هل ما زال الإسلام السياسي شرطا في تأسيس الديمقراطية؟   
السبت 1/6/1436 هـ - الموافق 21/3/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)
زهير إسماعيل


حدود الإسلام السياسي
الإسلام السياسي والديمقراطية الناشئة

أثرنا هذا الموضوع لسببين اثنين، يعود الأول منهما إلى ما يوجد من خلط في موضوع الإسلام السياسي ناتج عن اختلاف في رسم حدود هذه الظاهرة. وهو اختلاف غير بعيد عما يمرّ به المجال العربي من صراعات دامية وتقلبات خطيرة.

ويتمثل السبب الثاني في تبلور أطروحة سياسية مهمة تقوم على اعتبار الإسلام السياسي أهم شروط تأسيس الديمقراطية في المجال العربي. فما هي الحدود التي يمكن رسمها بدقة لظاهرة الإسلام السياسي؟ وما مدى وجاهة الأطروحة التي تعتبره شرط الديمقراطية الأساسي؟

حدود الإسلام السياسي
حين ظهر مصطلح الإسلام السياسي في بحوث بعض المختصين، لم يكن مقبولا عند أهل الإسلام السياسي أنفسهم، وكان ردهم التقليدي الأكثر تواترا هو أن الإسلام شامل لكل جوانب الحياة ولا يقتصر فقط على الجانب السياسي. ولا يخفى ما يضمره الرد من مطابقة بين هذه الظاهرة التاريخية والإسلام في ذاته، فضلا عما يظهره من فهم سطحي للسياسي يُختزل في مظاهر تعبير خارجي على صلة بتنظيم جانب من حياة الناس العملية.

ويقترح أهل الإسلام السياسي مصطلح الحركة الإسلامية للتعبير عن الظاهرة. ولئن كان هذا المقترح مقبولا في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته لبساطة الظاهرة، فإن ما شهده مجالنا والعالم من تحولات جذرية مع تسعينيات القرن العشرين يجعل من عبارة الحركة الإسلامية اسما جامعا لخليط غير متجانس يمتد من الإخوان إلى داعش.

لئن كان مصطلح الحركة الإسلامية مقبولا في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته لبساطة الظاهرة، فإن ما شهده مجالنا والعالم من تحولات جذرية مع تسعينيات القرن العشرين يجعل من عبارة الحركة الإسلامية اسما جامعا لخليط غير متجانس يمتد من الإخوان إلى داعش

وهو أمر يجتهد في إثباته خصوم الإسلام السياسي في مناخ دولي جعل من مكافحة الإرهاب أولوية. ويصرون على إلحاق مكونات من الإسلام السياسي بدائرة الإرهاب بعد أن كان في الاستحقاقات الانتخابية في صدارة القوى التي حظيت بالتفويض الشعبي حين توفرت شروط الاختيار الحر.

ويبدو أنه لا حل لهذا الاضطراب في رسم حدود الظاهرة إلا بالعودة إلى مسألة الخطاب. فقد يكون الخطاب دليلا إلى رسم حدود واضحة بين مكونات لم يعد من الممكن حشرها في صعيد واحد.

وبالنظر إلى خطاب القوى المنتسبة إلى المرجعية الحضارية، يمكن تبين أربعة أصناف من الخطاب: أولها الخطاب "الشريعي" وهو أولى محاولات النهوض الذاتي قبل الانتباه إلى ما يحدث من استفاقة كبرى في ضفة المتوسط الأخرى. لذلك كان جهاز هذا الخطاب المفاهيمي ومعجمه ومجاله التداولي مستمدا من التراث الشريعي باعتباره المرجع الوحيد للخطاب السياسي والقانوني يومها، والمعبر عن خصوصية الاجتماع العربي الإسلامي على مدى قرون. وتمثل الخطاب الشريعي في حركتين إصلاحيتين هما الوهابية (1760) والسنوسية (1825).

وثاني هذه الأصناف هو خطاب النهضة والإصلاح مع الأفغاني (ت1897) ومحمد عبدُه (ت 1905) ورشيد رضا (ت 1935). وقد انبثق خطاب النهضة والإصلاح مع ما عرف بالصدمة الحضارية واكتشاف العرب المسلمين أنهم لم يعودوا خير أمة أخرجت للناس مقارنة بأوروبا الناهضة. ومن هنا جاء سؤال النهضة والإصلاح لماذا تقدم الغرب وتخلف المسلمون؟

وأما ثالث الخطابات والذي نسميه الخطاب السياسي، فقد انبثق مع سقوط آخر شكل من أشكال انتظام المسلمين السياسي سنة 1924 المعروف بسقوط الخلافة، ومعه تم نقل السؤال من الثقافة إلى السياسة.. كيف نستعيد الإطار السياسي للحياة الإسلامية؟

وكان سؤال كيف نستعيد الإطار السياسي للحياة الإسلامية منطلق الإسلام السياسي من جهة خطابه، وأول تعبيراته المتمثلة في جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928. وهي الجماعة التي تزامن ظهورها مع مرحلة جديدة من مراحل الدولة الحديثة في المجال العربي، تميزت بانفتاح كبير على ما يحدث في العالم بين الحربين من تغيرات عميقة في المجتمع والدولة. ومن اللافت للانتباه أن اعتبار روجي غارودي -في كتابه حول الأصوليات- تأسيس الجماعة محاولة فذة لعيش الحداثة إسلاميا.

ورغم أن عمر هذه الظاهرة من عمر الدولة المسماة وطنية، فإن السياق الاستعماري وحال المجتمع سرعا بالصدام بينها وبين الدولة. ولعل هذا الصدام التاريخي في مصر في ظل الملكية وبعد انقلاب العسكر وفي غيرها من الأقطار العربية، كان المانع الأساسي من قيام ثقافة مواطنية وتجربة ديمقراطية.

وأما رابع هذه الخطابات فهو ما نصطلح عليه بالخطاب المُعولم، وهو صورة لظاهرة جديدة بدأت مع القاعدة. والقاعدة تجربة لا ينتبه كثيرون إلى السياق الذي ظهرت فيه. وغالبا ما تصنف ضمن التيار السلفي ومنواله الشريعي لما بين الخطاب والثياب من شَبَهٍ مغالط في الظاهرتين. فالقاعدة ردة فعل على السياق العولمي الفج الذي صار له رموزه في السياسة العالمية مع المحافظين الجدد في الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي. وهي أيضا صناعة عولمية. فقد كان لزاما على من خرج منتصرا من الحرب الباردة أن يجد له عدوا يحاربه ويخوف به لكي يتسنى له إملاء مصالحه التقليدية، فكانت الحرب على الإرهاب أهم عناوين التيار العولمي الإنجيلي بقيادة المحافظين الجدد.

هذه الخطابات الأربعة تساعد على رسم حدود واضحة لتيار الإسلام السياسي، وهو تيار مختلف عن التيار الشريعي المُسمى سلفية وعن تيار الإسلام المعولم المسمى خطأً سلفية جهادية. وهو جزء من ظاهرة الإرهاب المُعولم.

الإسلام السياسي والديمقراطية الناشئة
اكتفينا بالوقوف عند الجانب التكويني من هذه الخطابات، وكانت الغاية رسم حدود واضحة لظاهرة الإسلام السياسي. وهذه الحدود المميزة لكل خطاب ليست جدرا عازلة، إذ بين هذه الخطابات تنافذ.

قلة الخبرة والرغبة في التفرد بالحكم في مرحلة عواصف سياسية ومطلبية اجتماعية مجحفة وتشتت الصف الثوري، مكّن للثورة المضادة، فكان الانقلاب الدموي في مصر والانقلاب الديمقراطي في تونس والانقلاب الطائفي في اليمن

ويحتاج الوقوف عند تعاملها البنيوي وتنافُذها المعنوي إلى دراسة مستقلة، وهي خطابات لا تفصل بينها المسافة نفسها. فنسبة خطاب الإسلام السياسي إلى الخطاب النهضوي كنسبة الخطاب الجهادي إلى الخطاب الشريعي، فكأننا أمام زوجين من أصلين مختلفين يفسر تجاورها منعرجات النهضة والإصلاح في المجال الثقافي العربي الإسلامي.

ولذلك قد نجد في بعض السياقات تأليفا بين الزوجين مثلما كان عليه الأمر في تجربة التحرير الجزائرية، وتجربة الإسلام السياسي في تونس. فكما كانت حركة التحرير الجزائرية تأليفا بين التيار الوطني وتيار العلماء، كانت حركة النهضة في تونس تأليفا بين تيار النهضة والإصلاح وتيار الإسلام السياسي القادم من مصر.

وفي الحالتين الجزائرية والتونسية كان لشخصية المفكر الجزائري مالك بن نبي أثر بالغ، فقد كانت له بصمته على مشروع بناء الدولة في الجزائر في اللقاء بين المكون الحداثي ومكون الثقافة الوطنية، مثلما كان لكتاباته تأثير على زعيم حركة النهضة الأستاذ راشد الغنوشي مما يجعل من تصنيف حركته ضمن تيار الإسلام السياسي عملا غير دقيق، فهي وسط بين هذين الحدين.

ولا ندعي، في هذا، أن حركة النهضة كانت وريثة للتراث الإصلاحي من خير الدين التونسي إلى الطاهر بن عاشور، وإنما كانت على صلة بمنوال النهضة والإصلاح وشروط القيام الحضاري كما تجلت في كتابات المفكر الفذ مالك بن نبي، وتعد هذه الخاصية التكوينية في حركة النهضة من الأسباب البعيدة في توْنَسَتِها وفي استمرار المسار الديمقراطي رغم العواصف التي واجهته.

والإسلام السياسي ظاهرة تاريخية معاصرة لها بداية وتجري إلى نهاية مثل كل الظواهر التاريخية. وإذا كانت بدايتها معلومة فإن نهايتها مفتوحة على أكثر من احتمال. غير أننا نميل إلى اعتبار العدالة والتنمية آخر تعبيرات الظاهرة. والعدالة والتنمية، من وجهة نظرنا، ليست حالة حزبية بقدرما هي مرحلة من الوعي والانتظام نعتبرها أعلى مراحل الإسلام السياسي والغاية التي يجري إليها وسدرة منتهاه.

وتأتي العدالة والتنمية في سياق مفصل مهم من تاريخ العرب السياسي المعاصر، وقوامه تحول في هوية الأحزاب السياسية من الأيديولوجي العقدي إلى السياسي الوطني. وحركة النهضة شهدت في تاريخها النضالي الطويل هذا التطور. وإن تغير اسمها من الجماعة الإسلامية في السبعينيات إلى الاتجاه الإسلامي في مطلع الثمانينيات واستقرارها عند اسم النهضة من العلامات الدالة على هذا التطور. وقد أثار الاسم الذي اختارته يومها -بعد أن طلب منها نظام الاستبداد تغييره مقابل تمكينها من العمل القانوني- جدلا في أوساط ثقافية حداثية، اعتبرت أن الحركة قد استعارت اسما من غير مرجعيتها واستولت على ما ليس لها.

نشأ الإسلام السياسي في مواجهة الدولة المسماة وطنية. واعتبرت مجرد ظهوره تقييما سلبيا لتجربتها في الحرية والعدالة والاستقلال. وكان تعبيره الواضح عن مرجعيته الإسلامية الثقافية كفيلا بحجب طابعه العلماني، وهي علمانية إسلامية تقوم على فكرة أساسية تتجاوز التقابل بين الدين والسياسة سليل الإرث السياسي المسيحي في أوروبا، وتذهب إلى أن الدين هو ما نفهمه من الدين. ومحصل الأمر أنه لا يوجد في حياة الناس سوى التاريخي من الدين سوى ما فهموه منه.

ورغم هذه النشأة المتفردة للظاهرة فإن الدولة المسماة وطنية التي احتكرت النطق باسم الدين وسجنته في وزارة شؤون دينية، اعتبرت أنه لا شرعية لأية صياغة للإسلام من قوانينها. وكان هذا المنظور موجهها الأساسي في موقفها من الإسلام السياسي، لذلك كانت العلاقة الغالبة بين الدولة والإسلام السياسي هي الصدام. ولم يكن الإسلام السياسي المكون الوحيد الذي لقي صدّا من قبل الدولة. فقد شملت المواجهة أغلب تعبيرات النخبة السياسية مما يجعل من بنية الاستبداد أهم أسباب الصدام مع مختلف الظواهر السياسية.

تنبني السياسة في الاجتماع السياسي المعاصر على معادلة طرفاها الدولة والمجتمع المدني. وأما بنية الاستبداد فهي ثلاثية: الدولة والمجتمع وجهة ثالثة فوق الدولة والمجتمع، أي فوق القانون. وهذه الجهة هي الزعيم في سياق وهي المجلس العسكري في سياق آخر وهي المافيا في سياق ثالث، وما قامت به ثورة الحرية والكرامة في السياقات التي تمت فيها انتخابات نزيهة وشفافة وديمقراطية هو أنها عصفت بالبنية الثلاثية المانعة من كل اختيار حر.

أفضت الانتخابات التي تمت في بعض أقطار الربيع العربي إلى تفويض الإسلام السياسي في مقدمة القوى الوطنية لقيادة المرحلة الانتقالية، غير أن قلة الخبرة والرغبة في التفرد بالحكم في مرحلة عواصف سياسية ومطلبية اجتماعية مجحفة، وتشتت الصف الثوري مكن للثورة المضادة المدعومة بلوبيات المصالح وأذرعها في الأمن والإعلام والإدارة من أن تقلب موازين القوى لفائدتها. فكان الانقلاب الدموي في مصر والانقلاب الديمقراطي في تونس والانقلاب الطائفي في اليمن.

أفضت إزاحة الإسلام السياسي عن المشهد إلى عودة أنظمة الاستبداد في السياقات التي شهدت انتقالا ديمقراطيا وبعناوين أشد سوءا مثل السيسي وحفتر والحوثي، وظهور داعش في السياقات التي انزلقت فيها الثورة إلى حرب أهلية. وبدت قوة داعش متناسبة مع تعاظم الدمار
وتتجه ليبيا بحكومتيها وبرلمانيها وجيشيها إلى اقتتال أهلي لن تستفيد منه سوى داعش (تنظيم الدولة الإسلامية)، في حين بلغت سوريا مرحلة من الدمار قد تكون مقدمة لانقلاب طائفي لن يختلف عن كثيرا الانقلاب الحوثي في اليمن. وارتبط جوهر الثورة المضادة بالانقلاب على الإسلام السياسي والسعي إلى تحطيمه وتخوينه واعتباره جزءا من ظاهرة الإرهاب التي تضرب المنطقة في سياق يختلط فيه الإرهاب بصناعة الإرهاب.
 
لم تكن مناهضة الإسلام السياسي من قبل لوبيات متنفذة ونخب حداثية وأنظمة عائلية مهددة بالديمقراطية بسبب مرجعيتها الإسلامية، وإنما لكونه أهم دعائم الديمقراطية الناشئة. وهذا ما تأكد بعد ثورة الحرية والكرامة حين أتيح الاختيار الشعبي الحر.

وقبل أن تتبلور هذه الحقيقة لم تكن الأنظمة إياها تستنكف من دعم جانب من تعبيرات الإسلام السياسي في مواجهة قوى تقدمية وليبرالية كان يُخشى أن تؤسس للثورة والديمقراطية. واليوم صار قسم مهم من هذه القوى التقدمية حليفا لهذه الأنظمة الرجعية وبوقا لدعايتها.

أفضت إزاحة الإسلام السياسي عن المشهد إلى عودة أنظمة الاستبداد في السياقات التي شهدت انتقالا ديمقراطيا وبعناوين أشد سوءا مثل السيسي وحفتر والحوثي، وظهور داعش في السياقات التي انزلقت فيها الثورة إلى حرب أهلية. وبدت قوة داعش متناسبة مع تعاظم الدمار.

لئن مثل الانقلاب في مصر أوج الثورة المضادة فإن التغيرات الجارية في المنطقة تنبئ عن بداية تصدع ائتلافها المؤسس. ويبدو أننا بصدد تقييم جديد لخيار مواجهة تيار الثورة في المجال العربي بعد أن بدا حصاده مرا. فقد كان من نتيجة سحق الإسلام السياسي وتيار الثورة في مصر واليمن فشلا ذريعا ومشارفةً على الهاوية في مصر واحتلالا طائفيا للعاصمة اليمنية هو صورة من تسرب إيراني في فراغ الانتقال الديمقراطي المشلول في اليمن.
 
ويبدو أن المنازلة القادمة ستكون بين الإسلام السياسي على قاعدة الدولة الديمقراطية والمشروع الوطني وداعش ممثلة الإرهاب المعولم المتقنع بالخطاب الشريعي على قاعدة "إدارة التوحش" والفوضى الخلاقة، السلاح الأخير للتدخل والهيمنة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة