العرب في أميركا بين تعسف القانون وتحيز الإعلام   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: محمد بن المختار*

-معالم المرسوم الجديد
-المسلمون مدانون حتى تثبت البراءة
-مآخذ على مرسوم "آشكروفت"
-المنظمات الأميركية.. تجاوب ضعيف رغم نبله

اعتقلت سلطات الهجرة الأميركية مئات الأشخاص ممن ينتمون إلى دول عربية وإسلامية يوم 16 ديسمبر/ كانون الأول المنصرم، بسبب مخالفات بسيطة لقوانين الهجرة بالنسبة لبعضهم، وبغير سبب واضح بالنسبة لآخرين.

وقد توارد هؤلاء المعتقلون على مقر إدارة الهجرة في مدينتي "لوس أنجلوس" و"سان دييغو" بولاية كاليفورنيا في اليوم نفسه، استجابة لمرسوم أصدره وزير العدل الأميركي في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. وكانت سلطة الهجرة قد اعتقلت مئات الأشخاص في الأسبوع السابق على يوم السادس عشر من ديسمبر/ كانون الأول، حتى إن العاملين بمكتب الهجرة في مدينة لوس أنجلوس اشتكوا من نفاذ رصيدهم من "القيود" التي يربطون بها أيدي المعتقلين، حسب ما ورد في صحيفة "نيويورك تايمز". وتركزت الاعتقالات في ولايتي "كاليفورنيا" و"تكساس".


كانت ظروف الاعتقال بائسة، حيث يبيت المعتقلون في برد قارس.. حتى إنهم يكادون يتجمدون من البرد
وكانت ظروف الاعتقال بائسة، حيث يبيت المعتقلون في برد قارس "حتى إنهم يكادون يتجمدون من البرد" حسب تصريح المحامية الأميركية الإيرانية "سهيلة جنوبي" لوكالة "رويترز" يوم 19/12/2002. ورافق ذلك تكتم من إدارة الهجرة على المعلومات عن عدد المعتقلين، وأماكن اعتقالهم، والتهم الموجهة إليهم.

كل هذا مع الطعن في دستورية المرسوم نفسه، والتعسف في تطبيقه، حتى لقد عزت صحيفة "دوون" (23/12/2002) إلى مصادر في وزارة العدل الأميركية أن سبب الاعتقالات الجماعية هذه هو عجز سلطة الهجرة عن استجواب هذا العدد الكبير من الناس الذين تجمعوا في مكتبها في آخر يوم من المهلة.

وقد أثار المرسوم الجديد، ثم ما ترتب عليه من اعتقالات جماعية، موجة سخط واسعة في نفوس المسلمين الأميركيين، وبعض هيئات المجتمع المدني الأميركي، كما أثار أسئلة أكبر حول مستقبل المسلمين في أميركا، ومآل العلاقات بين أميركا والعالم الإسلامي.

فما معالم هذا المرسوم الجديد؟ وكيف ينظر إليه المسلمون وهيئات الدفاع عن الحقوق المدنية؟ وماذا سيكون أثره أمنيا وسياسيا داخل أميركا وخارجها؟.

معالم المرسوم الجديد

يلزم المرسوم الجديد مواطني دول مخصوصة من الذكور الذين تربو أعمارهم على الـ16 عاما، ودخلوا الولايات المتحدة قبل 11 سبتمبر/ أيلول 2002 بما يلي:


  • ربما كان من حسن حظ المعتقلين أن من بينهم يهودا إيرانيين، مما منح قضيتهم بعدا إعلاميا واهتماما واسعا
    الحضور إلى أحد مكاتب الهجرة لأخذ صورهم وبصماتهم واستجوابهم حول خلفياتهم السياسية والإيديولوجية.
  • إعادة الإجراء نفسه كل عام، في حدود الموعد الذي تمت فيه العملية هذا العام.
  • إشعار إدارة الهجرة بأي تغيير في عناوينهم أو أماكن عملهم أو المؤسسات التي يدرسون بها.
  • مغادرة الولايات المتحدة من مطارات وموانئ محددة، في كل مرة يقررون فيها المغادرة.
  • المثول أمام أحد مفتشي إدارة الهجرة قبل المغادرة للاستجواب ثم المغادرة في اليوم نفسه.

كل ذلك مع تهديد من لا يستجيبون لمضامين هذا المرسوم بتوجيه تهم جنائية إليهم وترحيلهم قسرا، ومنع الذين غادروا منهم الولايات المتحدة بالرجوع إليها مستقبلا.

وقد شمل القانون الجديد مواطني عشرين دولة، تم تقسيمها إلى مجموعات ثلاث:

  • تشمل المجموعة الأولى خمس دول هي إيران والعراق وسوريا وليبيا والسودان.. وقد طلب من مواطني هذه الدول الالتزام بمقتضيات القانون الجديد خلال الفترة ما بين 15 نوفمبر/ تشرين الثاني و16 ديسمبر/ كانون الأول 2002.
  • وتشمل المجموعة الثانية 13 دولة، وهي الجزائر والبحرين ولبنان والمغرب وعمان وقطر والصومال وتونس والإمارات واليمن وإريتريا وأفغانستان وكوريا الشمالية.. وأمهلتهم ما بين 20 ديسمبر/ كانون الأول 2002 و10 يناير/ كانون الثاني 2003.
  • أما المجموعة الثالثة، فهي تشمل دولتين فقط هما باكستان والسعودية. وأمهلتها ما بين 13 يناير/ كانون الثاني و21 فبراير/ شباط 2003 للقيام بالإجراءات اللازمة.

وبنظرة سريعة على لائحة الدول التي استهدف مواطنوها بهذا الإجراء يتبين أنها تضم 15 دولة عربية، وأربع دول إسلامية، ودولة واحدة من خارج المحور العربي الإسلامي، هي كوريا الشمالية التي جرها سوء الحظ إلى الانضمام إلى هذه اللائحة، كما جرها من قبل إلى الانضمام إلى "محور الشر"، لا بسبب جريرة اقترفتها، بل لأن إصدار لائحة من هذا النوع كلها دول عربية وإسلامية دون استثناء، يثير بعض الحساسيات، ويضر بحملة العلاقات العامة الأميركية، وهي جزء أصيل من حرب أميركا الحالية والآتية.

المسلمون مدانون حتى تثبت البراءة

وفور انتشار نبأ اعتقال هذا العدد الوفير من المسلمين يوم 16 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، تحركت المنظمات الإسلامية وبعض هيئات الدفاع عن الحقوق المدنية في إدانة الاعتقال، وصعدت من مقاومتها للقانون الذي كانت معترضة عليه من قبل:

  • فقد خرج المسلمون في مظاهرات غاضبة في العديد من المدن الأميركية، خصوصا في ولاية كاليفورنيا، وهم يحملون لافتات تحمل شعارات معبرة، منها "أين العدل والحرية"؟ "وماذا بعدُ؟.. و"هل هي معسكرات الاعتقال"؟ إشارة إلى تجربة الأميركيين من أصل ياباني الذين حشدتهم السلطة الأميركية في معسكرات اعتقال أثناء الحرب العالمية الثانية، بسبب شكوكها في ولائهم.
  • وأصدر مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية CAIR بيانا ورد فيه "بالرغم من دعم الجالية المسلمة بالولايات المتحدة لكل الجهود التي ستعين على تدعيم أمن بلادنا، إلا أن هناك إحساسا سائدا الآن بين الكثيرين بأن وزارة العدل تعتبر المسلمين مدانين حتى تثبت البراءة".
  • ونقلت وكالة رويترز عن العاملين بفرع "الاتحاد الأميركي للحقوق المدنية" في جنوب كاليفورنيا أن "هذه الاعتقالات تذكر بما حصل في الماضي للأميركيين من أصل ياباني". وورد في بيان للاتحاد أن "سلطات الهجرة تتخذ من برامج التسجيل الخاص ذريعة لاعتقال مئات الرجال والشبان المسلمين والشرق أوسطيين".
  • وترددت المماثلة اليابانية نفسها في قول "كاثي ماسوكا" وهي تمثل منظمة تدافع عن حقوق الأميركيين من أصل ياباني "إن استهداف العرب الأميركيين يذكرنا بتجربة الأميركيين من أصل ياباني أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث استهدفوا بسبب عرقهم، وبعيدا عن الإجراءات القضائية اللازمة".
  • وصرح "لوكاس غوتنتاغ" مدير "مشروع حقوق المهاجرين" في "الاتحاد" بأن وزير العدل آشكروفت يتخذ برامج التسجيل وسيلة لمضايقة أناس سبق أن قدموا معلومات تفصيلية عن خلفياتهم، ضمن ملفات طلباتهم الحصول على البطاقة الخضراء [الإقامة الدائمة]، فالهدف بشكل واضح إذن ليس الحصول على معلومات، بل الهدف هو توقيف واعتقال ذوي الأصول المسلمة والشرق أوسطية بشكل انتقائي، وترحيلهم من الولايات المتحدة".

مآخذ على مرسوم "آشكروفت"

وقد أخذ المسلمون الأميركيون وهيئات الدفاع عن الحقوق المدنية على هذا القانون الجديد وطرائق تطبيقه عدة مآخذ، منها:

  • أن بعض المعتقلين تقدموا بطلب للحصول على الإقامة الدائمة، مما يجعل اعتقالهم غير قانوني، وبعضهم تأخر حصوله على الوثائق لعدة أعوام لا بسبب تقصير أو تباطؤ منهم، بل بسبب "عدم كفاءة إدارة الهجرة وبيروقراطيتها" حسب ما ورد في بيان "الاتحاد الأميركي للحقوق المدنية".
  • عدم الترويج الكافي لهذا الإجراء الجديد، إقامة للحجة على المهاجرين.. وعدم إعطاء الوقت الكافي لتطبيقه، حيث كانت المهلة حوالي شهر واحد، رغم أن هذه الإجراءات تنطبق على مئات الآلاف من المهاجرين.
  • أن آثاره على الأمن الأميركي ستكون عكسية، نظرا لما أثاره من حساسيات دينية وعرقية، فهو "سيزيد القش، ولن يدل على الإبرة" حسب تعبير "آنجيلا كيلي" نائبة مدير "منتدى الهجرة الوطني"، وهي هيئة أميركية تدافع عن حقوق المهاجرين.
  • أنه سيزيد من المرارة في نفوس المهاجرين المسلمين، وهي المرارة التي نتجت عن أعمال التمييز ضدهم منذ هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، وضاعفها الإعلام الأميركي المتحيز ضدهم وضد قضاياهم العادلة عبر العالم.
  • وبالطبع سيكون لهذه الإجراءات أثر سلبي على تعاون الجالية المسلمة مع السلطات الأمنية الأميركية، في الكشف عن التهديدات الأمنية المرتقبة، فلن يجد المسلمون دافعا إلى مثل هذا التعاون مع وجود تعسف ضدهم.


مما يزيد الريبة في قلوب المسلمين الأميركيين أن وزير العدل الحالي "جون آشكروفت" معروف بنزعته اليمينية المغالية، وبنظرته الدينية العدائية للإسلام والمسلمين
ومما يزيد الريبة في قلوب المسلمين الأميركيين أن وزير العدل الحالي "جون آشكروفت" معروف بنزعته اليمينية المغالية، وبنظرته الدينية العدائية للإسلام والمسلمين. وقد أثارت تصريحات له في فبراير/ شباط 2002 موجة سخط بين المسلمين في أميركا حين قال "إن الإسلام دين يأمرك الرب فيه بأن ترسل ابنك للموت من أجله، أما المسيحية فهي دين يرسل فيه الرب ابنه للموت من أجلك"!!. ورغم اعتذار آشكروفت حينها للمسلمين عن تصريحاته المستفزة، فإن العديد منهم سيظلون في ارتياب من إمكان تحقيق العدل بينهم وبين جيرانهم المسيحيين على يد وزير عدل يحمل هذا التصور عن الفرق بين الإسلام والمسيحية.

لكن أخطر ما في القانون الجديد -حسب اعتقادي – ليس في تحيزه وتمييزه والشكوك المثارة حول دستوريته، وإنما في ما سيرسخه في أذهان الجمهور الأميركي العريض من إلصاق التهم بالمسلمين، وبأن الأصل في المنحدرين من الدول العربية والإسلامية أن يتم التعامل معهم بحيطة وحذر.. وفي ذلك ما فيه من ترسيخ أسباب العداء، وتدعيم الهواجس والحواجز النفسية بين المسلمين وأغلبية الشعب الأميركي.

فإذا نجح اليمين المسيحي الذي يقود الولايات المتحدة اليوم –بدعم من اليمين اليهودي– في ترسيخ هذه الصورة في الذهنية الأميركية العامة، فإن ذلك ستكون له عواقب وخيمة في المستقبل، لا على المسلمين المقيمين في أميركا فحسب، بل على مجمل العلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي.

المنظمات الأميركية.. تجاوب ضعيف رغم نبله

ومع كل ذلك وجد المسلمون الأميركيون بعض التجاوب النبيل من طرف منظمات وساسة أميركيين، وهو تجاوب رغم ضعفه يعطيهم بعض العزاء في الظروف الراهنة العصيبة التي يسود فيها صوت العداء وتدق طبول الحرب.. فقد دخل "الاتحاد الأميركي للحقوق المدنية" المعركة إلى جانبهم بكل قوة، ثم انضم إلى الدفاع عنهم ثلاثة من رجال الكونغرس، هم "إدوارد كينيدي" و"جون كونيرس" و"روسل فينغولد".


مهما يكن من أمر فإن أميركا لن تنجح في كسب قلوب الناس في العالم الإسلامي وهي تعطي الانطباع بأنها تضطهد المسلمين المقيمين على أرضها. فهل يدرك القادة الأميركيون ذلك وهم يطلقون حملات الإعلام والعلاقات العامة، ومبادرات "الإصلاح" و"الشراكة" و"الديمقراطية

ووجه الثلاثة رسالة بليغة إلى وزير العدل "آشكروفت" يوم 23 ديسمبر/ كانون الأول المنصرم، يطالبونه فيها بالتوقف عن تطبيق هذا المرسوم حتى يراجعه الكونغرس ويفحص مدى دستوريته ومواءمته السياسية. كما يطالبونه بتقديم معلومات ضافية عن عدد المعتقلين وأوضاعهم، ومبررات الاستمرار في اعتقالهم. ثم يختمون الرسالة بالقول "إن أوقات الأزمات هي أوقات الامتحان الحقيقي لأي ديمقراطية، وإن أمتنا لا تزال تعيش مساوئ أزمات سابقة، حينما غالت حكومتنا في ردة فعلها، فاعتقلت أميركيين من أصل ياباني وألماني وإيطالي، بناء على انتمائهم العرقي أو أصلهم الوطني، ولا يجوز أن نكرر تلك الأخطاء المؤلمة".

وربما كان من حسن حظ المعتقلين أن من بينهم يهودا إيرانيين، مما منح قضيتهم بعدا إعلاميا واهتماما واسعا.

ومهما يكن من أمر فإن أميركا لن تنجح في كسب قلوب الناس في العالم الإسلامي وهي تعطي الانطباع بأنها تضطهد المسلمين المقيمين على أرضها. فهل يدرك القادة الأميركيون ذلك وهم يطلقون حملات الإعلام والعلاقات العامة، ومبادرات "الإصلاح" و"الشراكة" و"الديمقراطية"؟.

_______________
* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة