حق لا يسقط بالتقادم ولا يلغيه تجبر ظالم   
الأحد 1436/7/22 هـ - الموافق 10/5/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:06 (مكة المكرمة)، 12:06 (غرينتش)
علي بدوان


حق العودة
حق غير قابل للتصرف
قوة في مواجهة أخرى
حق لا يسقط

على جدران مخيم اليرموك الواقفة وعلى حيطانه المدمرة كتب ويكتب اللاجئون الفلسطينيون في سوريا وعموم المنافي والشتات أحلامهم الوطنية المشروعة مع إطلالة مايو/أيار 2015، حيث تحل ذكرى نكبة فلسطين، ففلسطينيو اليرموك -ومن قلب محنتهم- ما زالوا السباقين لإحياء ذكرى النكبة شحذا للهمم، وتأكيدا على التمسك بحق العودة الى أرض الآباء والأجداد في فلسطين.

فلسطينيو سوريا واليرموك كتبوا ويكتبون الآن بخربشات أقلام أطفالهم وفتيانهم أهدافهم الوطنية العادلة، رسموا ويرسمون بالصور الجدارية صورة حيفا ويافا واللد وعكا وبيسان والرملة وصفد وطبريا والناصرة وأم الفحم.. في شريط مونولوجي يلخص حقيبة المعنى والتاريخ في سيرة وقصة النكبة.

إنه تاريخ تحت الركام، ومن بين أزقة وحواري المخيم التي ما زالت قائمة وصامدة، لكنه تاريخ يخرج نبته الأخضر اليانع من بين الحجارة والردم والحواري لشعب ما زال يمسك بناصية حقوقه الوطنية في مواجهة مساعي "التمويت" التي يريدها من يعمل على إجهاض حق العودة، وتدمير الرواية الوطنية، رواية النكبة، من ألفها إلى يائها.

حق العودة
في مخيم اليرموك تنبعث مجددا صورة الوطن السرمدي الذي ما زال حيا ونابضا في أفئدة الملايين من لاجئي فلسطين في كل مكان، وفي أفئدة أجياله المتعاقبة التي برهنت ومن قلب المآسي والمحن على تمسكها بفلسطين وطنا أبديا للشعب الفلسطيني على الرغم من هول الفواجع والمصائب التي ما زالت تنهال على فلسطينيي الشتات، وفي القلب منهم فلسطينيو سوريا ومخيم اليرموك على وجه الخصوص، مخيم الشهداء، مخيم آلاف الجرحى والمعطوبين، مخيم الكرامة والوطنية الفلسطينية.

تحل الذكرى الأليمة لنكبة فلسطين والشعب الفلسطيني داخل فلسطين وعموم مناطق الشتات يعيش الذكرى بجراحه المكلومة، يعتصر فيها مدى الشوق لأرض الوطن، والهوية، والتوق للحرية، مواصلا نضاله وكفاحه المشروع، سائرا على درب العودة، وعاملا على إعادة شحذ الهمم من جديد لمواصلة طريق العمل المضني من أجل إبقاء جذوة القضية الوطنية للشعب الفلسطيني حية باقية على الرغم من سيل الضغوط والمشاريع الخارجية الهادفة إلى فرض حلول تصفوية لقضية فلسطين، وفي المقدمة طمس حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وإهالة التراب عليه لدفنه إلى الأبد، وتكريس الحلول الاستئصالية له عبر توطين اللاجئين الفلسطينيين حيث هم، وتهجير أعداد كبيرة منهم إلى جهات المعمورة الأربع.

في مخيم اليرموك تنبعث مجددا صورة الوطن السرمدي الذي ما زال حيا ونابضا في أفئدة الملايين من لاجئي فلسطين في كل مكان، وفي أفئدة أجياله المتعاقبة التي برهنت ومن قلب المآسي والمحن على تمسكها بفلسطين وطنا أبديا للشعب الفلسطيني 



كما جرى خلال السنوات الأخيرة حيال آلاف من اللاجئين الفلسطينيين الذين تم ترحيلهم من أرض العراق إلى منافي البرازيل وتشيلي والهند، وكما يجري حيال فلسطينيي سوريا تحت وطأة جسامة الأحداث الجارية والأخطار المحيقة بحياتهم في سوريا، فضلا عن تقطع السبل بهم خصوصا بعد النزوح الكثيف لفلسطينيي بعض المخيمات والتجمعات ومنها مخيم اليرموك، حيث غادر بعضهم نحو أصقاع المعمورة وقد ابتلعت مياه وأسماك البحر الأبيض المتوسط أعدادا منهم بعد أن ضاقت بهم أرض العرب على اتساعها، ومع هذا ما زال "صمود البقاء" الاستثنائي قائما وراسخا للأعداد الكبيرة منهم حتى الآن بسوريا في ظل الأزمة.

إن فلسطينيي سوريا -وفوق الرحيل القسري لأعداد منهم- يعانون الأمرين، فالحرب -أي حرب- تنتج كوارث إنسانية تدفع الناس المنكوبين إلى الهروب من الموت والرحيل إلى المجهول، وبالأمس نزح ملايين من الشعب العراقي خارج بلادهم جراء الغزو الأميركي.

وفي عام 2006 نزح مئات الآلاف من اللبنانيين جراء عدوان إسرائيل عليهم، وفي كل الحروب هناك لاجئون ومهجرون وضحايا وكوارث إنسانية.. الفارق بينهم وبين الفلسطينيين أن الشعب الفلسطيني طرد من أرضه طردا واقتلاعا وترحيلا قسريا، بينما الآخرون لم يفقدوا أوطانهم حيث إن رحلتهم إلى التيه ستبقى قصيرة.. أما رحلة التيه الفلسطينية فمستمرة نكبة تلو نكبة، وهنا يكمن عمق المأساة.

حق غير قابل للتصرف
يمر أيار/مايو شهر النكبة الفلسطينية الكبرى في وقت بات فيه واضحا للعالم بأسره أن حلول التسوية الهزيلة والمذلة -التي حاول ويحاول دعاتها وأنصارها تمريرها في المنطقة- سقطت تحت وطأة تعاظم فعل الكفاح الفلسطيني على الرغم من الاختلال الهائل في ميزان القوى العسكرية، فقد شكل فعل المقاومة المستمرة على أرض قطاع غزة وعموم الداخل الفلسطيني الجدار السميك الذي ارتطمت به مشاريع التسوية "الإسرائيلية" الأميركية منذ افتتاح مؤتمر مدريد في أكتوبر/تشرين الأول 1991 إلى الآن.

وفي هذا المسار استعادت قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق عودتهم إلى أرض آبائهم وأجدادهم في فلسطين التي طردوا منها إبان النكبة زخما قويا، وإجماعا متعاظما في صفوف الفلسطينيين وأنصارهم في العالم بأسره، نظرا لما تمثله هذه القضية من عنوان جوهري للصراع العربي
باتت قضية العودة العنوان الأساسي للصراع بين المشروع الفلسطيني، والمشروع الصهيوني الذي ساق الأكذوبة الكبرى "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وعليه يرى الصهاينة في حق العودة نسفا للأساس الذي قامت عليه دولة الكيان الصهيوني
الصهيوني.

فقد باتت الحقائق تفقأ أعين اللاهثين وراء التسوية، وهي حقائق تكرسها كل يوم وقائع الصمود في الداخل الفلسطيني، ونهوض اللاجئين في مخيمات قطاع غزة والضفة الغربية وداخل مناطق فلسطين المحتلة عام 1948 والشتات في وقفة التأكيد على التمسك بحق العودة كحق غير قابل للتصرف لا يحق لأي شخص كان أو مؤسسة أو منظمة أو سلطة أو جمعية أو دولة التنازل عنه، فحق العودة ليس البحث عن مأوى وطعام ومدرسة ومستشفى، هو حق سياسي بالدرجة الأولى يتمثل في العودة إلى الأرض الفلسطينية وامتلاك الهوية الفلسطينية، كما أنه ليس موضوعا اقتصاديا بالنسبة للشعب الفلسطيني كما يحلو للبعض تصويره.

وبذا فقد باتت قضية العودة العنوان الأساسي للصراع بين المشروع الوطني الفلسطيني، والمشروع الصهيوني الذي ساق الأكذوبة الكبرى "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وعليه يرى الصهاينة في حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ممتلكاتهم وديارهم التي شردوا منها نسفا للأساس الذي قامت عليه دولة الكيان الصهيوني.

قوة في مواجهة أخرى
ومع ذلك، يظهر في جانب آخر من الصورة قلق اللاجئين الفلسطينيين في الظروف السياسية الراهنة، ويتعمق أكثر فأكثر على مستقبلهم وحقهم في العودة نتيجة ما يلمسونه من عملية مساومة تُجرى عبر قنوات الدبلوماسية السرية، وعبر الأفكار التي يتم طرحها بين الحين والآخر، وعبر ما يجري بحقهم في مخيمات وتجمعات الشتات.

ففي لبنان يكابد فلسطينيو لبنان المصاعب الجمة والقوانين العنصرية الجائرة التي تمس حياة اللاجئ الفلسطيني وتضعه في دائرة الحرمان، لدفعه إلى الخروج نحو أصقاع المعمورة ونسيان حق العودة، وفي سوريا ما زالت النيران مستعرة واللاجئون الفلسطينيون في دائرة الاستهداف.

ومع هذا، فإن الصراع طويل ولا يمكن إغلاق ملفه وإنهاؤه بتسويات ظالمة مسقوفة تحت معادلة "حق القوة" بديلا عن "قوة الحق"، فقد اندثرت شعوب كثيرة في الماضي القريب تحت كابوس "حق القوة"، كما وقع مع ملايين الهنود الحمر من السكان الأصليين في الأميركيتين ببارود الغزاة الاستعماريين الأوروبيين، وكما جرى أيضا في أستراليا ونيوزيلندا قبل خمسة قرون.
حق العودة هو حق غير قابل للتفاوض أو التصرف، لأنه حق شخصي في الأساس لا تجوز فيه الإنابة أو التمثيل أو التنازل عنه لأي سبب من الأسباب، وهو في الوقت نفسه حق جماعي للشعب الفلسطيني يرتبط بحق تقرير المصير وهو بهذا المعنى غير قابل للتفاوض أو الاستفتاء

وبينما نجحت خطوات استعمارية إجلائية تهويدية في فلسطين لكن مع ذلك لم تتمكن من غلق ملف شعب فلسطين وإنهائه وشطب هويته الوطنية بعد 68 عاما من نكبة فلسطين رغم الاختلال الكبير في توازن القوى بالشرق الأوسط.

حق لا يسقط
إن حق اللاجئين في العودة لا يسقط بالتقادم، ولا يلغيه تجبر ظالم، فهو عنوان أساسي في الصراع الجاري كما أنه حق أخلاقي إنساني وطني فضلا عن كونه حقا محفوظا في إطار قرارات الشرعية الدولية، ويمس بشكل مباشر العنصر الأهم من عناصر القضية الفلسطينية وعناوين الصراع العربي والفلسطيني/الصهيوني.

وعلى هذا الأساس فإن خطوات فلسطينية ملموسة أصبحت الآن ضرورية أكثر من أي وقت مضى لإبقاء قضية اللاجئين وحقهم في العودة قائما، وأولى هذه الخطوات تتمثل بإعادة الاعتبار لوحدة الأرض، ولوحدة الشعب الفلسطيني بمجموعه أينما كان بعد سنوات من التفكك والانقسام وضياع المرجعية الواحدة الموحدة له داخل فلسطين وفي الشتات.

وهذا الأمر يستدعي أيضا إعادة الاعتبار للوحدة الوطنية الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة باعتبارها قضية سياسية بالدرجة الأولى انطلاقا من مشروعية هذا الحق.

ويقتضي أيضا التأكيد على أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم هو حق غير قابل للتفاوض أو التصرف، لأنه حق شخصي في الأساس لا تجوز فيه الإنابة أو التمثيل أو التنازل عنه لأي سبب من الأسباب، وهو في الوقت نفسه حق جماعي للشعب الفلسطيني يرتبط بحق تقرير المصير، وهو بهذا المعنى غير قابل للتفاوض أو الاستفتاء ولا يملك أي مفاوض فلسطيني أو عربي الحق في التنازل أو التخلي عنه.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة