عنف الجماعات الإسلامية في العراق.. هل يكون الأخير؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ إبراهيم غرايبة

- من أفغانستان إلى العراق
- الدول الهشة مدخلا للعنف
- العراق وموجة العنف الأخيرة
- الدور الأميركي في العنف
- هل تنحسر موجة العنف؟

شهدت الفترة الأخيرة مجموعة من أحداث العنف المسلح في الأردن والسعودية وتركيا وسوريا نفذتها مجموعات تتخذ من العراق مقرا لها، فهل سيكون العراق بعد أفغانستان مركزا جديدا لإنتاج الجماعات الإسلامية المتطرفة وإيوائها وتصديرها إلى المنطقة؟ وهل أفاد منفذو هذه العمليات من حالة الفوضى في العراق أم أن السياسات الأميركية في العراق والمنطقة تشجع على العنف والتطرف؟ وهل تكشف العمليات في طبيعتها وأهدافها تحولا كبيرا يظهر حالة الإحباط واليأس التي تعاني منها مجموعات العنف والتطرف؟

من أفغانستان إلى العراق
بعد انتهاء أفغانستان كقاعدة للجماعات الإسلامية المسلحة ظهرت مجموعات مسلحة تقوم بعمليات ضد أهداف أميركية، ثم تطورت إلى عمليات تستهدف أجهزة الحكومات وإداراتها الأمنية والسياسية، وقد اعتمدت في اختيار قواعد لها على ظروف جغرافية سياسية واقتصادية للدول التي نشطت فيها، ولا يبدو أنها قائمة على استهداف سياسات هذه الدول أو أنها تسعى لإسقاطها أو الضغط عليها على نحو مباشر.

ويمكن تصنيف هذه الدول التي كانت مسرحا لعمليات مسلحة كما يلي، دول يوجد فيها أنصار ومؤيدون، مثل أوروبا وأميركا والسعودية واليمن، ودول ذات أنظمة سياسية واقتصادية وظروف تسمح بالمرور والإقامة والتخفي لأسباب مختلفة، مثل الدول الأفريقية وشرق آسيا واليمن، ودول يمكن التسلل إليها لأسباب جغرافية سياسية، مثل الأردن والسعودية وتركيا.

الدول الهشة مدخلا للعنف

في أجواء الفوضى وضعف الرقابة القانونية واتساع المساحة الجغرافية وصعوبتها تقوم المنظمات المتطرفة بتحريك الرجال والأسلحة والأموال إلى مناطق شتى في العالم
أظهرت دراسة لمعهد بروكنز للسياسات العامة نشرت في فبراير/ شباط 2003 أن
الدول التي تعاني من أزمات اقتصادية وسياسية كانت على الدوام مقرا للجماعات المسلحة والمتطرفة، مثل الصومال ووسط أفريقيا والفلبين، ما يعني أن التهديد الحقيقي للولايات المتحدة مستمد من الفقر والحرمان والحروب والنزاعات الأهلية التي تؤدي إلى الكراهية والفوضى واليأس والإحباط.

فقد كانت الصومال وكينيا وأفغانستان وباكستان والفلبين وإندونيسيا واليمن مسرحا لعمليات استهدفت الولايات المتحدة الأميركية أو مقرا للمجموعات والخلايا المعادية لها، وقد تحتمي هذه المجموعات بظروفها الجغرافية الصعبة أو ضعف الحكومات والأنظمة القانونية وإن لم تنفذ فيها عمليات عسكرية، مثل نيجيريا وسيراليون وساحل العاج وليبيريا.

ففي أجواء الفوضى وضعف الرقابة القانونية واتساع المساحة الجغرافية وصعوبتها تقوم المنظمات بتحريك الرجال والأسلحة والأموال إلى مناطق شتى في العالم. كما تقوم بتهريب الثروات والمصادر الثمينة كالألماس والأفيون وغير ذلك من أجل تمويل عملياتها، وقد تلجأ هذه المنظمات أيضا إلى تجنيد السكان المحليين مستغلة حالة الظلم الديني أو العرقي.

وكانت السياسات الأميركية تجاه دول هذه المنطقة والقائمة على تقديم الدعم العسكري والفني للحكومات والأنظمة السياسية التي لا تعود بنفع اقتصادي وتنموي على الشعوب والمجتمعات أسباب مباشرة في تغذية الكراهية وتعميق الصراع الداخلي والإقليمي، وتكاد تكون السياسة الأميركية تهدف بالفعل إلى خلق النزاعات والفوضى أكثر مما تهدف إلى الإصلاح والمعونة.

فالأهداف والإستراتيجيات والأدوات التي حددتها الإستراتيجية الأميركية للشراكة والتعاون مع دول العالم لا تنطبق على الدول الفقيرة في أفريقيا ولا تفيد منها شيئا يذكر، ولم تدخل أي من هذه الدول في ما سمي قانون الفرص والنمو في أفريقيا، ولم يقدم لها سوى فرص بتصدير كميات قليلة من المنتجات الزراعية والمعادن والسلع الخفيفة إلى الولايات المتحدة.

وكان التدخل الأميركي في النزاعات القائمة يؤدي إلى مزيد من الانحياز والصراع ومن ثم الفوضى والكراهية، ولم تكن الجهود الدبلوماسية الأميركية لحل النزاعات والتوسط فيها نزيهة ولا جدية.

ويبدو أن واشنطن قد أسقطت من حساباتها تماما التحديات المرتبطة بمرحلة ما بعد النزاع في بعض الدول مثل هاييتي وأنغولا وسيراليون، مثل عملية بناء الدولة، وإعادة دمج المحاربين وتدريبهم، إلى بناء المؤسسات.

وتقترح الدراسة في النهاية تقديم عمليات تمويل واسعة في هذه الدول ستعود في النهاية بمنافع أمنية وتجارية على الولايات المتحدة، خاصة في الدول المنتجة للنفط مثل أنغولا والكونغو والسودان.

وربما يمكن في ضوء هذه الدراسة وغيرها تفسير المبادرة الأميركية للإصلاح في الشرق الأوسط الكبير (الدول العربية وتركيا وباكستان وإيران) التي طورت إلى مبادرة الدول الثماني.

العراق وموجة العنف الأخيرة
يمكن إحصاء أكثر من 12 حادثا في المملكة العربية السعودية منذ الاحتلال الأميركي للعراق، وهو عدد يفوق جميع أحداث العنف السياسي التي وقعت في السعودية منذ العام 1979، وكشفت الأجهزة الأمنية الأردنية عن عمليات كان يخطط لها في عمان أعدت لها مجموعة عملت في العراق، ونقلت سيارات مفخخة وأموال من العراق، ويقودها الأردني أبو مصعب الزرقاوي الذي يقال إنه مقيم في العراق، ويقود من هناك ويخطط لعمليات عنف في العراق والدول المحيطة، ووقعت أيضا بعد الاحتلال الأميركي عمليات عنف في تركيا استهدفت بنوكا ومؤسسات أوروبية ويهودية، ووقعت عملية في سوريا لم تتوافر عنها معلومات كافية بعد.

وهي عمليات ينطبق عليها في التحليل مدخل الفوضى والكراهية التي حدثت في العراق بعد الاحتلال الأميركي، فالدول المحيطة بالعراق بدأت تواجه صعوبات في السيطرة على حدودها مع العراق، ولا توجد سلطة حقيقية وفاعلة في العراق للتنسيق معها في ضبط الحدود وتبادل المعلومات، ولا تتعاون الإدارة الأميركية في ذلك بشيء، ولا تبدي اهتماما وجدية في إدارة الحدود على نحو يمنع تهريب الأسلحة والممنوعات والانتقال غير القانوني.

وقد شكا مسؤولون أردنيون من عدم تعاون الإدارة الأميركية في مراقبة الحدود، وألمحوا إلى مسؤولية الأميركيين عن تسرب الناس والأسلحة والسيارات عبر الحدود الأردنية العراقية.


السياسات الأميركية في العراق بعد الاحتلال أصبحت بمثابة مصدر للتطرف والحقد والعداوة العميقة طويلة الأمد بين العرب والمسلمين من جانب والولايات المتحدة والغرب من جانب آخر
ويقدم العراق في ظروفه الجغرافية والعامة بيئة مناسبة للتخفي والحصول على السلاح والتدريب عليه، فالسلاح متوافر بكميات كبيرة جدا، وتعم العراق حالة من الفوضى وغياب الإدارة والضبط القانوني، ولا يبدو أن ثمة رغبة أو شغلا حقيقيا بإدارة الأوضاع الأمنية في العراق.

وربما تنشأ عصابات مافيا إقليمية ودولية على غرار العصابات الروسية التي نشأت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فلا بد أن استعداء الملايين وتسريح مئات الآلاف من العسكريين الذين يملكون المال والمعلومات الاستخبارية الهائلة والتدريب والخبرة المتقدمة وتحويلهم قسرا إلى خارجين على القانون ومتمردين والعمل على اجتثاثهم، بل وتشكيل هيئة عليا تسمى هيئة اجتثاث البعث، كل ذلك وغيره سيؤدي إلى نشوء مجموعات وعصابات مقاتلة ومدربة وذات خبرات واسعة، وسيكون من الصعب السيطرة عليها وتفكيكها، وربما تسيطر في المستقبل على الحكم والاقتصاد، وتخترق المؤسسات السياسية والاقتصادية في العراق، وقد يمتد نشاطها إلى الدول المحيطة بالعراق وجميع أنحاء العالم.

وكانت السياسات الأميركية في العراق بعد الاحتلال التي تجاهلت العالم والعراقيين، ونفذت عمليات تعذيب وحشية ومخزية يندى لها جبين الإنسانية مصدرا للتطرف والحقد والعداوة طويلة الأمد والعميقة بين العرب والمسلمين وبين الولايات المتحدة الأميركية والغرب.

الدور الأميركي في العنف
هل هي مصادفة أن تتعرض الدول الرئيسية المنتجة للنفط لتحديات أمنية وسياسية، العراق والسعودية ونيجيريا والجزائر وفنزويلا وإيران؟ وهل كانت السياسات الأميركية منذ منتصف التسعينيات في التعامل مع الجماعات الإسلامية قائمة بالفعل على منع العنف والإرهاب والتطرف؟ أم أنها ساعدت على زيادته؟ وهل أدت عمليات المواجهة والمطاردة التي جرت في أفغانستان والاعتقالات المصحوبة بالمجازر الوحشية في أفغانستان وغوانتنامو إلى انحسار أو تراجع العنف والتطرف أم زيادته؟ وهل كان احتلال العراق مرتبطا على نحو مباشر أو غير مباشر بمواجهة التطرف والعنف والإرهاب؟

لا تشير أي من السياسات والعمليات الأميركية الجارية في المنطقة والعالم إلى عمليات جدية وحقيقية لمواجهة الإرهاب أو الحد منه، بل على العكس فقد تزايدت العمليات المسلحة والإرهابية حول العالم، واتجهت وجهة أكثر عشوائية ووحشية وعدائية مع العالم كله، وكل ما فعلته الولايات المتحدة (عن تخطيط واع ومسبق) هو تقديم الدوافع والفرص للعمليات الإرهابية والعنف والكراهية في الدول المنتجة للنفط بخاصة.

ولا يبدو في الأفق ثمة اتجاه حقيقي للإصلاح، ويبدو أن فرصة الولايات المتحدة في الهيمنة على النفط وتحريك قواتها العسكرية في العالم تعتمد على الفوضى والإرهاب، ومن دونهما فإنها ستكون متضررة، أو تنحسر مواقفها القيادية في الشراكة العالمية، فقد أدت سياساتها في العراق إلى استبعاد دول العالم الكبرى والمؤثرة في التخطيط العالمي، وهمشت تماما منظمة الأمم المتحدة.

هل تنحسر موجة العنف؟
أميل شخصيا إلى تقدير أن موجة العنف ستشهد انحسارا يقترب من النهاية، وربما يكون العام 2004 هو العام الأخير في موجة العنف المنتسب إلى الإسلام التي بدأت في أوائل التسعينيات، وتحديدا في عملية تفجير مركز التجارة العالمي عام 1993، التي ظهر بوضوح أن جهاز الأمن الفدرالي الأميركي (FBI) قد خطط لها بالكامل ونسق تنفيذها بواسطة عماد سالم، العميل الأميركي المزروع في مجموعة الجهاد الإسلامي الذي قدم في المحكمة باعتباره عميلا للاستخبارات الأميركية والشاهد الرئيس الذي خطط للعملية وقدم في المحكمة اعترافات كاملة وموثقة.

ومن الأسباب والمؤشرات التي تخدم هذا الافتراض:

1- نشوء تحديات جديدة للولايات المتحدة الأميركية في قيادة العالم واستمرار تفوقها الاقتصادي والتقني ناشئة من الصعود الصيني والاتحاد الأوروبي اللذين سيشكلان في العقد القادم تحديا جديا وخطيرا للولايات المتحدة الأميركية يهدد مركزها واستمرار تفردها بقيادة العالم والهيمنة عليه.

فالاقتصاد الصيني سوف يتجاوز الاقتصاد الأميركي بمراحل، ويزيد العجز الأميركي اليوم في الميزان التجاري الأميركي الصيني على مائة مليار دولار، ويطور الاتحاد الأوروبي من قدراته العسكرية والاقتصادية وأدواته السياسية على نحو يبدو واضحا أنه ينافس ويزيح الولايات المتحدة، وقد دخلت الولايات المتحدة في عداء مستحكم مع فرنسا وألمانيا، وفي عمليات عسكرية أقرب إلى المواجهة العسكرية مع فرنسا في أفريقيا، ولوحظ ذلك أيضا في نتائج الانتخابات الإسبانية التي عصفت بالحكومة المؤيدة للولايات المتحدة، وإلى انسحاب فوري للقوات الإسبانية من العراق.

2- التحولات العالمية الكبرى والقائمة على تقنيات المعلوماتية والاتصال واقتصاد المعرفة تقلل كثيرا من احتكار الولايات المتحدة للمعلومات وتداولها، وتشكل حالة فكرية وثقافية جديدة ستجبر الولايات المتحدة على سياسات جديدة قائمة على التعامل مع شعوب العالم ومجتمعاتها وليس مع الحكومات والأنظمة السياسية الاستبدادية والمعادية لشعوبها.


موجة العنف ستشهد انحسارا يقترب من النهاية، وربما يكون هذا العام هو الأخير في موجة العنف المنتسب إلى الإسلام
وكانت المبادرة الأميركية للإصلاح ثم مبادرة الدول الثماني البديلة لها تأسيسا لمرحلة جديدة في التعامل مع الدول والمجتمعات والأنظمة قائمة على احترام رغبة الشعوب والمجتمعات وحقها في اختيار الحكومات المعبرة عن تطلعاتها ومصالحها، وهي تقتضي بالضرورة حالة جديدة من التعاون والتفاهم تستبعد بالتأكيد أساليب العمل الاحتلالية والعدائية.

3- حالة الوعي المتنامي بين شعوب العالم التي تميل إلى التشكيك في وجود تهديد حقيقي للإرهاب على الولايات المتحدة ومصالحها، والمصحوبة أيضا بحالة عداء كبير للولايات المتحدة لن تفيد في مواجهته الإجراءات الأمنية والعسكرية الطويلة والمعقدة والمكلفة جدا، التي ستؤدي حتما إلى تعديل سياسات الولايات المتحدة لتكون قائمة على التعاون والتفاهم مع العالم والتقرب إلى الشعوب وليس معاداتها ومحاولة قهرها، فقد أثبتت هذه الإستراتيجية للولايات المتحدة قبل غيرها أنها تعرضها للاستنزاف والعزلة والانحسار.

4- حالة الحوار والتعاون الممكنة مع الحركات الإسلامية المعتدلة التي بدأت بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول بعكس ما تبدي الانطباعات والمظاهر الأولية من استنتاج، فقد دخلت الولايات المتحدة في حوار شامل مع الحركات الإسلامية وفي عمليات تعاون وتنسيق معها في الحكم والإدارة كما في أفغانستان والعراق وتركيا والسودان.
ــــــــــــــــــ
كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة