فلسطين.. ذاكرة لا تموت ولا يصيبها النسيان   
الأحد 1429/5/21 هـ - الموافق 25/5/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:15 (مكة المكرمة)، 13:15 (غرينتش)


إبراهيم نصر الله

تشكل الرواية الإسرائيلية لقيام الدولة العنصرية التحدي الأكبر الذي يواجه القضية الفلسطينية على الصعيد الثقافي والإنساني والوطني، لأن هذه الرواية المحمية بالقوة وبالتواطؤ الغربي، لا تعبر عن خطر متفاقم يحيط بالأرض، بل بكل ما على هذه الأرض من معالم مادية حضارية وثقافية.

وذلك لأن احتلال الأرض يحمل في جوهره احتلالا للهواء واحتلالا للتراب واحتلالا لثقافة نمت وتطورت وغدت واحدة من أعمق الملامح التي تعبر عن حضارة الفلسطيني وامتداده في الزمان وتجذره في المكان.

ترصد وثيقة حديثة لوزارة الثقافة الفلسطينية حول الأوضاع الثقافية والعلمية في الأراضي الفلسطينية تلك الأخطار التي تتربص بالتراث الثقافي الفلسطيني و"دور الثقافة في الحفاظ على الهوية العربية: فلسطين نموذجًا".

"
وزارة الثقافة الفلسطينية أصدرت وثيقة ترى أن التراث الثقافي الفلسطيني هو روح المقاومة والصمود في الحاضر بكل تحدياته، وترى فيه حيوية المستقبل وتجليات إشراقه بحتمية إنهاء الاحتلال واستكمال معركة الاستقلال
"
وتشير بوضوح إلى ما يواجهه أبناء فلسطين من تحديات تهدد التراث الثقافي في القدس وفي المدن الفلسطينية الأخرى، وكذلك سرقة التراث الفلسطيني المادي والشفهي، ونفي الرواية الفلسطينية للمكان والزمان عبر المناهج التعليمية الإسرائيلية ووسائل الإعلام المسيطرة، وبواسطة فرض الرواية الاستبدالية الإحلالية على البرامج والمناهج التعليمية والتربوية والثقافية الفلسطينية عبر سلسلة من الضغوط التي تمارسها بعض الأطراف الدولية.

ويضاف إلى ذلك مساعي إسرائيل لفرض سياسة التجهيل على الشعب الفلسطيني من خلال منع أو عرقلة وصول الكتب والمراجع والموسوعات الحديثة إليه، بما فيها الكتب الجامعية ومن خلال الاعتداء المباشر على المؤسسات التعليمية والثقافية.

كما بيّنت ما تقوم به إسرائيل من تحويل للضفة الغربية وقطاع غزة إلى كنتونات وجزر مغلقة بواسطة جدار الفصل العنصري والضم والتوسع الاستيطاني وبمئات الحواجز العسكرية التي تقطع أوصال الأرض المحتلة كلها، مما أدى إلى عزل القدس عن بقية مدن الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب عزل الضفة كلها عن القطاع.

وخلصت الوثيقة إلى أن وزارة الثقافة ترى في التراث الثقافي الفلسطيني روح المقاومة والصمود في الحاضر بكل تحدياته، وترى فيه حيوية المستقبل وتجليات إشراقه بحتمية إنهاء الاحتلال والتخلص من الاستيطان واستكمال معركة الاستقلال وبناء دولة فلسطين وعاصمتها القدس.

والسؤال الذي لا بد منه هنا، هل وعى الفلسطيني هذا الخطر، وإلى أي مدى كانت الاستجابة؟

كان بن غوريون الزعيم الصهيوني يقول إن الفلسطينيين "سيموت كبارهم وينسى صغارهم"، وهو قول مفزع لا يمنح الزمن مهمة تنفيذ هذا الأمر وحده، بل يعني فيما يعني أن هذه الجملة التي أطلقها بن غوريون نبوءةً، هي في الحقيقة غير معزولة عن الممارسة العملية الصهيونية الرامية إلى إيصال هذه النبوءة إلى مداها الأقصى.

لكن أكثر من مائة سنة من الصراع المرير أثبت أن الفلسطيني الذي كبر ومات، لم يمت تماما، وأن الصغير الذي ولد لم ينس أبدا، وبهذا تحول الأمر إلى كابوس مستمر لاحتلال كلما قتل فلسطينيا وجد ذاكرة هذا الفلسطيني تنتظره عند زاوية أخرى من الطريق.

ولا شك أن الأدب الفلسطيني لعب الدور الأكبر في تأسيس الهوية الروحية للشعب الفلسطيني أكثر من أي حقل آخر، بل استطاع هذا الأدب أن يحتضن أعمق ما في الروح الفلسطينية من أبعاد وأن يعيد إحياءها أو يواصل حمايتها عاما بعد عام.

"
أكثر من مائة سنة من الصراع المرير أثبت أن الفلسطيني الذي كبر ومات لم يمت تماما، وأن الصغير الذي ولد لم ينس أبدا، وبهذا تحول الأمر إلى كابوس مستمر لاحتلال كلما قتل فلسطينيا وجد ذاكرة هذا الفلسطيني تنتظره عند زاوية أخرى من الطريق
"

وبهذا الأدب الذي تشكل تياره الحديث في الوطن المحتل والمنافي استطاع الفلسطيني أن يحول النص إلى أرض فعلية، أرض لروحه وأرض لفكرة بقائه واستمراره.

لكن ما تشكل بعد النكبة كان يملك جذوره الأقوى في الشعر الفلسطيني الذي كُتب في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، حيث بدا الشعراء في ذلك الزمان وقبله أيضا، حمَلة مشاعل التنوير والنقد والنقد الذاتي والوعي الاجتماعي والسياسي على نحو لم يتمثل سوى في نصوص عدد قليل من حملة الأقلام قبل ذلك الزمان.

 ولعل مكانة الشعر ساهمت إلى حد بعيد في ذلك، بحيث يمكننا القول إن الشعر الفلسطيني في تلك الفترة كان ديوان الفلسطينيين حقا، وروايتهم الكبيرة وكتاب وعيهم المفتوح على الرياح المحدقة بالقضية من كل مكان.

لكن الحكاية الفلسطينية التي حوصرت ببائعي الأحلام والطمأنات خلال الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936، ووهم جيوش الإنقاذ عام النكبة، كان لا بد أن يعي أصحابها المأزق الذي لم يزل الفلسطيني يعانيه حتى اليوم، ونعني به تواطؤ النظام العربي.

فقد تم ترحيل الحكاية الفلسطينية من إطارها الخاص الراهن الواقعي إلى فكرة تستعير أمجاد الماضي دون أن تدري أنها بذلك تفرغ الحاضر من معناه، وبدا القول بأمجاد عربية قديمة استعاضة عن واقع مهزوم لا تستطيع هذه الأمجاد تقديم شيء له في تلك الأيام، سوى أن ترفعه عن الأرض ليغدو أثيريا لا علاج له إلا بالماضي الذي لا يستطيع بعثه للحياة من جديد إلا وهما.

من هنا جاءت الأهمية الكبرى لأدب فلسطيني جديد كان في طليعته أدب المقاومة الذي أعاد تسمية الأشياء بمسمياتها، وأعاد الصراع إلى الأرض بعدما أقصي عنها، وأعاد الفلسطيني لجوهر قضيته بعد أن تم تعميمها.

وحين عادت القضية لتفاصيلها عاد لها معناها الأول، معناها الحقيقي بعد أن قُذفت إلى معنى لا قامة له وإلى مستقبل لا يمكن الوصول إليه بقدمين مبتورتين.

وقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين حركة واسعة في حماية الثقافة الفلسطينية والتراث الفلسطيني مع تزايد الوعي لدى الفلسطيني بأن من يسرق الأرض لا يمكن أن ينجح في ذلك إلا إذا سرق كل ما عليها.

وقد ظهرت حركة جديدة علمية كان رائدها الأول الدكتور توفيق كنعان الذي تخرج من الجامعة الأميركية في بيروت طبيبا عام 1905، واشتهر بوصفه أقدم طبيب عربي في مدينة القدس، كما تشير الموسوعة الفلسطينية، وقد أعانته إجادته ست لغات أجنبية على كتابة بحوث على درجة بالغة الأهمية في المجالات الثقافية والفولكلورية، كتب معظمها بالإنجليزية والألمانية وترجمت إلى العربية.

"
النصف الثاني من القرن العشرين شهد حركة واسعة في حماية الثقافة الفلسطينية والتراث الفلسطيني, مع تزايد الوعي لدى الفلسطيني بأن من يسرق الأرض لا يمكن أن ينجح في ذلك إلا إذا سرق كل ما عليها
"
وتميزت أعماله بالدقة العلمية وبأنها ثمرة عمل ميداني لا يرقى إليه الشك, ومن أبرز أعماله دراسات عن المزارات والأولياء في فلسطين، البيت الشعبي، المعتقدات الشعبية، المعتقدات حول الماء والآبار والينابيع والأواني السحرية، الجن والأرواح، النور والظلام، فولكلور النبات في فلسطين.

وقد جاء بعده عدد من الباحثين الذين عملوا على دراسة التراث الشعبي الفلسطيني وأصدروا عشرات الكتب المهمة ومن بينهم: تودد عبد الهادي التي عملت على جمع الحكايات الشعبية الفلسطينية، وكذلك عمر الساريسي، ونمر سرحان، وإبراهيم مهوي، وشريف كناعنة، وعلي الخليلي، ووليد ربيع.

وقد شكل ظهور مجلة التراث والمجتمع التي أصدرتها جمعية إنعاش الأسرة، لجنة الأبحاث الاجتماعية والتراث الشعبي الفلسطيني في البيرة بالضفة الغربية، اندفاعة استثنائية في هذا المجال، ولعل أعداد هذه المجلة التي واجهت الكثير من المصاعب في صدورها، لعل أعدادها هذه أهم وثيقة علمية عن التراث الشعبي الفلسطيني، حيث تشكل بمجملها أهم موسوعة عربية في هذا المجال.

كما يمكننا هنا أن نتحدث عن الدور الكبير الذي لعبته السير الذاتية الفلسطينية في حماية الموروث الثقافي الفلسطيني بدءا من مذكرات الكبير نجيب نصار، مرورا بما كتبه عارف العارف ومحمد عزت دروزة وخليل السكاكيني وأكرم زعيتر وصولا إلى السير الحديثة التي كتبها إدوارد سعيد، وفدوى طوقان، وإحسان عباس، وجبرا إبراهيم جبرا، وهشام شرابي، وأنيس صايغ، وفيصل الحوراني، ومحمود شقير، وفاروق وادي، ومريد البرغوثي، وعلي الخليلي، ومحمد القيسي، وعائشة عودة، وحنا أبو حنا، ومذكرات واصف جوهرية، ووليد الخالدي الذي قدم كتابا مذهلا "قبل الشتات"، وسواهم.

وكذلك الكتب التي خصصت لدراسة الجوانب الاجتماعية والتاريخية والتراثية لمدن بعينها أو قرى بعينها وهناك نماذج باهرة في هذا المجال مثل "يافا عطر مدينة" لامتياز ذياب، قرية "ترمسعيا" لوليد ربيع وعبد العزيز أبو هدبا وعمر حمدان ومحمد علي أحمد.

والأعمال الكبيرة التي أصدرتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية ولم تزل تواصل العمل على إصدارها وما قامت به الدائرة الثقافية في منظمة التحرير الفلسطينية حين أصدرت سلسلة مدن فلسطينية.

إن هذا الجانب من الجهد الفلسطيني الجماعي والفردي بمثابة سجل عظيم لتاريخ وروح هذا الشعب الذي لم يمت كباره ولم ينس صغاره.
ـــــــــــــ
أديب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة