم على السياسة ويجدون لكل موقف حيثياته وتبريراته وفقا لما يسود من موازين القوى يحولون العلاقات الدولية إلى الفوضى ولا يتركون مسوغا لبقاء هيئة الأمم المتحدة، ويجعلون من ميثاقها أضحوكة أو مهزلة. وسينطبق هذا على الميثاق العالمي لحقوق الإنسان وللقوانين الدولية، فمن يخرق ميثاق الأمم المتحدة يخرق كل المواثيق الأخرى.

وبكلمة يجب التفريق بين سياسة تفرض نفسها بالقوة مستندة إلى تفوقها في ميزان القوى وعدم وجود من يردعها من جهة واعتبار تلك السياسة من جهة أخرى شرعية أو منخرطة في إطار مبادئ دولية هادئة.

ولهذا إذا حدث تواطؤ بين مجموعة من الدول الكبرى أو سيطرة من قبل أميركا على مجلس الأمن ومن ثم على الشعوب فلا يجوز أن يدافع عنه بحجة أخطاء الغير أو أن يعطى الشرعية، فالذين يسوغون انتهاك القوانين الدولية وميثاق هيئة الأمم المتحدة يكرسون سياسة القوة والهيمنة تحت شعار الواقعية سيذهبون بالعالم إلى الفوضى والحروب وانتشار الخراب.

ولهذا فإن العلاقات الدولية لا تنتظم ما لم تقرر مبادئ هادية (ميثاق عالمي) لضبط السياسات والمواقف الجزئية، فالحريصون على السلم العالمي وعلى التعاون بين الدول وعلى صيانة حقوق الإنسان لا يحق لهم أن يديروا ظهورهم للمبادئ التي قررها ميثاق هيئة الأمم المتحدة وما أدرج ضمن القانون الدولي.

فمنهجية الدخول في تفاصيل كل حالة وإيجاد مبدأ خاص بكل حالة، وفقا لبعض التفاصيل ومن الزاوية التي تحددها سياسات الولايات المتحدة الأميركية ومن يلتف حولها من دول كبرى، يجب أن ترفض من حيث المبدأ، ومن خلال الاستمساك بالمبادئ المتفق عليها دوليا (كل أعضاء هيئة الأمم المتحدة)، لأن خرق المبادئ الأساسية بسبب حالة داخلية هنا وهناك (دائما يمكن إيجاد ذرائع) يحولها مزقا وأشلاء، ومن ثم يحول العالم إلى جحيم.

لعل ثمة سببا مهما مشتركا بين كل الحالات التي عانى منها الوضع الدولي خلال مرحلة الحرب الباردة، من مظالم وتدخلات أو من حروب وكوارث أو أزمات وصلت إلى حافة الانفجار النووي أو من فوضى واضطراب، تمثل في خرق هذه الدولة الكبرى أو تلك لمبادئ ميثاق هيئة الأمم المتحدة والقانون الدولي.

وكان من مظاهر ذلك الاحتكام إلى السلاح أو لغة القوة، والأهم كان المساس بمبدأ سيادة الدولة والتدخل في الشؤون الداخلية وعدم احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها.


أمر طبيعي أن توافق أي دولة على سياسات معينة تتبناها دولة أخرى، لكن ليس من الطبيعي أن تتدخل دولة لفرض ما توافق عليه أخرى أو لا توافق عبر الاعتداء على المبادئ التي يفترض أن تكون ناظمة للعلاقات الدولية
إنه لأمر طبيعي بالنسبة لأي دولة أن توافق على سياسات معينة تتبناها دولة أخرى أو على مسار الصراعات داخلها أو لا توافق، وهنالك أعراف دولية مقبولة في التعبير عن ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة من دون المساس بسيادة الدولة، لكن ليس من الطبيعي أن تتدخل لفرض ما توافق عليه أو لا توافق عليه من خلال الاعتداء على المبادئ التي يفترض أن تكون ناظمة للعلاقات الدولية، لأن خرق تلك المبادئ لا يكون من حق دولة دون أخرى إذا اعتبر مشروعا، وبدهي أن المحصلة ستكون إشاعة الفوضى العالمية وانتشار الحرائق على نطاق واسع.

صحيح أن الولايات المتحدة الأميركية دأبت في مرحلة الحرب الباردة على خرق مبادئ سيادة الدول والتدخل في شؤونها الداخلية، وكذلك فعل الاتحاد السوفياتي وبريطانيا وفرنسا وبعض الدول الأخرى، لكن ذلك كان ضمن إطار الوفاق الدولي أي ضمن حدود، ولم يكن مطلق العنان -مع عدم تبريره- ولم يصبح القانون الذي يحكم العلاقات الدولية.

وهذا هو السبب الذي حافظ على إطار هيئة الأمم المتحدة وميثاقها وحال دون انتشار الحريق على نطاق عالمي كما فعلت دول المحور (ألمانيا واليابان وإيطاليا) في مرحلة عصبة الأمم حين دفعت العالم إلى أتون الحرب العالمية الثانية.

أما المشكلة في مرحلة إدارة بوش فقد تمثلت في الخروج عن تلك المبادئ من حيث أتت ولم تعد مجرد خروق لها هنا وهناك وضمن ضوابط، والكل يذكر ما صدر من تصريحات تمس هيئة الأمم المتحدة وميثاقها إلى حد التجرؤ على القول بعدم الحاجة إلى وجودها أو دورها.

ومن هنا كانت المعارضة التي مثلتها فرنسا وألمانيا وروسيا والصين وغالبية دول العالم لهذه السياسة محقة تماما، وأنقذت العالم من أن يصبح دون أمم متحدة ودون ميثاق يشكل مرجعية للعلاقات الدولية. وقد تجلى ذلك بعزلة العدوان الأميركي-البريطاني على العراق، ومن ثم اضطرار إدارة بوش للتراجع عن التهديد بإنهاء دور الهيئة الدولية ووجودها، لكنها راحت تسعى ليقوم مجلس الأمن بخرق ميثاق هيئة الأمم.


انضمام فرنسا وألمانيا إلى السياسة الأميركية في التدخل التخريبي في الشأن اللبناني والسوري لا يعني إصباغ الشرعية على خرق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والأمل ألا يكون هذا الانضمام بداية نهج أوروبي جديد
ومن هنا جسد المشروع الأميركي-الفرنسي، ورغم ما جرى عليه من تعديلات، هذا المسمى، فالقرار 1559 جاء خروجا على ميثاق هيئة الأمم المتحدة ومن خلال الحصول على أغلبية تسعة أصوات مقابل ستة، وهذا الخروج لا يقل خطورة عن الخروج الأميركي– البريطاني حين ضرب عرض الحائط بمجلس الأمن وشنت الحرب غير الشرعية وغير العادلة على العراق.

وذلك لأن انضمام فرنسا وألمانيا إلى السياسة الأميركية في التدخل التخريبي في الشأن اللبناني والسوري لا يعني إصباغ الشرعية على خرق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، والأمل ألا يكون هذا الانضمام بداية نهج أوروبي جديد، لأن النتيجة ستكون واحدة بالنسبة للعلاقات الدولية أي الفوضى العالمية بكل ما تحمل الكلمة من معنى وأبعاد.

وباختصار الالتزام الصارم بمبادئ ميثاق هيئة الأمم المتحدة وعلى التحديد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وترك الأمر لشعوبها في تقرير مصيرها هو الطريق الوحيد لإقامة علاقات سليمة وسلمية بين الدول، وتجنيب العالم ما أمكن من فوضى مدمرة.
___________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة