الحرب الإعلامية بين إيران وأميرکا وآفاقها المستقبلية   
الاثنين 1429/7/19 هـ - الموافق 21/7/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:08 (مكة المكرمة)، 7:08 (غرينتش)


حسين رويوران

- خيار الحرب صعب
- خيار الحرب مستبعد
- الرسائل الإيرانية
- أرضية مشتركة

الحرب الإعلامية الأميركية ضد إيران والتهديد بمهاجمتها عسكريا علی خلفية الملف النووي الإيراني، ورفض إيران مبدأ تجميد تخصيب اليورانيوم کمقدمة للدخول في أي حوار ثنائي وصل في الآونة الأخيرة إلی مستويات قياسية لم يسبق أن وصل إليها.

ولهذا بدأ البعض بطرح السيناريوهات المحتملة لهذه الأزمة بعد استعراض ظروف الطرفين داخليا وإقليميا ودوليا.

البعض يری أن شدة الحرب الإعلامية والنفسية تهدف في نهاية المطاف إلى التسريع بحل سياسی للأزمة، وتطرح موضوع تلازم عرض رزمة الحوافز الغربية علی إيران مع التصعيد الكلامي الأخير کشاهد علی هذا الادعاء.

فالدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن مع ألمانيا تحاول ومن خلال مجموعة کبيرة من الحوافز الاقتصادية والسياسية دفع إيران إلى طاولة المفاوضات، ولكن إيران لم تغير موقفها لحد الآن بشكل كبير، وما زالت تقاوم وتصر علی حقها فی امتلاك الدورة الكاملة لتخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية.

وهذا ما يراه الغرب -من خلال نظرية المؤامرة- أمرا مرفوضا وخطوة أولى باتجاه امتلاك إيران للسلاح النووي.

"
توجد أكثرية في الإدارة الأميركية تعارض خيار الحرب وتعتبره خيارا مرفوضا أو لا تعده الخيار الأول في الوقت الحاضر علی الأقل
"
خيار الحرب صعب

الحل السياسي لهذه الأزمة مع أنه ما زال مستمرا منذ عدة سنوات لم يكن موفقا في حل رموزها رغم استمرار الزيارات المكوكية التي قام بها خافيير سولانا منسق العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي وتجديد العروض مع توسيع دائرة الحوافز.

هذه الظروف دفعت أميركا المهتم الأول بهذه الأزمة إلى التأكيد علی أن خيار الحرب ما زال علی الطاولة إلى جانب الخيارات الدبلوماسية الأخرى، کما جاء مرات متتالية علی لسان رئيس الولايات المتحدة الأميركية جورج بوش.

وهذا السلوك طرح سؤالا كبيرا ومهما وهو هل أن التلويح بالخيار العسكري يتم للضغط علی إيران للقبول بالمبادرات السياسة أم أنه تهديد حقيقي يمكن أن يترجم في أي لحظة إلى برنامج عمل حربي ضد إيران؟

الإجابة علی هذا السؤال أو مقاربته کفيل بكشف طلاسم هذه المعادلة المعقدة واستشراف ما يمکن أن يحدث في المستقبل القريب في منطقة الشرق الأوسط ناهيك عن تأثيراته المباشرة علی العلاقة الإيرانية الأميركية.

اتخاذ خيار الحرب في الجانب الأميركي ليس خيارا سهلا سواء علی مستوی اتخاذ القرار أو تنفيذه، لأن المسؤولين الأميركيين منقسمون علی أنفسهم في هذا الجانب بعكس ما عليه الحال في إيران حيث تصطف کل القوی السياسية للدفاع عن حق إيران النووي رغم بعض التحفظات التي تطرح من قبل القوی الإصلاحية علی خطاب أحمدي نجاد التحريضي.

فنائب الرئيس الأميركي ديك تشيني وخلفه اللوبي الصهيوني الموالي لشن الحرب على إيران ليس إلا أقلية في الإدارة الأميركية التي لا تتمتع بقاعدة تسمح لها بجر الولايات المتحدة إلى مغامرات غير محسوبة العواقب.

إلى جانب ذلك توجد أكثرية في الإدارة الأميركية تعارض خيار الحرب وتعتبره خيارا مرفوضا أو ليس الخيار الأول في الوقت الحاضر علی الأقل، وهذا التيار يضم الكثير من العسكريين وقيادات المخابرات المركزية وجل التيار الديمقراطي وجزأ لا يستهان به من الحزب الجمهوری الحاكم نفسه.

فالأدميرال وليام فالون الذي ترأس حتى وقت قريب القيادة الأميركية الوسطی وتحمل مسؤولية القوات الأميركية في العراق وأفغانستان أعلن بوضوح أن الخيار العسكري غير مطروح حاليا أو أنه ليس الخيار الأول من وجهة نظر عسكرية.

والكثير من العسكريين الأميركيين هم علی شاكلة فالون الفكرية وما زالوا يجاهرون بأفكارهم هذه.

عناصر الاستخبارات الأميركية أيضا تری أن هناك خيارات كثيرة لتغيير سلوك النظام السياسي في إيران غير الحرب، کتمويل بعض الحركات السياسية الإيرانية المعارضة القومية أو الطائفية، والضغط داخليا علی النظام الإيراني.

وقد تكون مقالة سيمور هيرش -التي نشرت أخيرا في مجلة نيويوركر تحت عنوان "تهيئة ساحة الحرب" وأثارت ردود فعل كبيرة- إحدى الشواهد التي تؤيد أن أميركا رصدت مئات الملايين لزعزعة الاستقرار في إيران عبر أنشطة سرية، ودعم للأقليات المنشقة عن الحكومة في طهران.

الرأي العام الشعبی في الولايات المتحدة أيضا غير مستعد إلى حد الآن لتورط أميركي في حرب جديدة غير محسومة النتائج، خاصة أن استطلاعات مؤسسة غالوب في نوفمبر السابق تشير إلى أن 73% ممن استطلعت آراؤهم يعتقدون أن علی الولايات المتحدة أن تلجأ إلى الطرق الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية لوقف البرنامج النووي الإيراني، في حين أن 18% فقط فضلوا العمل العسكري المباشر.

وهذا الوضع قد يكون تغير أکثر ضد مبدأ الحرب الآن بعد أن قام مكتب المخابرات القومي الأميركي بنشر تقريره الذی أعلن فيه أن البرنامج النووي العسكري الإيراني قد توقف منذ عام 2003 حسب زعمه.

"
حظوظ تكرار ما حدث في العراق من القيام بحرب علی أساس كذبة كبری غير ممكن في الوقت الحاضر ناهيك عن أن إيران مختلفة عن العراق بشكل كبير جدا
"
خيار الحرب مستبعد

في إيران أيضا هناك استبعاد لاحتمالات الحرب علی مستوی المسؤولين السياسيين الذين يعتقدون أن أميركا ليست في وضع يسمح لها بالدخول في حرب جديدة، خاصة أنها لم تحسم المعارك السابقة في أفغانستان والعراق، وأنها ما زالت تواجه مقاومة شرسة ومتزايدة خاصة في أفغانستان.

رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران أعلن قبل أيام فی مقابلة خاصة للتلفزيون الإيراني أن احتمالات الحرب تكاد تقارب الصفر وأن الجهود الدبلوماسية کفيلة بحل الأزمة، وأن إيران علی استعداد تام لبدء مفاوضات سياسية مباشرة مع أميركا لحل کل الأزمات القائمة فيما بينهما علی أساس من التكافؤ والندية وبعيدا عن لغة الإملاءات والتهديد.

وعموما فالقراءة السياسية في إيران لمجريات الأحداث لا يمكن أن تقر احتمالات الحرب علی اعتبار أن إيران ما زالت متعاونة مع الوکالة الدولية للطاقة الذرية، وأن تقارير هذه الوكالة المتتالية لم تشر من قريب ولا من بعيد إلى أنها رصدت أي انحراف في البرنامج النووي الإيراني.

إضافة إلى ذلك فإن حظوظ تكرار ما حدث في العراق من القيام بحرب علی أساس كذبة كبری غير ممكنة في الوقت الحاضر ناهيك عن أن إيران مختلفة عن العراق بشكل كبير جدا.

فأي عمل عسكري ضد إيران سيواجه بردود فعل تتعدی الرد الرسمی من قبل الحكومة الإيرانية مباشرة، لأن إيران لها موقع خاص علی مستويات متعددة في العالم الإسلامي وعلی المستوى الإقليمي وعلی مستوی تيار المقاومة والممانعة في الشرق الأوسط وعلی المستوی الشيعي.

وتفاعل ردود الفعل في کل هذه المستويات يمکن أن يربك الولايات المتحدة بشكل كبير ويغرقها في المستنقع الإسلامي.

وإذا كان العالم الإسلامي خاصة علی المستوی الرسمی بقي متفرجا علی ما حدث في العراق فيما مضی، فإن الشعوب الإسلامية لا يمكن أن تكرر هذا المشهد إزاء أي تعرض عسكري أميركي لإيران فی ضوء التداعيات الخطيرة والكلفه الكبيرة التی تم دفعها.

مقولة المستشار السابق للرئيس الأميركي جيمي كارتر، زبيغنيو برجنسكي المنضم حديثا إلى مستشاري المرشح الديمقراطي أوباما تظهر حجم المخاطر المحتملة المترتبة علی أي مغامرة عسكرية ضد إيران.

ففي مقاله الأخير في صحيفة واشنطن بوست قال بأن الحرب علی العراق أدخلت أميركا في أزمة کبيرة، ولكن من خلال إدارة جيدة للأزمة يمكن إعادة الاعتبار لها في حين أن الحرب على إيران ستسقط أميركا إلى الأبد ولن يكون هناك مجال لاستدراك الأمر والعودة إلى ما كانت أميركا عليه سابقا.

الرسائل الإيرانية
القراءة العسكرية في إيران مختلفة كثيرا عن القراءة السياسية علی أساس أن الحرب عادة لا تبدأ في موعد واضح بل تأتي مباغتة.

وطبيعة العمل العسكري المباغت يفترض الأخذ بأسوأ الاحتمالات واعتماد الظن أکثر من الوقائع الميدانية التي تحدث علی الأرض كمعطيات للتحليل والاستنتاج.

"
الرسائل العسكرية الإيرانية مختلفة في فحواها وتحاول خلق مناخ ردعي يمنع احتمالات الحرب إن لم نقل حسم الأمور قبل أن تبدأ
"
وعلی هذا الأساس نری أن الرسائل العسكرية الإيرانية مختلفة في فحواها وتحاول خلق مناخ ردعي يمنع احتمالات الحرب إن لم نقل حسم الأمور قبل أن تبدأ.

تنفيذ المناورات الإيرانية الأخيرة بعد أقل من أربعة وعشرين ساعة من المناورات الأميركية الإنجليزية المشتركة في منطقة الخليج لها دلالات واسعة في الحرب النفسية والإعلامية الأميركية ضد إيران.

فإقامة المناورات وبفارق سويعات عن سالفتها يكشف عن مدی جهوزية إيران العسكرية برا وبحرا في الرد علی أي عدوان محتمل عليها، خاصة أن التحضير للمناورات عادة ما يستغرق وقتا طويلا ولا يتم بقرار فوري.

الأسلحة المستعملة في هذه المناورات أيضا تحمل رسائل متعددة ودلالات واسعة علی جدية إيران فی الرد علی أي عدوان من أي طرف جاء.

فصواريخ شهاب 3 التي استعملت في هذه المناورات كانت جميعا مجهزة برؤوس حربية بخلاف کل المناورات التي تحدث في إيران وخارجها.

فالأسلحة المستخدمة في المناورات وخاصة الصاروخية عادة ما تکون مجردة من رؤوسها الحربية، ويحسب مداها ودقتها الحقيقيين علی أساس معادلات رياضية في حين أن الحرس الثوري الإيراني (الباسداران) غير هذه القاعدة في المناورات الأخيرة، وهذا السلوك كان محط اهتمام مراکز البحث الإستراتيجي الغربية التي أجمعت علی أن هذا السلوك يعكس جدية الرد العسكري الإيراني علی أي هجوم محتمل عليها.

الاختبار المتزامن للصواريخ البحرية من نوع الصواريخ تحت الماء التي تستهدف القطع البحرية المعادية من أعماق المياه يعتبر أيضا مفاجأة جديدة، إذ لم يسبق لإيران أن عرضت أو اختبرت أسلحة كهذه في مناوراتها العسكرية البحرية المتكررة.

اختبار هذه الأسلحة في المناورات الأخيرة حمل رسالة مهمة، وهي أن کل الأهداف البرية والبحرية الأميركية في المنطقة يمكن أن تكون هدفا محتملا للرد الإيراني والتواجد الأميركي في المنطقة هو في الأساس بري وبحري.

هذا السلوك الإيراني يكشف عن حقيقة مهمة وهي أن أي حرب أميركية على إيران لا يمكن أن تكون نزهة ولا مشابهة لما حدث في أفغانستان أو العراق، بل ستطول وتتسع دائرة الفعل ورد الفعل وستكون الحرب مكلفة للطرفين بشكل كبير خاصة أن النفس الإيراني في الأمور المصيرية طويل جدا.

فالحرب العراقية الإيرانية في عقد الثمانينيات امتدت ثماني سنوات، واعتبرت أطول حرب في القرن العشرين، وهي ما زالت ماثلة للعيان وتعكس الإصرار الإيراني على الرد علی أي عدوان خارجي مهما كان حجمه.

واستحضار هذا المشهد التاريخي يؤكد الكلفة العالية لأي حرب مستقبلية محتملة.

أرضية مشتركة
هذا الواقع انعكس بشکل كبير علی سلوك طرفي النزاع بعدم إغلاق باب التفاوض السياسي والتأكيد علی أنه الخيار الأول لدى كلا الطرفين.

وظهور مرونة کبيرة في الاتجاه التفاوضي من خلال طرح رزمة الحوافز الأوروبية علی إيران، وقيام إيران مقابل ذلك ببلورة رزمة حوافز تم عرضها علی الجانب الغربي يشكل خطوة مهمة في تفعيل الاتجاه التفاوضي وإيجاد حل سياسي لهذه الأزمة.

مرونة الطرف الأوروبي في رزمة الحوافز الأخيرة التی عرضت علی طهران والتخلي عن الإصرار علی مبدأ تجميد تخصيب اليورانيوم كمقدمة لاستئناف المفاوضات من دون إسقاطها من أجندة المفاوضات أوجد مساحة مشتركة أكبر للتفاوض مع الجانب الإيراني ودفع المسؤولين الإيرانيين باتجاه الإجابة علی رزمة الحوافز بروح إيجابية كما أعلن وزير خارجية إيران منوشهر متكي.

وقد انطلقت هذه الروح من الأرضية المشتركة بين رزمتي الحوافز الأوروبية والإيرانية، وهذا بدوره سهل تحديد موعد جديد لاستئناف المفاوضات بين سكرتير مجلس الأمن القومي الإيراني جليلي ومنسق الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي سولانا في المستقبل القريب.
__________________
كاتب إيراني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة