جوهر الصراع الأميركي الراهن تجاه الإسلام   
الجمعة 27/1/1438 هـ - الموافق 28/10/2016 م (آخر تحديث) الساعة 14:16 (مكة المكرمة)، 11:16 (غرينتش)
محمد الجوادي


أعرف طبيبا ناجحا اشتغل بالسياسة منذ نعومة أظافره، واجتهد في ألا تكون السياسة مهنته الأولى ولا الثانية، و نجح في هذا؛ لكن اسمه كان بحكم ما نال من تقدير يُستدعى إلى الذاكرة عندما تدعو الحاجة إلى شغل هذا المنصب أو ذاك، لكن شيئا ما كان يحول دون استجابته أو اختياره، و كان كلا الأمرين وارد، لكننا لم نكن نملك تفسيرا باتا أو باترا، فلما حدثت ثورات الربيع العربي أصبح دون جهد منه واحدا من نجومها، وبرز اسمه بطريقة واثقة، ولما حدث الانقلاب في مصر كان له دور مقدور في التنوير و التثوير والمقاومة.

أتيحت لي الفرصة ذات مرة لأفاجئه بسؤال مباشر عن سبب حيرتنا في بعده عن المناصب وبعدها عنه فراوغني بما لم أتحمس لسماعه من الإجابات الجاهزة، ثم صفت نفسه لي فأخبرني بكل تغليف وتبطين ممكن أنه كان مرشحا لأعلى المناصب بالفعل، وأنه لم يكن هناك أحد إلا وتحمس لترشيحه بما في ذلك الجناح الظاهر من الماكينة الأميركية العملاقة لكن الجناح الخفي من هذه الماكينة أجرى له (دون أن يدري تماما) عدة اختبارات من طراز المقابلة الشخصية (Interviews) وانتهى إلى عدم صلاحياته بتاتا لخطورته الشديدة على السياسة الأميركية.

كانت القصة مثيرة بالفعل، ولم يشأ صديقي بالطبع أن يحكي كل تفصيلاتها، وكنت أقدر هذا، لكني مع هذا استطعت أن استخلص بعض الملامح المنبئة عن طبيعة الرؤية الأميركية للمثاليات المتطلبة في شخصيات القياديين المتعاونين معها من القيادات الإسلامية، ومدى علاقة هذه الرؤية بالصراع الحالي الذي تخوضه شعوبنا مع إمبريالية واضحة الغلو في استهدافاتها وليس في أهدافها فحسب.

أبدأ بالسؤال الأهم الذي وجه إلى صديقي و لم ترق إجابته عليه للأميركيين الذين حاوروه: ماذا هو فاعل أو ماذا ينوي أن يفعل في مكافحة الإرهاب؟ وكان صديقي بحكم الحياة والثقافة والسياسة جاهزا بالرد في نقاط محددة استمع إليها الأميركيون في هدوء ثم بدأوا يعارضونه فيها واحدة واحدة.

بدأ صديقي فأثبت اختلافه معهم كلية في تعريف الإرهاب، وفي وجوده وعدمه، وفي طبيعته و"باثولوجيته"، ولم يضيع الأميركيون وقتا في فهم ما يقوله ولا مناقشته مستندين إلى "ميكانزم" القول بأنهم يتحدثون عن العلاج لا عن التشخيص، وأنهم سيشركونه بالطبع في التشخيص ولن يفرضوه عليه، لكن هذا موضوع آخر، وفهم صديقي أن هؤلاء يريدون القول بأنهم يتحدثون عن "تنفيذيات" لا عن "رؤى" فتقبل المضي في طرح أفكار ذكية فيما كانت المناقشة تدور حوله هو نفسه بطريقة أقل ذكاء تستوفي الأوراق فحسب.

طرح صديقي رؤيته القائلة بأولوية ترقية وتنمية البنية التشييدية و المعمارية والإصحاحية والبيئية للمساجد وما يرتبط بها من ملحقاتها التقليدية كمكاتب تحفيظ القرآن والعمل على التوسع في هذه الإنشاءات للوفاء بالاحتياجات الإنسانية المرتبطة بالعبادة والاتصال الروحي ولتعويض ما اعترى هذه المؤسسات من نقص وانكماش في العقود الأخيرة بسبب الحروب والحالة الاقتصادية، وللحيلولة دون نشأة البؤر الصغيرة التي تجيد الأجهزة والتقارير والدراسات الأمنية وصفها باعتبارها مراكز تفريخ التطرف ومن ثم الإرهاب في مرحلة لاحقة مباشرة.

أبدى الأميركيون إعجابهم بنمط التفكير الذكي غير المطروق من قبل فيما طالعوه من الأدبيات، لكنهم كانوا ملقنين ومتشبعين تماما بفكرة خبيثة مستترة هي الحيلولة دون ظهور أية مئذنة جديدة تحت أي مسمى، وهكذا أدرك صديقي مبكرا أن جوهر القضية عند هؤلاء هو "العنصر الصليبي" لا "العنصر الأمني".

انتقل صديقي للحديث عن ضرورة العودة بدراسات الحضارة والأدب وتاريخ الفن إلى مسار التسامح بما يقتضيه هذا من تعدد دراسات الأديان والمذاهب والفرق، ومع أنه أجاد عرض وجهة نظره وانتصر في المناقشات الاعتراضية فقد فوجئ بما أمكنه تشخيصه على أن المناخ المتاح في الحوار الأميركي الإسلامي قد أصبح مناخ استعلاء إمبريالي حتى على الحق وحتى على مصلحة الأميركيين.

وقد اتضح له هذا بجلاء لا يقبل اللبس من تقرير هؤلاء بكل صراحة أن تعبير القيم الأميركية لا يعني الانتصار للديموقراطية مثلا وإنما يعني الانتصار للمصالح الأميركية على نحو ما يراها خبراء البنتاغون مع تغليف رؤيتهم بمصطلحات وتعبيرات كثيفة تعطي الإيحاء القوي بالانحياز الفعال للديموقراطية إذا ما كان هذا التغليف ممكنا، وإلا فإن تعبير المصالح الأميركية مع فجاجته وقسوته قادر على التكفل بإقناع كل سيناتور أميركي -مهما أبدى من مثاليات- قبل أن يتوجه لإقناع الرأي العام العالمي.

على هذا النحو كانت أطروحات صديقي تتوالى وتحدث التفاعل الصحي فتثبت له ردود أفعال وتعليقات النخبة الأميركية التي حاورته أن الأميركيين لا يعانون إرهابا ولا يعالجونه ولا يقصدون علاجه، وإنما هم حريصون على حضانته إن لم يكن على صناعته وإنتاجه.

وعلى صعيد آخر فقد كانت الميادين التي ارتادتها مناقشات الأميركيين كاشفة بكل وضوح عن رغبتهم في استمرار الاستثمار المجدي في مجال الحديث المتنامي عن الإرهاب.

كان الميدان الأول هو حرصهم على إظهار مهارتهم في استعراضهم السخيف لمذابح الأرمن مع احتقار ضمني للأرمن أنفسهم، و قد صدموا بأن سمعوا بأن رئيس وزراء مصر في القرن التاسع عشر كان أرمينيا عثمانيا. لكن هذا لم يهيئ لهم أية رغبة، ولو محدودة في مراجعة صلاحية بضاعة فاسدة أمسكوا بها أو عضوا عليها بالنواجذ كما يقول التعبير العربي.

وكان الميدان الثاني هو حرصهم الشديد على تضخيم الخلاف بين السنة والشيعة في كل جملة من جمل الحوار، مستندين إلى "تصويرات" بائدة في عرف الفكر الإسلامي والإنساني الراهن، و كأنهم وصلوا إلى النقطة الذروة فيما يعتبرونه مسرحية سقوط الإسلام على حسب تصورهم الدرامي المولع في لا معقوليته، والمبني على حوار ضعيف المنطق لكنه جديد الديكور والمؤثرات السمعية.

وكان من الواضح أن هذا المجال من المنتوجات المرتبطة بالإسهام في الاستثمار في الإرهاب صناعة وتجارة سيكون هو الميدان الأوسع في قابل الأيام.

وكان الميدان الثالث لمناقشات الأميركيين أو اختبارهم لصديقي هو مدى قبوله لمبدأ التعاون مع أعداء قوميين تقليديين "سابقين" من أجل إحراز النجاح في عملية مرحلية أو موضعية من عمليات مكافحة الإرهاب، وكان صديقي في نظر نفسه موفقا حين تعمد أن يتجاهل عبارات المجاملة، وأولويات المبدأ، وعبقرية الفهم الذي عبرت عنه عبارة تاريخية من طراز: "يا عمال العالم اتحدوا"، وذلك في مقابل أن يطرح على مناقشيه الأميركيين رؤية الشارع الإسلامي التي لا ترى ولن ترى في هذا التصرف إلا إعلانا صريحا بالعمالة المرفوضة لإسرائيل مع كل ما توحي به هذه العمالة من مشاعر التقزز الخلقي، وما تستدعيه من عواقب السقوط السياسي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة