صفقة القطبين وتداعيات الحالة الطائفية للخليج   
الثلاثاء 1430/5/4 هـ - الموافق 28/4/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:12 (مكة المكرمة)، 13:12 (غرينتش)
مهنا الحبيل


تطور سياسي ينعكس في الشارع
تاريخ العلاقة وحسابات واشنطن
مصالح طهران في إدارة الملف
ماذا عن تيار الخليج؟
هوية الإقليم ليست طائفية

بدأت انعكاسات الحالة التوافقية لحكومة أوباما مع طهران مبكرا منذ أواخر العهد الأميركي السابق الذي استشعر ضرورة تغيير قواعد اللعبة مع الجمهورية الإيرانية بعد هزائمه في العراق وأفغانستان وإيمان القطب الأميركي بضرورات تقاطع جديدة مع طهران في العراق وأفغانستان.

وأكد ذلك الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني في خطابه في مؤتمر الوحدة الإسلامية في مارس/ آذار الماضي، وظهر التداعي على الخليج منذ ذلك الحين أي أواخر عهد الرئيس بوش وذلك من خلال الجلسة التي نظمت في الكونغرس الأميركي لوفد جمعية الوفاق البحرينية لعرض موضوع أوضاع الطائفة الشيعية في البحرين الأربعاء 12 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي التي سبق أن أعلنت كتلة جمعية الوفاق الإسلامية بالبحرين عنها والتقت فيها بالكونغرس كوفد رسمي يمثل الكتلة البرلمانية والحركة الفكرية ببعدها الطائفي, باعتبار أن الموضوع المعلن هو الطلب من الولايات المتحدة تبني ملف التمييز بالبحرين ودخول واشنطن راعيا رسميا لهذه القضية.

وهو ما أكده النائب الوفاقي خليل مرزوق في معرض رده على المعترضين مؤكدا على الشخصية الاعتبارية في التفاوض وعرض المساعدة من الأميركيين وإجابته بأن هذا حق للترويج لقضيتهم كما هو وضع الحكومة البحرينية.

تطور سياسي ينعكس في الشارع
"
من غير المنطقي أن تفصل الحالة السياسية والتحشيد الطائفي عن تطلعات إيران الكبيرة للمشروع الإقليمي خاصة مع هذه الملاصقة والمتابعة الشديدة والتدخل الشامل إعلاميا لكل ما يجري بناء على أن الشرعية الطائفية مقدمة على كل الروابط الأخرى
 "
ثم أخذت الأمور في تصاعد اضطرادي على أوضاع المنطقة بالتصعيد الكبير للاحتجاجات وأعمال العنف في الشارع البحريني إثر اعتقال الشخصية الأبرز والأكثر التصاقا بالمشروع الإقليمي للجمهورية الإيرانية وهو حسن مشيمع قائد حركة حق, وفي تزامن أعقبه اشتعلت مواجهات القطيف من العوامية بعد أن صعدت طائفيا وبقنوات إيرانية عدة كالعالم والكوثر والمنار وقنوات عراقية طائفية أسست بعد الاحتلال.

ومن غير المنطقي أن تفصل هذه الحالة السياسية والتحشيد الطائفي عن تطلعات إيران الكبيرة للمشروع الإقليمي خاصة مع هذه الملاصقة والمتابعة الشديدة والتدخل الشامل إعلاميا لكل ما يجري بناء على اعتبارهم أن الشرعية الطائفية مقدمة على كل الروابط الوطنية والقومية الأخرى.

وهذا لا يعني أن كل المشاركين ولا حتى جميع قياداتهم متورطون في هذه العلاقة الطردية مباشرة، لكن الأزمة تكمن في استخدام طهران لبرنامج شامل وعميق من التداخلات تجعلها طرفا مؤثرا على الساحة الوطنية لأقطار الخليج دفعا إعلاميا أو تحفيزا سياسيا.

وليس ذلك أيضا يلغي بعض الأزمات الحقوقية التي تسببت بهذا التأزيم والشحن الطائفي, لكن حجم الخطاب وسياقاته الخطيرة خاصة بعد إعلان المعارضة الطائفية في لندن وواشنطن أن مشروع الانفصال أصبح بالفعل برنامج عمل مصرحا به سياسيا، وأخطأ الطرف الداخلي في التجاوب مع هذه النغمة الخطيرة التي تهدد بالفعل السلم الأهلي وتحقن المجتمع في وقت حساس للغاية رغم الحسابات الخاطئة لهذه الأطراف التي سنعود لها في ختام المقال أملا بأن يفهم الجميع دون استثناء خطورة هذا التصعيد لكرة النار وعلاقتها بالسلم الأهلي.

تاريخ العلاقة وحسابات واشنطن
وعلاقة واشنطن بالتنظيمات الحركية الشيعية في الخليج وملفها لم تبدأ أوراقه في هذا التاريخ ولكنه قديم بدأ عند وصول القوات الأميركية إلى المنطقة في حرب الخليج الثانية بعيد الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس/ آب 1990 واستعداداتها للهجوم على العراق, وبدأ ممثلو واشنطن عن طريق شخصيات عديدة تنتمي إلى سفارات الولايات المتحدة بالمنطقة أو من خارج هذا الإطار الدبلوماسي الاتصال بهذا التنظيم من خلال الصفة الشخصية.

وهي قضية أخذت أبعادا محددة فيما بعد وانتقلت إلى الخارج كاستضافة شخصيات وتأسيس مؤسسات لنفس الفصيل الفكري تقيم بصورة دائمة في الولايات المتحدة ونستطيع أن نذكر مثالا لذلك بالسيد علي الأحمد مدير معهد الخليج للدراسات, واللقاءات والمؤتمرات المشتركة التي عقدها مع شخصيات دبلوماسية أميركية بشأن مستقبل إقليم الإحساء بشرق المملكة أو أوضاع الطائفة فيه.

وليس من الواضح حاليا العلاقة المباشرة لأحداث القطيف وزيارة وفد جمعية الوفاق بالمشروع الذي ابتدأه حسن مشيمع أحد القادة الثوريين للحركة الطائفية الذي يتنقل بين طهران ولندن والبحرين, والذي يطالب فيه بوضع البحرين تحت الوصاية الدولية لمجلس الأمن وإعادة إجراء الاستفتاء القديم على هوية البحرين بين الانتماء العربي والتبعية الإيرانية, ولكن من الطبيعي أن تتداخل هذه التطورات مع سياقاتها في الإستراتيجية السياسية لخلق أجواء برنامج العمل للملفات المطروحة بين القطبين ولكنها تبقى بكل تأكيد في إطار غير معلن.

وهذا التقاطع والتبني من قبل الولايات المتحدة لهذا الملف لا يعني أنّها في حالة مواجهة مع دول الخليج المعنية فالعلاقات بين واشنطن وحكومات المنطقة تتجاوز كثيرا مثل هذه القضايا خاصة مع تسليم الطرف الخليجي كليا لواشنطن كالمعتاد, وبأن الأمر قد يكون ضمن إدارة الولايات المتحدة للعبة الصراع مع الجمهورية الإيرانية توافقا أو تهدئة أو مواجهة.

"
التقاطع والتبني من الولايات المتحدة لملف الطائفية لا يعني أنها في حالة مواجهة مع دول الخليج المعنية, فالعلاقات بين واشنطن وحكومات المنطقة تتجاوز كثيرا مثل هذه القضايا خاصة مع تسليم الطرف الخليجي كليا لواشنطن بما تريد
"
لكن التوقيت يأخذ بعدا حساسا للغاية فالولايات المتحدة تعاني من تصدع على ثلاث جبهات الأولى تضعضعها في الحروب العسكرية التي تخوضها ضد المناطق المحتلة, والثاني انعكاسات الانهيار المالي على استقرارها السياسي وقدراتها الذاتية, والثالث صعود قوى منافسة تزاحمها على الهيمنة القطبية,
ومع كل ذلك إلا أن الأمر يفهم باعتبار أنّ واشنطن قد قررت منذ مدة اعتماد التبني والتواصل مع هذه الجماعات الطائفية في برنامجها الإستراتيجي.

وقد يعترض على هذا التحليل بأن واشنطن قد خسرت لمصلحة إيران في هذا الخيار, لكن هذا الاستنتاج يتعقب بأن أدوار الصراع والتقاطع لا تزال قائمة في بؤرة هذا الملف المتداخل في العراق أو في أطرافه في الخليج.

في كل الأحوال فإن واشنطن بحاجة ماسة هذه الفترة إلى اختبار علاقاتها مع أطراف هذا التنظيم وإعادة تقييم موقفها منه, أما دموع الإنسانية التي تدرها واشنطن حسب المصلحة فهي وبكل تأكيد ليست ذات شان هنا, وإن كانت قضية التمييز وتغطيته طائفيا قضية حيوية للغاية لتحركات واشنطن في المنطقة.

مصالح طهران في إدارة الملف
ولا بد لنا من تأمل عميق لحسابات الجمهورية الإيرانية في لحظة تاريخية لديها, تجمع بين طموح الحصاد الأكبر للغزو الأميركي للعراق وما أسفر عنه من تصدع انتهى لبروز مصالح إستراتيجية لها في الخليج, وبين حالة قلق من تحول هذا الوضع إلى ارتباك شامل قد يخلط أوراق الإيرانيين في حال استعادة المقاومة العراقية المبادرة بالفعل, في تزامن مع اضطراب الموقف من اتفاقية الانتداب الأمنية لواشنطن مع حكومة المالكي والتي صدق عليها مؤخرا في موافقة وغض طرف ضمني من طهران.

ومن المؤكد أن قرارا بهذا الحجم لا يمكن أن تقدم عليه شخصيات التيار دون موافقة واضحة من طهران, ولكن هذا لا يجب أن ينسحب على زملائهم في الداخل أو تعرض أبناء الطائفة لأي تجاوزات حقوقية تمس شخصيتهم الاعتبارية والإنسانية بناء على تحميلهم مسؤولية مشروع الخارج, وعليه فإن موافقة الإيرانيين كما هي, تدرك ضمنيا في تحركات الشخصيات الطائفية المنتمية لخطها الفكري في واشنطن ومجموعة المملكة المتحدة وهي قائمة في هذه الحالة.

ورِهان واشنطن على اختطاف زمام التوجيه بحسب المصالح من الجمهورية الإيرانية لهذه الفصائل وهو ما عملت عليه بكثافة في العراق يختلف في أبعاده, فالذي يبدو واضحا حتى الآن أن حالة التأثر والاختراق الطائفي للعراق تراجع في بعض المناطق بعد عودة النظام الاجتماعي المتجذر في عروبته, وتحولت إلى مواجهة مع المشروع الإيراني كما هو الحال في توجهات الشيخ اليعقوبي وحزب الفضيلة المعارض لنفوذ الإيرانيين, غير أن البناء الحركي الخاص للجمهورية الإيرانية الذي تجسد في حزب الدعوة والمجلس الأعلى للحكيم كان منصهرا كليا مع الموقف الإيراني.

ماذا عن تيار الخليج؟
الإشكالية في الخليج أن هذا البعد الاجتماعي الوحدوي مع التراب والإنسان والشريك التاريخي العربي قد أنهك للغاية, بل واستأصل في بعض الحالات ولا يوجد له مجال للمقارنة مع حالة العراق العميق قوميا وإنسانيا في أرض السواد, ونحن هنا نعيد التأكيد على ما نذكره دائما في أن القضية هي من خلال التوظيف السياسي للتنظيمات الحركية تحت غطاء الزخم الطائفي, وليست مسألة موجهة أو تبعية أصلية لأبناء الطائفة الشيعية في العراق والخليج.

وعليه فان انحسار المكون الثقافي والاجتماعي في الهياكل الحركية ونجاح طهران في سلخها كليا إلى الولاء للمشروع الإستراتيجي القومي للجمهورية الإيرانية يعزز أن مستقبل هذه المفاوضات على الأقل في المرحلة الحالية خاضع لمفهوم الجمهورية الإيرانية، وهي قضية المطالبة الإيرانية بتبعية البحرين التي ركزت عليها بعض الشخصيات الإيرانية المهمة, وهو سياق مهم وان لم يذكر وأبقي تحت ضجيج التمييز الطائفي, إلاّ أنه وبكل تأكيد مرحلة مهمة تضمن فيها الجمهورية الإيرانية تقدم وضعها الإستراتيجي بخطاب وحراك بالوكالة عنه.

ولعله من المناسب أن نتساءل عن سبب زيادة التحريض الطائفي وتعزيز ثقافة الكراهية العنيفة في بعض المآتم بل وتطويرها, وهو ما سبق أن سجلناه عن المأتم الجديدة وذكراها السنوية بعنوان استعادة هيكل البقيع للأئمة وظهر تأثيره الخطير في أحداث البقيع المؤسفة, ولا أدري في أي سياق عاقل ممكن أن يبرر مثل هذا المفهوم الخطير الذي صدر سابقا في تعميم سري لمجلس الحكيم الأعلى ثم يظهر لنا فجأة في الخليج, وهذه الحالات التصعيدية تنتهجها شخصيات ومؤسسات محسوبة على هذا التنظيم ثم تَرفع في الجهة الأخرى قميص يوسف للوحدة بعد أن تمزق بيديهم شذر مذر.

والحقيقة أن الانتقال إلى ما وراء الصورة واستعراض حركة التمدد للجمهورية الإيرانية يعطينا نتيجة واحدة في حجم ما تشكله هذه اللغة التحريضية في المآتم من ضرورات تسعى فيها الجمهورية الإيرانية إلى تعزيز ربط الجموع من ضحايا خطاب الكراهية لبرنامجها, وهي خطوة استباقية تحاول وأد أي لغة تفاهم بين أبناء المجتمع المدني, فلو استقرت فيه العواطف استطاع الناس أن يقرروا مصالحهم وملتقياتهم المشتركة فضلا عن مصيرهم الواحد بعيدا عن خطاب التحريض, ولذا يسعى وكلاء الجمهورية الإيرانية إلى تأجيج المشاعر إعلاميا لإرباك حالة الهدوء الذهني الذي يدفع للوحدة الحقيقية وبالتالي تفقد طهران ذراعا رئيسا لتمرير مشروعها.

"
آمل صادقا وداعيا للإخوة في الخليج أن يدركوا خطورة المرحلة وأن الحسابات التي تدفع بها شخصيات من الخارج ستثبت الأيام أنها خاطئة ويعنينا للغاية ألا تتأزم الحالة الطائفية وأن يبقى عهد الشراكة الوطنية قائما
"
ومع التجربة القاسية لبعض من حاول أن يستقل عن قرار الجمهورية الإيرانية في العراق من أتباعها السابقين, إلاّ أن المراجعة النهائية ليست واضحة في الخليج وإن بدا هناك جدل عميق وحوارات تتحدث عن المصير الذي وصل به التنظيم إلى الوضع الراهن, في كل الأحوال لن تكون هذه التقاطعات قط في قدرة التنظيم لإدارة مشروعه الذاتي وتحقيق متطلبات جمهوره في الخليج, بل إن دفع الجمهورية الإيرانية له على طاولة واشنطن سيدخله في حالة تورط كبرى قد لا يجد قدرة للتصحيح حين يكتشف كليا أنه مشروع جسر أنهاه أحد الطرفين بعد انتهاء مهمته.

إنني آمل صادقا وداعيا للإخوة في الخليج أن يدركوا خطورة المرحلة وأن الحسابات التي تدفع بها شخصيات من الخارج ستثبت الأيام أنها خاطئة ويعنينا للغاية ألا تتأزم الحالة الطائفية وأن يبقى عهد الشراكة الوطنية قائما.

هوية الإقليم ليست طائفية
المنطقة المستهدفة في دعوات الانفصال الأخيرة ليست ذات هوية شيعية والوجود السني قديم وعريق بادية وحاضرة والقرار الفاصل في كل المحطات السياسية التاريخية التي مرت بالإحساء كان من الشخصيات السنية وصولا إلى قرار الانضمام للوحدة السعودية عن طريق المفتي وحركة ديسمبر 1912م بعد تحرك الإنجليز نحو الإقليم وهذا موثق تاريخيا.

ومع كل الدعايات التي استخدمها حمزة الحسن وزميله في واشنطن وأصدقائهم في الكونغرس الأميركي والنظام السياسي الإيراني، فالحقيقة قائمة وحجم التوحد السني داخل الإحساء من جبيل البوعينين إلى سلوى حدود قطر وخارج الإحساء مع المناطق السعودية ذات الامتداد للعمق القومي العربي أصبح في قمة الوعي لهذه المخططات على المستوى الأهلي والثقافي.

ورفضنا الدائم للإحصاءات الطائفية إنما هو من باب الحرص على الوحدة والشركة لأبناء الإقليم ضمن إطارهم الوحدوي للدولة قضية قومية وإسلامية وإلا فالأزمات تخرج قراءات أخرى وحسابات قد تصدم كل التوقعات.

وعليه المرجو والمؤمل هو تجسيد هذه الشراكة والاحتواء للأزمات الطائفية على قاعدة الانتماء الوطني والمصالح العُليا لطوائف أهل القبلة والجوامع بينهما أقوى وأكبر، وهي بكل تأكيد الأسلم والأبقى لمصالح الشعب المتفق على ضرورات الإصلاح الشامل وليس الطائفي وأحقيتها الفورية، ولكن ليس من خلال القنابل الطائفية وتشظية المجتمع والجغرافيا في لحظات صعبة لن يتردد المحرض فيها عن الانسحاب وترك الكرة تحرق المجتمع الداخلي الآمن, لعل الجميع يفهم الرسالة قبل الكارثة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة