خطة كاديما وسبل المواجهة فلسطينياً   
الأحد 1427/3/25 هـ - الموافق 23/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:21 (مكة المكرمة)، 10:21 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


- التأريخ السياسي لخطة الانفصال
- وضع سياسي مريح لتنفيذ الخطة
- حماس كمبرر لتنفيذ الخطة
- تفاصيل الخطة
- المعضلات السياسية والأمنية للخطة
- المواجهة الفلسطينية مع الخطة

ما بين تولي إيهود أولمرت مهام رئاسة الوزراء نيابة عن شارون حين دخوله في الغيبوبة قبل شهور، وما بين الأيام الأخيرة قبل تشكيله الحكومة إثر الانتخابات التي جرت في الخامس والعشرين من الشهر الماضي، لم يتردد أولمرت الزعيم الثاني لحزب كاديما الجديد على الساحة الإسرائيلية في تقديم موعد تنفيذ خطة "الانطواء" بحسب ما يسميها، أو خطة الانفصال أحادي الجانب عن الفلسطينيين من نهاية عام 2010 إن لم تكن نهاية عام 2008.

وربما ذهب إلى القول إنها ستنفذ في غضون عام ونصف العام، مع الدخول في بعض التفاصيل المتعلقة بالكلفة المالية لإخلاء حوالي70 مستوطنة في مناطق الضفة الغربية، ومعها التغييرات المتوقعة في مسار جدار الفصل.

"
من العبث ابتداء النظر إلى هذه الخطة بوصفها نوعاً من الانتصار للإسرائيليين والهزيمة للفلسطينيين، إذ علينا أن نتذكر أن الانسحاب من غزة قد جاء على خلفية العجز عن القضاء على المقاومة
"
التأريخ السياسي لخطة الانفصال
لما كنا في سياق الحديث عن خطة الانطواء أو الانفصال أحادي الجانب، فإن التأريخ لها يبدو مهماً، وهنا يمكن القول إن خلفيتها أو جوهرها بتعبير أدق قد برز خلال عام 2000 عندما كان شارون في المعارضة، وحزب العمل في السلطة بزعامة إيهود باراك.

وكان المسمى المتداول للخطة هو الحل الانتقالي بعيد المدى الذي يقوم على الزعم بأن الفلسطينيين، وحتى العرب، غير جاهزين لتسوية تنهي النزاع كما ثبت في قمة كامب ديفد صيف العام 2000.

وعليهم أن يثبتوا جاهزيتهم لأمر كهذا من خلال القبول بحل انتقالي بعيد المدى يمتد لعشر سنوات أو عشرين سنة، قبل بدء الحديث في قضايا الوضع النهائي.

وحسب هذا الطرح فإن الحل المقترح على الفلسطينيين هو دولة فلسطينية على قطاع غزة، إلى جانب 42% من الضفة الغربية، من دون القدس ومن دون عودة اللاجئين.

لم يكن شارون في ذلك الحين يتحدث عن حل أحادي الجانب، بل حل يتم بالتنسيق، ولكنه يفرض من خلال سطوة القوة على العرب والفلسطينيين في آن.

جاء شارون إلى السلطة وتورط في حرب انتفاضة الأقصى ولم يفلح في وقفها، لا في مائة يوم كما وعد ولا مائتين ولا أكثر من ذلك.

ولما ازداد تورطه بعد إعادة احتلال الضفة، وبدت دولته في عزلة دولية وجدل داخلي واسع النطاق بسبب استمرار المقاومة، كان لا بد أن ينفس ذلك كله بالانسحاب من قطاع غزة، وهي الخطة التي أطلق عليها مصطلح الانسحاب أحادي الجانب.

لكن الانسحاب من قطاع غزة لم يكن أحادي الجانب في واقع الحال، بل كان بتنسيق كامل مع الطرف الفلسطيني، بدليل اتفاق معبر رفح الذي منح الإسرائيليين حق المراقبة على دخول وخروج البضائع، وحتى الأشخاص من غير الفلسطينيين حملة الهوية الإسرائيلية.

على خلفية الانسحاب كان الجدل كبيراً وواسعاً في الشارع الإسرائيلي، في حين مارست دوائر ليكود (الحزب الذي كان بزعامة شارون) دوراً كبيراً في تصعيد ذلك الجدل، إضافة إلى قوى اليمين الديني.

وهذا ما دفع شارون إلى التفكير في الخروج من ليكود وتأسيس حزب جديد تقوم فكرته الأساسية على خطة الانفصال عن الضفة الغربية أيضاً بعد النجاح في الانسحاب من قطاع غزة وبيع اللعبة دولياً بوصفها تنازلاً مؤلماً عن أراضي الدولة وملك الآباء والأجداد.

هكذا تأسس حزب كاديما على برنامج الانفصال عن الفلسطينيين، وهي فكرة كانت جذورها في حزب العمل قبل أن يقطفها شارون.

وفي العموم فقد كان العمل مسانداً للخطة منذ بدايتها، وإن قدم طرحاً نظرياً مختلفاً خلال الانتخابات الأخيرة.

وغيب المرض شارون وورث إيهود أولمرت الحزب ومعه خطة الانفصال، لكنه كان خلافاً لشارون واضحاً في بيعها للجمهور، الأمر الذي كلفه، بحسب كثير من المراقبين، خسارة عدد من المقاعد، ربما وصلت إلى عشرة بسبب صراحته في طرح الخطة، خلافاً لشارون الذي لم يكن يبوح ببضاعته على هذا الصعيد.

من العبث ابتداءً النظر إلى هذه الخطة بوصفها نوعاً من الانتصار للإسرائيليين والهزيمة للفلسطينيين، إذ علينا أن نتذكر أن الانسحاب من غزة قد جاء على خلفية العجز عن القضاء على المقاومة.

أما الأهم فهو التذكير بأن هذا الكيان الذي ينصب جداراً بينه وبين الفلسطينيين من أجل الفرار من عبئهم هو ذاته الذي كان يتحدث قبل عقد ونصف العقد عن الهيمنة على المنطقة برمتها، لا فلسطين وحدها.

"
أهم ما أسفرت عنه الانتخابات الإسرائيلية هو تعزيز جبهة اليمين السياسي الديني والأصولي، والنتيجة هي أن الخطة ستمر من دون عوائق داخلية كبيرة
"
وضع سياسي مريح لتنفيذ الخطة

أسفرت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة عن وضع سياسي مريح لتنفيذ خطة الانفصال، رغم حصول كاديما على 29 مقعداً فقط، قياساً بحوالي 40 كانت تمنحه إياها استطلاعات الرأي، مما يعني أن ائتلافاً مع حزب العمل وميريتس وحزب المتقاعدين إضافة إلى حزب إسرائيل بيتنا أو شاس سيكون مريحاً، بحسب ما تسفر عنه المساومات.

والنتيجة هي عدم وجود ما يعيق تنفيذ الخطة، وهو تحديداً ما منح ويمنح أولمرت مزيداً من الجرأة في طرحها داخلياً وخارجياً من دون تردد.

وفي العموم فإن أهم ما أسفرت عنه الانتخابات الإسرائيلية هو تعزيز جبهة اليمين السياسي الديني والأصولي في الدولة العبرية، خلافاً لما تقوله التصنيفات السائدة، لأنه من العبث اعتبار كاديما الذي أسسه الإرهابي شارون في الوسط أو العمل في اليسار بعد تأييده لخطة الانفصال ولجميع سياسات ليكود خلال السنوات الأخيرة.

من المؤكد أن كاديما ينتمي إلى معسكر اليمين، وكذلك ليكود وشاس وإسرائيل بيتنا والاتحاد الوطني، مما يعني أن الحصيلة هي أكثر من ثلاثة أرباع الكنيست.

والنتيجة هي أنه، وبعيداً عن المزايدات السياسية المتوقعة في مناسبات كهذه، فإن الخطة ستمر من دون عوائق داخلية كبيرة.

حماس كمبرر لتنفيذ الخطة
من الواضح أن هناك من يسعى إلى ربط تنفيذ خطة فك الارتباط أو الانفصال بما تنطوي عليه من نكبة جديدة للفلسطينيين بحركة حماس وفوزها في الانتخابات، وبالطبع تحت ذريعة عدم وجود شريك في الجانب الفلسطيني.

على أن ذلك لا يبدو مقنعاً بحال، والسبب هو أن الخطة كانت برسم التنفيذ قبل فوز حماس، وقد جرى التمهيد لذلك باستمرار الحديث عن غياب الشريك وعدم قيام محمود عباس بما عليه من التزامات تفرضها خريطة الطريق.

ولا يخفى أن تنفيذه لتلك الالتزامات رغم خطورتها ممثلة في تفكيك البنية التحتية للإرهاب ووقف ما يسمى التحريض، لا يعني أن المسألة ستحل، ذلك أن المرحلة الثانية من خريطة الطريق هي ذاتها الدولة المؤقتة التي سيفرضها الجدار.

وهذا يعني أن المسار التالي سيكون رهناً بالرغبة الإسرائيلية وبالدعم الأميركي، مع ضرورة التذكير بأن "وعد بوش الشهير" الذي حصل عليه شارون في أبريل/نيسان 2004 قد ضمن للإسرائيليين وضعاً مميزا في الحل النهائي قبل بدء المفاوضات

"
ستتحول الضفة الغربية إلى ثلاثة كانتونات معزولة عن بعضها البعض، بينما يحول الجدار حياة الفلسطينيين إلى جحيم، مع ما سيسرقه من أراضيهم وممتلكاتهم، ومع سرقته لأحواض المياه
"
تفاصيل الخطة

لا يتردد أولمرت كثيراً في منح المعنيين كثيراً من التفاصيل بشأن الخطة، وها هو يقول "نحن سننسحب إلى ما وراء خط الجدار (سيتغير مساره ليشمل جميع الكتل الاستيطانية الكبيرة). القدس تبقى موحدة. الكتل الاستيطانية المركزية تبقى في أيدينا وتتوسع (تحتها جميع أحواض المياه في الضفة الغربية). في آخر العملية سنصل إلى فصل تام عن الغالبية العظمى من الفلسطينيين".

بخصوص القدس لا يمنح أولمرت الكثير من التفاصيل، لكن موقفه يبدو واضحاً حين يكرر في جميع حواراته مثال مخيم شعفاط الذي لن يتمسك به، والنتيجة هي موافقته على ضم الأحياء العربية في القدس إلى مناطق السلطة، لا سيما في ضوء مزايا التخلص من عبئها السكاني ومتطلباته الاقتصادية وما ينطوي عليه من إشكاليات أمنية أيضاً.

هناك بالطبع ما يتصل بغور الأردن، وهنا يقول أولمرت إن "الأردن يجب أن يبقى حدوداً أمنية لإسرائيل" معتبراً أن العالم سيقبل هذه النقطة من دولته.

أما العلاقة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فإن المطروح هو فك ارتباط شبه كامل، عبر تحويل حدود القطاع إلى حدود دولية وقطع الربط الكهربائي والمائي، مع منح الفلسطينيين وقتاً كافياً لترتيب شؤونهم.

في الجانب السياسي المتعلق بتسويق الخطة لدى المجتمع الدولي يقدم أولمرت رؤية واضحة على هذا الصعيد، وهي ذكية وواقعية، أقله ضمن الظرف الراهن، حيث يقول إن "أمامنا فرصة نادرة. إدارة أميركية ليس لها مثيل في مناصرتنا ودعمنا، وأسرة دولية تتفهم الوضع".

كما يشير إلى نضج دولي لسماع أفكاره لدى توني بلير والمستشارة ميركل وجاك شيراك، وبالطبع برلسكوني قبل أن يطاح به في الانتخابات.

حسب خطة أولمرت ستتحول الضفة الغربية إلى ثلاثة كانتونات معزولة عن بعضها البعض، بينما يحول الجدار الذي سيتلوى في أحشائها مثل الأفعى من أجل ضم الكتل الاستيطانية، حياة الفلسطينيين إلى جحيم، مع ما سيسرقه من أراضيهم وممتلكاتهم، ومع سرقته لأحواض المياه.

وسيجري بالطبع ربط هذه الجزر والكانتونات ببضعها البعض من خلال الأنفاق والجسور والممرات التي ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، أي أننا أمام نكبة جديدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

المعضلات السياسية والأمنية للخطة
حسب آفي ديختر، أحد جنرالات الاستخبارات الكبار في حزب كاديما، فإن ما سيجري هو "فك ارتباط مدني" وليس عسكريا، والسبب في رأيه هو عدم وجود "شريك يكافح الإرهاب".

وفي ذات السياق ينقل المحلل السياسي الإسرائيلي ألوف بن عن مصادر في جهاز الأمن قولها إنه بسبب قرب الضفة الغربية من التجمعات السكانية الإسرائيلية ومن مطار بن غوريون، لا يمكن تنفيذ فك ارتباط كما في غزة، ومن هنا يرغب الجيش الإسرائيلي "في مواصلة العمل بحرية في المنطقة لمنع نمو قدرات الإرهاب".

ويضيف أن جهاز الأمن يرى "أهمية في السيطرة على نقاط إستراتيجية في ظهر الجليل، وفي قطاع في غور الأردن، شمالي البحر الميت حتى شمالي الغور، وعلى هذا القطاع أن يكون واسعاً بما فيه الكفاية للسماح بدفاع فعال، وضيقاً بما فيه الكفاية للسماح بتطور مستقبلي للسلطة باتجاه الشرق".

وفي تحليل آخر يرى ألوف بن أن الإجراءات الإسرائيلية ستشكل في الضفة الغربية منطقة أمنية تشبه منطقة أنطوان لحد في جنوب لبنان، ولكن من دون أنطوان لحد.

ويقول أيضا إن هذا التصور المتداول يثير مشاكل أهمها المعارضة الدولية لفرض منطقة أمنية لمدة طويلة، مع المعارضة الداخلية لاستمرار الخسائر، ومن ثم الرفض الدولي للاعتراف بخط الحدود الجديد.

"
خطة أولمرت أو مشروع شارون ليست سفينة النجاة لمشروع الاحتلال، فقد ثبت أن على هذه الأرض شعبا عظيما لن يتنازل عن حقه، ولن يعلن الاستسلام في يوم من الأيام مهما بلغت التضحيات
"
المواجهة الفلسطينية مع الخطة
تنطوي خطة أولمرت على مخاطر كبيرة على حياة الفلسطينيين وقضيتهم، بل هي نكبة كبيرة بالفعل، لكن ذلك لا يعني نهاية المطاف، ذلك أن خطة تطبق في ظل حالة عابرة في ميزان القوى الدولي لا يمكن أن تشكل مساراً نهائياً يعول عليه.

فهذا الانحياز الأميركي الأوروبي سيكون مرهوناً بتطورات الملف العراقي والفشل الأميركي هناك، فضلاً عن الموقف العربي والإقليمي، لا سيما ما يتعلق بتطورات الملف النووي بعد أن أعلنت طهران امتلاكها لدورة الوقود النووي.

لعل الجانب الأهم في مواجهة الخطة هو رفض الاعتراف بها أو التنسيق بشأنها مع الإسرائيليين كما وقع بالنسبة للانسحاب من قطاع غزة، وهو وضع لا ينبغي أن يكون رهناً بحكومة حماس، بل يجب أن يكون موقفاً وطنياً عاماً تجمع عليه كل القوى بصرف النظر عن مآل الحكومة الحالية.

من المؤكد أن الرفض السياسي للخطة وفضحها وفضح ما تنطوي عليه من إذلال للفلسطينيين هو جزء أساسي من الصراع، لكن الأهم هو المواجهة على أرض الواقع، وهو ما ينبغي أن يتم عبر فعاليات شعبية متواصلة تفضح العدوان أمام العالم.

وفي نفس الوقت يجب أن تستثمر مناطق الصدام مع الجيش الإسرائيلي في عمليات مقاومة مستمرة، مع مواجهة شاملة للاجتياحات.

هذا هو المسار الطبيعي للمواجهة، لأن الهدوء سيمنح الإسرائيليين ما يريدون، بل قد ينطوي على تهجير جديد للفلسطينيين نحو الأردن بعد تحويل حياتهم إلى جحيم.

وهناك مسار حيوي آخر للمواجهة لا بد له من اتفاق فلسطيني ودعم عربي يتمثل في إعلان حل السلطة، وإعادة الاحتلال بالكامل ومعه مسؤولياته المدنية والعسكرية والاقتصادية.

بصرف النظر عن اتخاذ هذا المسار الأخير أو مسار المواجهة اليومية سياسياً وعسكرياً، فإن النتيجة هي إبقاء الفلسطينيين ضمن معادلة المقاومة، بما يحول بينهم وبين اليأس والإحباط.

وهذا يعني إبقاء الإسرائيليين في وضع استنزاف عسكري وسياسي واقتصادي يضطرهم لاحقاً إلى تنازل جديد حين تتراجع معادلة الدعم الأميركي الاستثنائي بعد تطورات إقليمية وعربية مناسبة، وهي تطورات تبدو متوقعة حسب أرجح التقديرات.

خلاصة القول هي أن خطة أولمرت أو مشروع شارون ليست سفينة النجاة لمشروع الاحتلال، فقد ثبت طوال سنوات أن على هذه الأرض شعبا عظيما لن يتنازل عن حقه، ولن يعلن الاستسلام في يوم من الأيام مهما بلغت التضحيات.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة