محاولة لوقف إرهاب الأسد   
الأحد 25/7/1437 هـ - الموافق 1/5/2016 م (آخر تحديث) الساعة 19:55 (مكة المكرمة)، 16:55 (غرينتش)
مهنا الحبيل


أسوء ما يمكن أن تتعرض له قضية في حجم معاناة شعب يواجه الإرهاب المتوحش من نظام الأسد وداعميه -وخاصة في التعاطي السياسي- هو حالة من الإفلاس كالتي نشاهدها اليوم، وليس الإفلاس هنا وصفا للنظام الدولي، فهو الجاني والشريك في إرهاب الأسد، وإنما نصف به بعض أهالي وأصدقاء الضحية.


إن شراكة المجتمع الدولي في الجريمة واضحة سواء تعلقت بموقف واشنطن المكشوف، أو بتوظيف مفاوضات جنيف من قبل المبعوث الأممي دي مستورا، أو بتواطؤ بقية الأسرة الغربية التي أصرت بقوة واستمرار على ترك معادلة التفوق النوعي لنظام الأسد ودعمت الرعاية الروسية والإيرانية لها.

المنطق ذاته والممارسة ذاتها سبق تنفيذها لتحقيق التفوق النوعي للكيان الصهيوني مع العرب، لكنه كان أشنع في الحالة السورية، وحساباته مطحنة نازية لا تتوقف حتى إحراق كل طفل في حلب، وكل مدينة سورية يحتاج المشروع الدولي لتصفيتها.. ليس الأمر حديثا عاطفيا، ولكنه قراءة دقيقة لخريطة الحراك الدولي وبالذات الأميركي الذي يزدهر تنسيقه اليوم مع موسكو، في كل دقيقة تقصف بها موسكو والنظام مشفى أو أسرة خائفة في منزلها.

ذلك الحلف -بغض النظر عن التسمية والصفة- يمثل عنوان المواجهة مع الشعب السوري، ولكن الإفلاس عند من يُحسب على الضحية، من أصدقاء مصالح أو تعاطف، أو شراكة في ذات الثورة السورية، وهو كلام مؤلم، لكن لا يُمكن أن يصحح الوضع ولا سبيل للإنقاذ، دون تسوية قواعد التعاطي الفاشلة سابقا في التعامل مع القضية وتجديد بنائها، لعلها تثمر حبل إنقاذ يصله الله برحمته لأهل سوريا.

إن شراكة المجتمع الدولي في الجريمة واضحة سواء تعلقت بموقف واشنطن المكشوف، أو بتوظيف مفاوضات جنيف من قبل المبعوث الأممي دي مستورا، أو بتواطؤ بقية الأسرة الغربية التي أصرت بقوة على استمرار معادلة التفوق النوعي لنظام الأسد

ونوضح هنا قواعد أساسية في تقييم الدعم للشعب السوري في قضيته:
1- إن ملاومة شركاء القضية تضامنا مع الشعب، لا تعني أبدا الانفضاض أو التخلي عن أي مساحة بُذلت من قبلهم، سياسيا أو إعلاميا، كونها صدرت ضمن مصالحهم القومية.

2- طبيعة كل ثورة وكل شعب، أن يأخذ ما استطاع من مواقف دعم رسمية وشعبية، لكن دون أن يشركهم بالكلية في قراره السياسي وإن تم تبني بعض الرؤى، الإيجابية للثورة.

3- ومن هنا أُتيت الثورة، حيث أثر التدخل الرسمي الخليجي والغربي والتركي في قرارها، وكذلك الشعبي الذي تورط في هيكلة الثورة حسب قناعاته الأيديولوجية، ولم يفهم بنيان الشعب السوري وتعدديته وحساسية الدولة الجيوسياسية المعقدة والخطيرة، ومخاوف كل الأطراف، فاستُخدم تدخله لتسعير الحريق ضد الشعب، واستخدم مشروعه لهدم بنيان الشعب الاجتماعي في ممثله الثوري.

4- وهكذا ونحن نشهد أكبر محارق التاريخ المعاصر، في ذات الوقت تنشأ معارك وملاعنات شرسة، من قبل الفصائل التي موّلها الدعم المادي الهادف لإسقاط الجيش الحر، وكلها تدعي إسلامية موقفها، وأنها تخوض الحرب لتطبيق الشريعة، وشريعة الله من فتنتهم براء.

5- لا يُقصد من ذلك الإجحاف بكل من مد يد العون الإغاثي من أهل الخليج العربي ولا منابر التضامن وهي كثيرة، وإنما من يتدخل بإصرار، ويجعل ذاته وصية على الثورة، "فالله يلطف بهذا الشعب الذي يُقتل باسم نصرة إيران وباسم نصرته أيضا".

وليس المقصود إيمان كل تلك الأطراف التي غُضّ الطرفُ عنها رسميا في الخليج عمدا، كل تلك السنوات، بما تفعله النصرة وداعش(تنظيم الدولة الإسلامية)، ولكن ذات ماكينة الدعم والتدخل لا تزال تشتت الصفوف وتفرق السوريين.

6- إن العدو عدو، ولا يُسأل عن لماذا فعل هذه الجريمة وكيف، ولكن يُبحث كيف يُخنق حراك هذا العدو، وكيف تغلق عليه مسام تدخله الوحشي قدر الاستطاعة، وكيف يدعم الشعب بخلاص سياسي وميداني ثوري، فيدعم الميدان لتحقيقها، لا بتفتيت ثورته وبعثرة قوة عسكره.

ومن هنا فإن ردود الفعل في الرياض وأنقرة على محرقة حلب، لا تقبل منهما بهذا المستوى، كما التشكيك في وقف المملكة للتدخل الإيراني في اليمن ومنع تعز من أن تتحول لحلب أخرى، بل المطلوب تعاون الدولتين لتحقيق توازن جديد ينطلق به المخرج الجديد لسوريا.

وأسوء من الإحباط ذاته، أن يكتفي المحلل السياسي بمنافسة الرأي العام العاجز، ولو أذرفت كل دموع الشرق وحسرة قلبه، لما أعطت سوريا حق مشاعر تذبح عند نصب حريتها.

لكن الأهم الآن هو طرح أفكار عملية، منها ما هو وقتي ومنها ما هو إستراتيجي مرحلي نوجزها كأفكار في الآتي:

1- إن اجتماع الثلاثي السعودي والتركي والقطري العاجل، يمكن أن يتداول خطة ضغط دبلوماسي على الغرب والروس، لوقف جرائم حلب وغيرها، واستخدام شبكة مصالح وعلاقات لتحقيق هذا الضغط.

إن منهجية الحرب الإستراتيجية تقتضي عقد مؤتمر للمعارضة المسلحة في أنقرة، بتنسيق كامل مع الرياض، وبحضور رئيس وممثلي هيئة التفاوض، وهو ما قد يحقق تقدما في مسار توحيد الجبهة العسكرية بأكبر قدر ممكن، حيث لا توجد ثورة في العالم توحدت كل فصائلها

2- كما أن الجيش التركي سبق أن تدخل في عمليات محدودة لأمنه القومي في حلب، وليس المطلوب دفعه للتورط مع الروس، لكن إسناد الرياض له في عمليات لوجستية نوعية ستعطي ثمرة عاجلة.

3- ويترافق ذلك مع تسريب ضروري للغاية لدفعة من مضادات الطائرات لصالح الجيش السوري الحر، وعندها سيتغير ميزان الحرب، ولو مرحليا.

4- العمل على ترحيل المدنيين من شعب الثورة لأكثر المناطق أمانا، وانتزاع غطاء غربي ملزم وممكن، وقد ناديت بذلك من أربع سنوات، وأثبت كيف يُستنزف هذا الشريان البشري في زحف العدو.

هذا على الصعيد المرحلي العاجل، أما منهجية الحرب الإستراتيجية فهي ذات معالم واضحة، وغريب بالفعل عدم التحرك نحوها، إن عقد مؤتمر المعارضة المسلحة في أنقرة، بتنسيق كامل مع الرياض، وبحضور رئيس وممثلي هيئة التفاوض، يمكن أن يُحقق تقدما في مسار توحيد الجبهة العسكرية بأكبر قدر ممكن، فلا توجد ثورة في العالم توحدت كل فصائلها.

وتمثل العودة إلى مصطلح ورمزية الجيش السوري الحر، في هيئة أركان تمثل هذه الوحدة العسكرية والميدانية، وتنسجم مع فصائلها، أقرب الطرق لتغيير الميزان العسكري، ونتوقع إن تم ذلك مع دعم نوعي مباشر لهذه القيادة الجديدة للجيش الحر، أن يتحقق ميزان جديد للمعركة.

وسيرى الحلفاء، كيف سيلتف الشعب من جديد مع ثوراه؛ وعندها يمكن أن يتغير كليا جدول المفاوضات، وتبرز عناصر تُخضع النظام والروس معا، في حين أن من يندب حلب اليوم من السياسيين، قد يندب غدا أرضه كما فعل الأندلسيون.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة