تصاعد شأن العرب مع ثوراتهم   
الأحد 23/5/1433 هـ - الموافق 15/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 10:44 (مكة المكرمة)، 7:44 (غرينتش)
عبد الستار قاسم

قال الرئيس الأرجنتيني ليوبولدو غالتيري Leopoldo Galtieri عام 1982 إنه ليس عربيا، وذلك أثناء مؤتمر صحفي خاص بتحدي الأرجنتين لبريطانيا في جزر فوكلاند. أي أنه أراد التأكيد على أنه ليس نذلا أو هاربا من ميدان المعركة كما هم العرب. بلعنا حينها التعليق، ولم يرد أحد من العرب عليه، خاصة أن هزائمنا أمام إسرائيل ماثلة أمام العالم أجمع.

أما في العام 2012، فوقفت يونغ سن شو Aung San Suu زعيمة المعارضة البورمية (ميانمار) تقول لمؤيديها في الحملة الانتخابية إنها تعلمت من العرب أن الصمود والثبات في وجه الاستبداد يؤدي حتما إلى التغيير. وهذا التعلم عكس نفسه بوضوح على حركة الشارع الأميركي فيما يتعلق بالأوضاع المالية والاقتصادية الأميركية، إذ أطلق بعضهم على الحركة وصف الربيع الأميركي تيمنا بالربيع العربي، وأيضا على الشارع الصهيوني الذي خرج بمظاهرات احتجاج حول الأوضاع الاقتصادية متيمنا بحركة الشارع العربي.

الصورة النمطية
تطورت عبر السنوات صورة نمطية عن الشعوب العربية على المستوى العالمي، وهي صورة قبيحة إجمالا مليئة بالاستهزاء والتندر. صحيح أن هناك من تحدث عن العرب بروح الصداقة والمودة، لكن أغلب كتاب ومثقفي العالم المهتمين بشأن المنطقة العربية الإسلامية انطلقوا من صورة بشعة لا تحتوي على احترام للعرب.

تكرست صورة العربي النمطية في قاعات الأمم المتحدة حيث تحول العرب إلى مجرد أضحوكة أمام الأمم لأنهم لا يتقنون سوى الشكوى والتذمر والاتكال على الآخرين في حل مشاكلهم

ومن كان يطلع على أدبيات أهل الغرب والشرق يقرأ بوضوح كيف كان يخرج الكتاب الشعوب العربية من معادلة اتخاذ القرار أو التأثير فيه سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. فمثلا أشار آلاف الكتاب على المستوى العالمي إلى الهزائم التي منيت بها الجيوش العربية على يد إسرائيل، في حين لم تتحرك الجماهير العربية ضد القيادات المهزومة، ولم تعمل على إسقاطها. وتحدث غيرهم عن أباطرة المال العرب، واختلاسات الحكام للأموال العربية، وتبذيرهم المستمر في أماكن الفحش العالمية، دون أن تتحرك الشعوب دفاعا عن ثرواتها. وأسهب آخرون حول ظلم الأجهزة الأمنية العربية واستبدادها وقمعها، وخنوع الشعوب لها.

قام عدد من الباحثين باستطلاع رأي شعوب أوروبية وأميركية حول العرب، ولم نكن نجد تأييدا واسعا لهم في قضاياهم العالمية، أو تقديرا لرغباتهم في التعاون على المستوى الدولي، بل كان التأييد محدودا جدا مقارنة بما كانت تلقاه إسرائيل من تأييد. وقد سبق لي أن شاركت ببحث من هذا القبيل مع الدكتور مايكل سليمان من جامعة كنساس حول صورة العربي لدى مدرسي مادة التاريخ في المدارس الأميركية، وكان من الصعب جدا أن نجد مديحا للعرب أو ثناء، وأتت الإجابات بأن العربي شهواني مزواج، وانتهازي خائن، وجبان مبذر للأموال.

وقد تكرست صورة العربي النمطية في قاعات الأمم المتحدة، حيث تحول العرب إلى مجرد أضحوكة أمام الأمم، لأنهم لا يتقنون سوى الشكوى والتذمر والاتكال على الآخرين في حل مشاكلهم. لقد شغل هذا العملاق المترامي من الأطلسي إلى الخليج الأمم المتحدة بحثا عن حلول لهمومه ومشاكله دون جدوى، واستمر عبر السنوات مراهنا على ضعفه لاستدرار الشفقة.

حركة العرب تفرض نفسها
فاجأ العرب العالم في نهاية العام 2010 مع ثورة تونس، وثورة مصر مع بداية العام 2011، بعدما ظن أهل العرب والعجم والفرنج أن العرب ليسوا إلا كما بشريا خاملا لا يعير انتباها لكرامة أو حرية أو عزة نفس.

ظن العالم ومعهم العرب أنفسهم أن العربي متمسك بالحياة حتى ولو بِِذلّ وابتذال، ولا يرغب بتقديم التضحيات الضرورية لتحقيق الحرية والسيادة والعدل، فإذا بهذا الظن يتبخر مع عربة محمد البوعزيزي. فاجأت الثورة التونسية الناس بمن فيهم العرب أنفسهم، وتبين أن العرب لا يختلفون عن الشعوب الأخرى حتى لو تأخرت ثوراتهم عن ركب الأمم.

على مدى 16 شهرا تقريبا، تتصدر الشعوب العربية الإعلام العالمي، وتفرض نفسها على المحللين السياسيين، وعلى الدول المعنية بالمنطقة، وعلى المؤرخين والمثقفين والشعراء والأدباء والأكاديميين. لم تعد التحليلات والتعليقات الإعلامية والأكاديمية ذات سمة استهزائية بالعرب، بل انقلبت إلى عكس ذلك، وأخذ المعنيون يهتمون بالانعكاسات المستقبلية للثورات العربية على حركة الشعوب في مختلف أنحاء العالم.

كأكاديمي، طالما كانت حركة شعوب العالم أمثلة تطرح على الطلبة للتدليل على إرادة الشعوب وقدرتها على مواجهة التحديات. كانت دائما الثورة الفيتنامية مثلا أعلى على مواجهة القوى العظمى، والثورة الإيرانية على مواجهة ظلم الحكام، وكذلك ثورات أوروبا الشرقية التي احتلت صدارة الحدث الشعبي العالمي في أواخر القرن العشرين.

الآن، لا أجد ضرورة للهجرة الأكاديمية، بل المنطقة مليئة بالأمثلة، وهي أمثلة مرشحة أعدادها للتزايد مع الأيام. وبالتأكيد يجد أكاديميون في العلوم السياسية والاقتصادية وعلم الاجتماع والفلسفة على المستوى العالمي في العرب أمثلة حية على إرادة التغيير عندما يسود الظلم والاستعباد.

من الواضح أن دولا قوية مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين أخذت تعيد حساباتها بشأن المنطقة، وتطور من سياساتها بطريقة تجنبها مفاجآت مستقبلية على الساحة الدولية

ثورات العرب وإستراتيجيات الدول الكبرى
واضح أن دولا قوية مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين قد أخذت تعيد حساباتها بشأن المنطقة، وتطور من سياساتها بطريقة تجنبها مفاجآت مستقبلية على الساحة الدولية. لم تتأخر الولايات المتحدة بالتحديد عن البحث في سبل التدخل بالثورات العربية بهدف احتوائها، أو على الأقل استمالتها، فلا تكون الحكومات القادمة معادية لها أو مترددة في تلبية طلباتها.

اعتادت الولايات المتحدة معاداة الشعوب لصالح الحكام إذا كانوا موالين لها، لكنها كسرت هذه العادة في الساحة العربية مؤخرا، ورأت أن من الأنسب عدم معاداة الشعوب، بل العمل على احتواء حركاتها. ولهذا لم تترد وزيرة خارجيتها أن تزور ميدان التحرير لتؤكد دعم أميركا للثورة المصرية، وحاولت أن تقيم اتصالات مع شباب الثورة التونسية.

تدرك الدول الكبرى أن التغيير الثوري الجاري في الساحة العربية لا يقتصر فقط على الشؤون الداخلية، وإنما سيمتد ليشمل الأمور الخارجية، وأن علاقات العرب مع مختلف دول العالم ستشهد تحولات مهمة.

والدول المهتمة تسأل: هل سيطور العرب سياسة نفطية وغازية جديدة يمكن أن تكلف الدول المستوردة مزيدا من النفقات على الطاقة؟ هل سيعتمد العرب على أنفسهم غذائيا، وسيوظفون أموالهم للاستثمار الزراعي والصناعي؟ ماذا سيكون الموقف من إسرائيل؟ وماذا سيكون من إيران؟ بل ماذا سيكون الموقف من أميركا وسياساتها المؤيدة لإسرائيل ولأنظمة الاستبداد العربي؟ هل سينكسر الاحتكار الأميركي للمنطقة؟.. إلخ.

الإجابات ليست قاطعة مانعة، والشيء الوحيد المؤكد هو أن المنطقة تتغير، ولا بد للدول الأخرى أن تنهمك في البحث عن إستراتيجيات جديدة.

استمرار حركة التغيير
حركة التغيير العربية لا تتوقف عند الدول العربية التي شهدت ثورات، وإنما يرى العديد من خبراء السياسة أن عجلة التغيير ستستمر في هذه الدول، وستنتقل إلى الدول الأخرى التي لم تشهد ثورات. فالأنظمة العربية باتت تدرك أنه لا مفر أمامها سوى التغيير المتناسب مع حرية الشعوب وتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية، والشعوب العربية جميعها باتت ترى في نفسها القوة الكافية لمواجهة الحكام.

أي أن الوضع العربي الجديد لن ينحصر في عدة دول عربية، وإنما سيشمل كل البلدان العربية ولو بوتائر متنوعة، وذلك حسب تركيبة النظام ودرجة الوعي الجماهيري بمتطلبي الحرية والعدالة.

هناك أيضا التأثير المتوقع لدول الثورات العربية على الدول التي لم تثر شعوبها، والمعروف بتأثير الدومينو أو "حبات المسبحة"، فهذه عجلة تاريخية قد بدأت، ومن الصعب أن تتوقف. طبعا هناك معوقات للحركة العربية على اتساع الوطن العربي، وعلى رأسها تدخل الدول الأجنبية وبعض الدول العربية بمجريات الحراك العربي والعمل على توجيهه بطريقة لا تتناسب مع مصالح الشعوب والأمة. هناك عمليات تخريب متعمدة من قبل العديد من الدول، لكن هذا متوقع، وسينحسر تأثيره مع السنوات.

وحدة الأمة العربية
ربما تنشغل بعض الدول الكبرى أو المنظمات الدولية بانعكاس الحراك العربي على فكرة الوحدة العربية. لقد عمل الاستعمار الأوروبي جاهدا في القرن العشرين على تمزيق الوطن العربي، وشرذمة الشعوب العربية، وصناعة ثقافات قطرية مميزة للتأكد من أن العرب لن يتحدوا. وقد لقي الاستعمار في الأنظمة العربية خير منفّذ لسياساته التي رسخت التفرقة والصراعات الداخلية العربية، التي امتدت مع الزمن لتؤثر بصورة خطيرة على الوحدة الوطنية لعدد من الإقطاعيات العربية، مثل لبنان وفلسطين والجزائر والسودان والعراق.. إلخ.
ينتظر عدد من الباحثين تطورات الأمور الداخلية على الساحة العربية، ويرون أن الحسابات لن تتوقف عند التخلص من هذا النظام أو ذاك، وإنما تتعداها نحو الترتيبات المستقبلية المتوقعة

يهتم بعض الباحثين الآن في التطورات الوحدوية المستقبلية، خاصة أن الشعوب العربية تملك الآن فرصة المشاركة في اتخاذ القرار السياسي. الشعوب العربية قد تضل الطريق، لكنها لا تخون كما يمكن أن يفعل الحكام، وهي شعوب تسعى لتحقيق مصالحها التي لن تجدها بالضرورة إلا في وحدتها. مصلحة الحاكم في بقاء حكمه، أي في استمرار التمزق العربي، ومصلحة الشعوب في قوة أمتهم في مختلف نواحي الحياة، أي في وحدتها.

ولهذا ينتظر عدد من الباحثين تطورات الأمور الداخلية على الساحة العربية، ويحسبون لعدد من القضايا الجوهرية المتصلة بوحدة العرب، مثل قضية اتفاقية سايكس بيكو وتمزيق المشرق العربي، ومسألة التطبيع مع إسرائيل والاعتراف بوجودها، وقضية دعم المقاومة العربية في مواجهة إسرائيل ونفوذ الدول الأجنبية، أي يرون أن الحسابات لن تتوقف عند التخلص من هذا النظام أو ذاك، وإنما تتعداها نحو الترتيبات المستقبلية المتوقعة.

الحركات الإسلامية
طالما نظر أهل الغرب والولايات المتحدة خاصة بعداء شديد تجاه الحركات الإسلامية، ورفضوا التعامل معها. لقد وافقوا مبارك على حظر جماعة الإخوان المسلمين، ولم ينبسوا ببنت شفة ضد سياساته القمعية.

وفي الجزائر، أيدوا الانقلاب العسكري على الانتخابات التي فاز بها الإسلاميون، ورفضوا الاعتراف بنتائج الانتخابات في الضفة الغربية وغزة. ورأوا في السابق أنه من الممكن الاستمرار في سياساتهم العدائية دون دفع ثمن يذكر، لكنهم يدركون الآن أن نتائج الانتخابات محروسة شعبيا وتجاوزها سيكلفهم أثمانا باهظة، ويرون أنه من الأفضل لهم الاحتواء بدل العداء. حيث تنشغل وزارات الخارجية الغربية كثيرا بهذه المسألة، الأمر الذي يشير إلى أن الحركات الإسلامية قد فرضت نفسها بعد طول عناء ومثابرة.

في المجمل العام، لا تشذ أمة العرب عن الأمم الأخرى، ولا حتى عن الأفراد العاديين من حيث إن الاحترام تفرضه الإرادة الحرة، ولا يمكن لمن لا يحترم نفسه أن يحظى باحترام الآخرين. لقد كنا مهزأة أمام الآخرين ونحن نشكو ضعفنا، وأصبحنا محط الأنظار عندما أبرزنا قوتنا. هذا عالم لا مكان فيه للضعفاء أو الكسالى والمتباكين، ولا قيمة للمرء إلا ما يصنعه ساعده.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة