التحولات في خطاب تنظيم القاعدة.. مقاربة للفهم والتفسير   
الاثنين 1426/2/18 هـ - الموافق 28/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:58 (مكة المكرمة)، 13:58 (غرينتش)

 

كمال حبيب

 

تحليل الخطاب بالنسبة لتنظيم القاعدة هو أمر مختلف تماماً عن تحليل الخطاب بالنسبة لأي ظاهرة اجتماعية أو سياسية أخرى، ذلك لأن الخطاب في حالة القاعدة هو الجزء الذي يظهر لنا من هذا الكيان الأسطوري المجهول الذي لا نعلم عنه شيئاً يمكن التأكد منه، بينما الخطاب في الظواهر الأخرى هو الجزء الذي يفصح ويفسر ويشرح لنا ظاهرة معلومة عندنا ومعروفة لنا.

 

"
المتابع لخطاب القاعدة في الفترة الأخيرة يلحظ تحولا لا تخطئه العين، فالظواهري يتحدث عن الحرية والإصلاح والديمقراطية في العالم الإسلامي، وعن العلاقة مع العالم الغربي بلغة مختلفة وجديدة
"
ويمكن ألا يكون الخطاب في هذه الحالة هو الوسيلة المثلى للفهم، بل ربما تكون الممارسات هي الأجدى، وربما يكون خطاب الصف الثاني من الفاعلين أو صناع القرار هو الأفضل، حيث إننا أحيانا نكون أمام خطابات متعددة.

 

ما أريد تأكيده هنا هو أن الخطاب في حالة تنظيم القاعدة له قيمة مركزية كبرى، وربما يكون هو الوسيلة المتاحة لدينا للفهم والتفسير، بيد أن الخطاب يظل كاشفاً وهاماً بالنسبة للحركات الاجتماعية أكثر من كونه كذلك بالنسبة للنظم السياسية الحاكمة، وهو في حالة الحركات الاجتماعية الإحيائية ذات الطابع الإسلامي يكون أكثر أهمية وكشفا، وفي حالة الحركات الاجتماعية الإحيائية ذات الطابع الجهادي يبلغ المنتهى والذروة في التعبير عن الظاهرة حتى يكاد يتماهى معها، فالحركة هي الخطاب والخطاب هو الحركة وجهان لنفس الظاهرة.

 

والمتابع لخطاب القاعدة في الفترة الأخيرة يلحظ تحولا لا تخطئه العين، فالظواهري يتحدث عن الحرية وعن الإصلاح والديمقراطية وتغيير مناهج التعليم في العالم الإسلامي، وعن العلاقة مع العالم الغربي بلغة مختلفة وجديدة، ولن نبالغ إذا قلنا إنها حديثة.

 

ويبدو لنا أن تنظيم القاعدة لاحظ أن معركته مع أميركا والغرب ليست عسكرية فقط، ولكنها أيضا شاملة، البعد الثقافي والاجتماعي فيها هو الأخطر والأهم، ولذا خف حديثه عن المواجهة العسكرية والمنازلة الاقتصادية المتصلة بخسائر الأميركان، وبدأ يركز على المواجهة الثقافية والاجتماعية. بيد أن اللافت للنظر هو استخدام مفاهيم مثل الحرية في الخطاب مع العالم الغربي، ومفهوم مثل المعاملة على أساس الاحترام، والحديث عن حاكمية الشريعة، وتحرير الأوطان وتحرير الإنسان، وحقه في اختيار حكامه ومن يمثلونه.

 

فالظواهري لم يستخدم اللغة التقليدية للفقهاء المسلمين الذي اعتاد التنظيم نفسه أن يستخدمها من قبل، مثل تقسيم العالم إلى دارين أو فسطاطين كما عبر بن لادن في بواكير المواجهة مع أميركا عقب أحداث 11سبتمبر/ أيلول، لكنه استخدم مفهوم المعاملة على أساس الاحترام وعدم العدوان، أي أن التنظيم بدأ يدرك طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة، وأن الجهاد بالمفهوم الذي عبر عنه الفقه الإسلامي التقليدي -خاصة بن تيمية فيما أطلق عليه جهاد الطلب أي إمكان ضرب العدو في بلده- لم يعد ممكنا ولا مقبولاً اليوم في ظل حالة الاستضعاف والمحاصرة التي يعيشها العالم الإسلامي.

 

"
من الواضح أن التنظيم بعد أربع سنوات مع الحرب الشاملة، والتهديد والوعيد بالضرب في المناطق الحساسة لخصمه الرئيسي أميركا والمتحالفين معه، بدأ يدرك أن
الحرب هي السياسة بوسائل أخرى
"

ومن ثم فالظواهري استند إلى معيار مختلف وجديد في خروجه على منطق الفقه الإسلامي التقليدي وحتى المعاصر، هذا المعيار هو التعامل باحترام وعدم عدوان، فالفقهاء تكلموا عن الحرب والسلام والدعوة والاستضعاف والاستكبار ون الصراع، لكن معيار المعاملة باحترام لا تنطبق عليه المعايير الفقهية حيث إنه وصف غير منضبط، وهو ما يجعلنا نميل إلى أن تنظيم القاعدة يطرح آراء أولية لا تزال في طور التخلق والتكوين  تختلف عن النسق الفكري للتنظيم والذي استلهم الفقه التقليدي في تأسيس تصور علاقته بالعالم.

 

ومن الواضح  أن التنظيم بعد أربع سنوات مع الحرب الشاملة، والتهديد والوعيد بالضرب في المناطق الحساسة لخصمه الرئيسي أميركا والمتحالفين معه من أوروبا، بدأ يدرك أن الحرب في التحليل النهائي لها مقاصد سياسية، وهو المعني الكلاوزفيتسي للحرب "نسبة إلي الإستراتيجي الألماني كلاوزفيتس" الذي قال "الحرب هي السياسة بوسائل أخرى".

 

ويبدو أن الوجه السياسي للحرب والذي بدا أن أميركا تحققه من خلال دعم مطالب التغيير في العالم العربي وفرض أجندة إصلاح سياسية وثقافية وفق منظورها، نبه التنظيم إلي ضرورة منازلة أميركا في ميدان النتائج السياسية للحرب وهي تغيير العالم العربي والتواصل مع شعوبه مباشرة.

  

ومن هنا كان الخطاب الجديد عن العلاقة مع الشعوب والأوطان وحديث الظواهري عن الإصلاح في التصور القاعدي "نسبة إلي القاعدة" وحديثه عن حرية الأوطان وحرية الإنسان، وحديثه عن الإصلاح بالمعني الأميركي والحرية بالمفهوم الأميركي، والتي هي حرية سافلة وإصلاح لا يأتي بخير.

 

لم يكن متصوراً أن يتحدث تنظيم القاعدة عن الحرية، فهي قيمة مهمة في الإسلام ولكن القيمة المركزية في الحضارة الإسلامية هي العدل، ولا تفهم قيمة الحرية إلا في سياق قيمة العدالة وكذلك المساواة لا تفهم إلا في سياق قيمة العدالة أيضاً، لكن الحرية هي القيمة المركزية في الحضارة الغربية.

 

كما أن فكرة الإصلاح ارتبطت علي الأقل في خبرة الظاهرة الإحيائية بالتعبير عن التكيف مع الفيضان الغربي على العالم الإسلامي مطلع القرن الماضي، خاصة مع الشيخ محمد عبده، ورشيد رضا، وجمال الدين الأفغاني، ومن ثم فالإصلاحية الإسلامية هي مدرسة مختلفة عن تلك التي يمثلها بن لادن والظواهري وتنظيم القاعدة بكل تشعباته وشبكاته وأجياله.

 
"
يقترح الظواهري في آخر خطاب له أن تكون المقاومة بالدعوة والتوعية، والتحريض والتنظيم، والتشاور وجمع الصفوف انتهاء بحمل السلاح
"

فنحن نعلم أن المدرسة الإحيائية التي عبرت عنها المدرسة الجهادية –السلفية التي ينتمي إليها تنظيم القاعدة- تستخدم تعبيرات مثل الرفض والثورة والكفر والإيمان والردة والخروج، لكننا لم نعرف أنها تستخدم تعبير الإصلاح وتعبير الحرية، والأمر جديد فعلا ويمثل تحولاً في تقديرنا، لكن لا يمكننا القطع بمدي اعتبار ذلك التحول في الخطاب مؤشراً على التغير في سلوك التنظيم وممارساته.

 

لكن المؤكد أن تنظيم القاعدة بدأ يدرك أن المعركة مع الصليبيين -علي حد تعبيره-  هي أكبر وأوسع من أن تقوم بها طليعة  يمثلها المشاركون في التنظيم، ولذا بدأ الظواهري في خطابه قبل الأخير يوم 10 فبراير/شباط 2005 والذي جاء بعنوان "تحرير الإنسان والأوطان تحت راية القرآن" بالحديث عن معركة الأمة كلها، والتي يجب أن تقاوم بعد أن سد أمامها الصليبيون واليهود وأعوانهم طرق التغيير السلمية.

 

ويقترح الظواهري في هذا الخطاب أن تكون المقاومة بالدعوة والتوعية، والتحريض والتنظيم، والتشاور وجمع الصفوف انتهاء بحمل السلاح.

 

وفي المعركة الكبرى -كما يصفها- هناك أدوار للعلماء والدعاة والمثقفين والضباط والمدرسين والشباب ومشايخ القبائل، أي أنه هنا استخدم تعبير المقاومة وهو تعبير أوسع من الممارسة القتالية لكنه لا ينفيها ولا يصادر عليها حين يكون لها مقصدها ومكانها الخادم لأهدافها.

  

وفي خطابه يتحدث عن الشعوب ودورها في المقاومة، ونلاحظ على خطاب التنظيم أنه بدأ يدرك التمييز بين العقدي "نسبة إلى العقيدة" والسياسي، ففي العقدي تكلم عن حاكمية الشريعة، وفي السياسي تكلم عن المقاومة والإصلاح والحرية، وهي قضايا كما أوضحنا فيها جدة، وطرحها فيه جسارة وخروج على معهود خطاب التنظيم.

 
"
عرض بن لادن هدنة ثلاثة أشهر على الجيران شمال البحر المتوسط،  وحديثه عن لجنة لتوعية الشعوب الأوروبية بقضايا العرب والمسلمين كلها أمور تدل على أن وعيا جديدا تشكل لدى جيل الشيوخ من تنظيم القاعدة
"

لذا فقد جاءت هذه القضايا من الرجل الثاني في القاعدة وهو أيمن الظواهري، والمفترض أنها تبتعد في تقديرنا عن الخطاب الطائفي الذي يتلاعب بالتقسيمات العرقية والطائفية بين أبناء الأمة الواحدة أو الوطن الواحد ويسعى إلى تفجيرها، وهو خطاب سيطر على العقل السلفي الجهادي في كل مراحله، وكان أداة تفجير في مجتمعات كثيرة حتى داخل الظاهرة الإسلامية ذاتها، ولنتذكر حالة الجزائر مثلاً.

 

وفي خطاب  أسامة بن لادن يوم 15 ديسمبر/ كانون الأول 2004 والذي جاء تحت عنوان "رسالة الشيخ أسامة بن لادن إلى المسلمين في بلاد الحرمين خاصة وإلى المسلمين في غيرها عامة" -وهو الخطاب الأخير له- بدا وكأنه يتحول عن الخطاب العام للقاعدة إلى الخطاب التقليدي لتنظيم الجهاد والذي يركز فيه على التأصيل للخروج على الحكام لكونهم منابذين للعقود التي أبرموها مع شعوبهم.

 

فشرعية التنظيم وخطابه قاما علي أساس المدافعة عن حقوق الأمة في مواجهة العدو الأميركي والصهيوني، ويبدو أنه لم يعد من الممكن للتنظيم تجاهل الأوضاع الداخلية للنظم العربية، خاصة مع اشتباك بعض أنصاره مع حكومات هذه الدول كما في السعودية على وجه الخصوص، وهي الدولة التي خصها بن لادن في خطابه بالحديث.

 

لكن الجديد في خطاب "بن لادن" هو حديثه عن تحرك الشعوب، وقوله إنها إذا تحركت  فلن توقفها الأجهزة الأمنية، وإن كان تحدث عن طليعة تنازل نظام، فالظواهري تحدث عن أمة بكاملها في معركة كبري مع العدو الأميركي والصهيوني والنظم الحاكمة.

 

إننا نعيش عصر اكتشاف الشعوب في العالم العربي والإسلامي، أو الأمة بتعبير الظواهري، ويتحدث العالم عن أشواق الأمة العربية والإسلامية للحرية والتخلص من ربقة الاستبداد، فعصر النظم المستبدة قد انتهي وولى، وبدأت مؤشرات على الخروج الجماهيري للشارع كما في لبنان ومصر وتونس والسعودية والمغرب والبحرين.

 

ومن هنا كان وعي تنظيم القاعدة بإعطاء الجماهير والأمة الإسلامية حقها في خطابه، حيث تحدث بن لادن عن تشاوشيسكو في رومانيا، والشاه في إيران، وتحرك الأمور في بلاد الحرمين نحو الانفجار كما جاء في خطابه المشار إليه، وضرورة التنازل سلما عن السلطة.

 

"
هل يشهد العالم الإسلامي تحولاً في توجهات أنصار شبكة القاعدة داخل مجتمعاتهم لينخرطوا مع شعوبهم في عمليات تغيير سلمية بعيدا
عن علميات التفجيرات والمواجهات العنفية
"

وعرض بن لادن هدنة ثلاثة أشهر على الجيران شمال البحر المتوسط تقديراً لدور الشعوب الأوروبية في رفضها للسلوك الأميركي والصهيوني، ورغبتها في الصلح مع العالم الإسلامي، وحديثه عن لجنة لتوعية الشعوب الأوروبية بقضايا العرب والمسلمين خاصة القضية الفلسطينية، كلها أمور تدل على أن وعيا جديدا تشكل لدى جيل الشيوخ من تنظيم القاعدة.

 

هذا الوعي الجديد يتمثل في إدراك هؤلاء أن العلاقات بين الدول ليست فقط علاقات حرب، ولكنها تتسع لتشمل تنويعات يمكن أن تعبر عنها الدبلوماسية الشعبية.

 

كما أن أمر تغيير النظام الكوني لا يكون فقط بالحرب أيضاَ ولكن هناك الدعوة، وفي ظل انهيار العلاقة بين الداخل والخارج فإن المعركة بين العالم الإسلامي والغرب ليست فقط عسكرية ولكنها ممتدة على الجانب الثقافي والاجتماعي، وساحتها ليست خطوط المواجهة العسكرية وإنما مجالها أوسع في قلب المجتمعات ذاتها، حيث لابد من إشراك الجماهير والشعوب فيها.

 

وأيضا فإن التغيير الداخلي لا يكون بالقوة العسكرية وإنما يمكن أن تكون هناك أشكال أخرى من التغيير السلمي الذي تتكاتف فيه كل القوى الحية للأمة.

 

فهل يشهد العالم الإسلامي تحولاً في توجهات أنصار شبكة القاعدة داخل مجتمعاتهم لينخرطوا مع شعوبهم في عمليات تغيير سلمية واسعة منتظمة، بعيدا عن علميات التفجيرات والمواجهات العنفية الداخلية؟

 

لاشك أن التحول في خطاب القاعدة يكشف عن وعي جديد لدى شيوخ التنظيم، وهذا التحول الذي لا يزال في مرحلة البدايات، لو قدر له التكامل دون ضغوط فإنه قد يكون إضافة هامة نحو التحول الإحيائي الجهادي، على الأقل في البلدان الإسلامية في الداخل، ليصبح عنصراً للحفاظ على الداخل من هجمات الخارج عن طريق الإصلاح والانخراط فيه، وفق المفهوم الإسلامي وليس وفق المفهوم الأميركي، بحيث يكون الصراع بمعناه الواسع  حضاريا، سواء أكان في الداخل ضد النظم المستبدة، أم في الخارج ضد الهجمات على ثوابت الأمة وعقيدتها ومناهجها أو على حدودها واستقلالها وسيادتها.



ـــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة