الميدان يحاصر الأسد والغرب وإيران   
الجمعة 17/12/1433 هـ - الموافق 2/11/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:02 (مكة المكرمة)، 12:02 (غرينتش)
مهنا الحبيل

 

تدخل الثورة السورية منعطفات حسم إستراتيجية لم تمر بها منذ انطلاقتها في 15 مارس/آذار 2011, وهذه المنعطفات تؤكد في يقين متصاعد مستوى زحف الثورة كما ونوعا وأرضا على ميدان المعركة المباشر, وهي جغرافية القطر السوري وديمغرافية الثوار وأنصارهم التي أضحى تمددها واسعا ومركزيا وتنظيميا وتنسيقيا بين الحراك المدني وقيادة الجبهات من قبل ألوية وكتائب الجيش السوري الحر.

أي بمعنى مبسط وواضح يكشف أن خريطة الميدان العسكري للثورة السورية لم تتأثر بحرب المذابح التاريخية التي لم تسبق في الإنسانية المعاصرة منذ عقود, ولم تتأثر أيضا من حجم التآمر والتقاطع العميق بين محور إسرائيل والغرب ومحور إيران وفروعها الطائفية التي أضحت حاليا عارية تماما من أي مشروعية لما كان يسوق باسم محور الممانعة بعد الحملة الشرسة على حماس من هذا المحور الطائفي, ولتوضيح الصورة سنعرض لكل دلالات المشهد الإقليمي والدولي لهذا التقدم الإستراتيجي الذي يؤكد أن مشروع إسقاط النظام وانتصار الثورة هو قراءة سياسية وإستراتيجية وليست أماني أو عواطف مبعثرة.

عجز الحصار الدولي
إطلاق الثورة السورية جمعة 19 أكتوبر/تشرين الأول الماضي باسم "جمعة.. أميركا ألم يشبع حقدك من دمائنا" هو إعلان مركزي عن حقيقة تاريخية أدركها المراقبون بأن كل ضجيج واشنطن وحديثها عن وحشية نظام الأسد بما فيها حلقات الجدل بين مرشحي الرئاسة لم تكن إلا إثارة إعلامية, فيما كان القلق والفزع الإسرائيلي من الثورة السورية هو محرك المواقف العملية للغرب التي تحولت لبرنامج تنفيذي تلقي واشنطن وباريس ولندن فيه كل ثقلها للتركيز على المسار الرئيس للحسم، وهو منع تسليح الثورة السورية, وسواء كان ذلك لمنح مساحة للمحور الإيراني الروسي في المرحلة الأولى من الثورة لتصفيتها أو كان ذلك لتكثيف فرص آليات النظام لتحقيق أكبر مساحة من التدمير والقتل الوحشي لحواضن الثورة الشعبية لإنهاكها قبل حسمها ووصولها للحكم المركزي الذي يزعج الأمن القومي لإسرائيل بشدة ويثير الغرب, رغم إعلان الثورة أنها الآن في مرحلة بناء دولة حقوقية لحرية الشعب وكرامته.

رغم الحصار الدولي وتشديده على سوريا فاجأت الثورة المشهد بنوعية متقدمة من الاختراق واكتسحت قيادة توجيه الفعل الإستراتيجي في الميدان

هذا المسار أكده مجددا منذ أسابيع أمين حلف الناتو في تصريح صريح ومباشر أكد فيه رفض تسليح الجيش السوري الحر، لكن القضية لم تكن تصريحا بل كانت تهديد واشنطن للدوحة والرياض وتحذيرا شديدا لأنقرة, وإن كانت الأخيرة لم تستجب لهذا التحذير لكنها طلبت أن يتقدم الغطاء العربي بوضوح نحو تسليح الثورة السورية من خلال حدودها, ولكن التراجع العربي الكبير الذي شكا منه الأتراك واضطراب الموقف المصري بعد خطابات الرئيس مرسي التضامنية مع الثورة إثر محاصرة دبلوماسية النظام السابق المؤيدة للأسد لتوجهاته في حين تتوافق بعض مواقف رجالات في الإخوان مع هذه الدبلوماسية في قضية التسليح.

وعليه لا يجد الرئيس مساحة من الدعم في ظل حملة جديدة لإسقاطه، في حين يفرغ تضامنه من خلال تشديده على رفض التدخل العسكري الأجنبي غير الموجود إلا من طرف دعم النظام من إيران ومليشياتها المتعددة, ورغم كل هذه الدوائر من الحصار الدولي وتشديده فاجأت الثورة المشهد بنوعية متقدمة من الاختراق واكتسحت قيادة توجيه الفعل الإستراتيجي في الميدان, بمعنى أن كل جهود المعسكر الدولي وتقاطعه الإيراني باتت فاشلة في خطة محاصرة الثورة أو إنهاكها للحد المطلوب في تقديرهم.

التنسيق السعودي القطري
توافق كل مراقبي المنطقة على أن الاجتماعات المكثفة التي عقدها الأمير بندر بن سلطان رئيس المخابرات السعودية مع أمير قطر كانت تستعرض الملف السوري, هذا الاهتمام الجديد يأتي بعد أن أبان المشهد أزمة استجابة العاصمتين للغرب في قضية التسليح، ونقصد التسليح المركزي النوعي للثورة كالذي جرى من أطراف عربية لليبيا وليس التسليح الخفيف اليسير عبر شخصيات لبنانية وسيطة, هذا الانسحاب والاكتفاء بالدعم الإعلامي وبعض الإنساني والموقف السياسي الداعم للثورة بات يصب في مصالح إيران التي استفادت من انسحاب الدوحة والرياض ودخلت بكل قوتها وفروعها لدعم النظام.

والنقطة المهمة جدا للملف الأمني للخليج العربي، خاصة الرياض، أن إيران أضحت تتقدم بجرأة نحو تثوير كلي لمحطات إقليمية عديدة تستغل هذه الفترة فتعزز تحريك فروعها في العراق ولبنان في حين تبعثر المشهد عبر منظوماتها الأخرى برسائل فوضى واسعة للمنطقة لن يكون آخرها اغتيال وسام الحسن رئيس فرع المعلومات المتخصص بالشبكات الإسرائيلية والإيرانية, مع نجاح نوعي ضمنت فيه إيران دعم مطلق من دولة خليجية اقتصاديا ساندت تغطيتها المالية لدعم الأسد وتحولت إلى مواجهة غير معلنة للثورة السورية, واختراق نظام سياسي خليجي آخر عبر استقطاب جزء من الأسرة الحاكمة فيه لمساندتها بناء على حسابات صراع داخلي مع المعارضة.

هذه الرسائل لنتائج استثمار إيران لمرحلة تراجع الرياض والدوحة عن دعم الثورة أضحت تقلق بشدة العاصمتين وتركيا أيضا التي وصلتها هذه الرسائل المؤثرة عليها داخليا, والمفارقة هنا أن الثورة السورية التي ليس لديها مساحة دعم وأضحت تلتصق بشعارها -ما لنا غيرك يا الله- باتت في وضع إستراتيجي تغلبت فيه على ظروف حصارها والحرب الإيرانية عليها, غير أنها تشكو من أن النظام يتغول في دماء المدنيين وتطلب التسليح العربي لوقف هذا النزف وحسم الثورة لتأمين انتقال مستقر ومدني لدولة الثورة الجديدة.

الرسالة التي أرسلها الجيش السوري الحر للوسطاء العرب بشأن رفضه لمشروع الجيش الوطني أو أي توافق فرنسي وأميركي تضمنت تصورا واضحا لمشروع دولة مستقلة لا فوضوية

في حين باتت حسابات الرياض وكذلك الدوحة قلقة وهي التي أضحت تقرأ التهديدات الإيرانية التي تُرسل من المركز أو فرعي لبنان والعراق ومؤيديها في الخليج العربي بوعي إستراتيجي يتجاوز ضجيج الكلام , هنا بات التنسيق السعودي القطري أمام مواجهة الحقيقة , وهي أنّ تجاوبهم لتحذير واشنطن لم يكن يخدم مصالحهم وهو ما كان يعيه ويحذر منه وزير الخارجية سعود الفيصل الذي يقضي فترة نقاهة طويلة لظرفه الصحي , هذه المعادلة الأمنية الصعبة أضحت على طاولة التنسيق , والمدار الذي ستفيد منه العاصمتين وتستفيد منه الثورة , يعتمد على التعامل بوضوح وصراحة مع القيادة الشرعية التنسيقية للجيش السوري الحر , خاصة بعد فشل كل مشاريع واشنطن وباريس للتسويق لشخصيات أو مشاريع مقربة منها وهي لا تحمل إلا أرقام من الوهم على ساحة المعركة .

والرسالة التي أرسلها الجيش السوري الحر للوسطاء العرب بشأن رفضه لمشروع الجيش الوطني أو أي توافق فرنسي وأميركي على مشروع محدد خارج قوة الثوار وقيادتهم المركزية تضمنت تصورا واضحا أمام الطرف العربي والتركي بتعهد كل قيادات الثورة وأركانها بما فيها التوجه السلفي المحلي بمشروع دولة مستقلة لا فوضوية تؤمن الشعب وتهيئ لتأسيس الدولة المدنية وحماية الطوائف بالمرجعية الطبيعية التي يختارها الشعب.

وبالتالي أمام الرياض والدوحة بوابة تعامل واضحة رغم كل ما يقال عن وجود فصائل صغيرة أو مقاتلين غير سوريين فإن مشاريع التوحيد الميداني والقيادات العسكرية المشتركة لأضلاع الجيش السوري الحر تثبت قوة هذا الجسم المركزي للثورة وإمكانية تحييد أي مجموعات أو شخصيات ترفض مشروع الثورة دون حاجة للمصادمة مع غالبيتها بل بالحزم مع أفراد قليلين, وهناك شريحة واسعة من الجهاديين العرب الذين هم أقليه بسيطة جدا أمام جسم الثورة لديه قرار ذاتي بعد أداء ما يعتقده واجب النصرة ودفع الصائل بالخروج من سوريا وترك قرارها لأهلها, لكن الضجيج الموجه أمنيا هو من يصنع ارتباكات للمحيط العربي الإقليمي فيما إيران تستثمر هذه المخاوف بالضجيج الكاذب وتفعل آلة مذابحها الحقيقية تحته.

الزحف العسكري
هنا سنصل إلى دلالات الوضع القائم عسكريا ولوجستيا على ميدان المعركة والتفوق الثوري فيها, فمع هذا التنسيق والتنظيم لأركان الثورة الذي يعد وفقا لظروف تشكيلها جيدا رغم حاجتها الهامة إلى تعزيزه والخروج من أي منعطفات شخصية لقيادات الثوار, وهو جسم تشكيله وتنسيقه يتخطى ويستوعب بنماذج عملية كل الإشكالات والأخطاء التي تقع من بعض الثوار, في حين تنتظم تشكيلات الجيش السوري الحر للمعركة الكبرى في خطة منهجية واضحة لتحقيق مدار الزحف العسكري الأخير.

وقد استعاض الثوار عن حرب الحصار بتعويض التسليح الحدودي بتكثيف نوعي من داخل الميدان بعد أن شملت عمليات الجيش السوري الحر مداهمات لمخازن سلاح وذخيرة وقواعد صواريخ وتجميع رتل الدبابات التي هرب منها عناصر النظام أمام تقدم الثوار بعد تأمينها واستخدامها لأول مرة في عمليات حصار مراكز مهمة لتجمع قوات النظام, ومع بعض التحشيد للتبرع الشعبي استطاعت الثورة بتضحيات تاريخية أن تقف بقوة على ميدان المعركة وتعيد تثبيت أقدامها بل الزحف من عدة جبهات خاصة في معرة النعمان واختراقات جسر الشغور وزحف أرضي شرس في حلب ودير الزور وتثبيت أحياء دمشق نفسها التي اعتقد النظام أنه استعادها والعودة من جديد لتأمين مناطق حدودية مهمة وتعزيز محاصرة وقطع طرق الإمداد لجيش النظام في مواقع عديدة فضلا عن سلسلة إسقاط المقاتلات والمروحيات.

هذا التقدم يستطيع المراقب السياسي والإستراتيجي أن يوثقه ويؤكده لو وضع خريطة سوريا أمامه ثم سجل مواقع التقدم والعمليات النوعية للثورة السورية, ويتعزز مشروع الزحف مع شهادات متواترة عن ارتفاع الروح المعنوية للثوار ونوعية إبداعات خططهم وتصنيعهم المحلي العسكري وحسن إدارة المعركة وطنيا، بما فيها تعزيز التواصل مع الطوائف وإطلاق بعض العناصر غير المتورطة في مذابح لتقديم أدلة متعددة لوطنية الثورة ومسؤولياتها أمام أبناء الشعب.

تورط حزب الله وصفقات المالكي لتسليح النظام السوري وحركة الطيران المدني التي تحمل يوميا السلاح للنظام, تكشف عن مرحلة الفزع لدى طهران

وفي تقرير خاص للثورة السورية يبين حجم الاندفاع الإيراني لإنقاذ النظام من وضعه العسكري قدر القادة الميدانيون عدد قتلى حزب إيران اللبناني بـ 75 قتيلا في معارك قرب الحدود اللبنانية، ولم يكن اعتراف الحزب بسقوط قياديه أبي العباس إلا اضطرارا بعد أن وثق الثوار سقوطه في حمص، محاولة من الحزب لإخفاء توغله في المشاركة الميدانية العسكرية لعناصره بحرب الشعب السوري.

ومن المهم هنا أن نرصد تورط الحزب وصفقات المالكي للتسلح التي ستمرر للنظام السوري وحركة الطيران المدني التي تحمل يوميا السلاح للنظام, لنقف على مرحلة الفزع لدى طهران التي وكما قال أحد السياسيين اللبنانيين: بات خامنئي يقاتل في سوريا مباشرة لكن يبقي صورة الأسد المنهار ليختبئ وراءه.

هنا نحن أمام إحصاءات مذهلة لتقدم الثورة لا يجوز أن يغمرها العصف العاطفي المتفهم لجرائم الحرب للنظام وإيران ضد المدنيين, لأن الطريق الوحيد لإنقاذ الشعب وإقامة دولة الحرية وتأمين المصالح القومية والاستقرار العربي يأتي من طريق واحد فقط وهو انتصار الجيش السوري الحر, وأقصر الطرق لذلك وأقلها تكلفة بعد نصر الله السلاح النوعي وليدرك العرب لهم ولسوريا الفلاح .. كلمة واحدة.. حي على السلاح.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة