مصر.. جمهورية ديمقراطية أم طائفية من نوع جديد؟   
الأربعاء 5/12/1434 هـ - الموافق 9/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 16:43 (مكة المكرمة)، 13:43 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي

 

انهار المسار الديمقراطي في مصر وعاد الجيش إلى الحكم من جديد بشكل واضح، ودخل مستنقع السياسة بعد أن فشلت القوى السياسية في إدارة مرحلة التأسيس وتنافست على مصالحها الضيقة واستدعت خلافاتها القديمة لتصفية حساباتها التاريخية. تتناول هذه المقالة المؤشرات والمخاطر التي ترتبت على هذا، وسيناريوهات المستقبل.

مخاطر ما بعد 30 يونيو
أول المخاطر تحول الصراع السياسي إلى مباراة صفرية تم خلالها اللجوء إلى العنف كأداة للحسم، واعتماد الحل الأمني في التعامل مع الأزمة، وقتل المئات واعتقال الآلاف والمضي في رسم وتنفيذ مسار جديد بعد إقصاء فصيل بالكامل تقريبا، هذا بجانب عودة رموز النظام البائد. وهناك من القوى المدنية من يعتقد راسخا أن الجيش خلص البلاد من فاشية دينية وأنه سيقود الانتقال إلى الديمقراطية دون تدخل. الخطورة الأساسية لهذه المباراة الصفرية أنه لا غالب فيها ولا مغلوب، وهي لن تؤدي إلا إلى إنهاك الطرفين معا وتدمير البلاد كلها.

التعديلات المقترحة أبقت الامتيازات التي حصل عليها الجيش في دستور 2012 وأضافت إليها أمورا جديدة كرست بشكل واضح سيادة المؤسسة العسكرية، وذلك حينما اشترطت موافقة مجلسي الدفاع على تعيين وزير الدفاع

وهناك أيضا الانقسامات المجتمعية المتعددة المستويات والتي صارت تنذر بمخاطر كبيرة ليس فقط على المسار الديمقراطي ومستقبل الثورة، وإنما على تماسك المجتمع ووحدة الدولة.

ولا أقصد هنا صراع الإخوان والقوى المدنية والجيش، وإنما هناك أيضا النزعة الشعبوية التي تنادي بحكم رجل قوي من الجيش وتصادم مؤيدين ومعارضين للحكم العسكري في الميادين، فضلا عن الصراعات المجتمعية على أسس اقتصادية بحتة في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية، والتي تعددت أشكالها بشكل سيئ لتشمل الانقسامات بين الحضر والريف وبين المركز والأطراف وبين الطبقات المختلفة.

وهناك بالطبع التدخلات الخارجية التي لم تعد تخفى على أحد، وهدفها الواضح توجيه مسار الثورة المصرية بحيث لا تضر بمصالح قوى إقليمية ودولية.

سيادة المؤسستين العسكرية والقضائية
وهناك خطورة أخرى قد توضح نوايا القائمين على المسار الجديد وهو ما انتهت إليه لجنة الخبراء العشرة لتعديل الدستور من مقترحات، إذ في حال اعتمادها سنبتعد بشكل نهائي عن جوهر فكرة سلطة السلطة ونكون أمام كيان سياسي السيادة العليا فيه للمؤسسة العسكرية والمؤسسة القضائية، وهما مؤسستان غير سياسيتين وغير منتخبتين، والأصل فيهما خضوعهما للمؤسسات المنتخبة.

فقد أبقت التعديلات المقترحة الامتيازات التي حصل عليها الجيش في دستور 2012 وأضافت إليها أمورا جديدة كرست بشكل واضح سيادة المؤسسة العسكرية، وذلك حينما اشترطت موافقة مجلسي الدفاع على تعيين وزير الدفاع، وإدراج ميزانية الجيش بندا واحدا في موازنة الدولة، وهيمنة العسكريين على تشكيل هذا المجلس، بجانب استمرار شرعية محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية.

أما القضاء فقد صار له مكان أعلى من سلطة الشعب ومؤسساته المنتخبة، إذ تضمنت التعديلات نصا يقرر إدراج ميزانية الجهات والهيئات القضائية بندا واحدا في الموازنة العامة، واشتراط موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشعب على أي قانون له علاقة بالقضاء.

فضلا عن التراجع عن ندب القضاء إلا ندبا كاملا، واشتراط موافقة المجلس الأهلي للقضاء على تعيين النائب العام، وحذف حق رئيس الجمهورية في الاختيار من أكثر من مرشح، والتوسع في صلاحيات مجلس الدولة في مراجعة العقود والقوانين دون اشتراط إحالتها إليه!! بجانب التوسع في اختصاصات وصلاحيات المحكمة الدستورية العليا بإضافة اختصاص تفسير الدستور وإعطاء الجمعية العامة سلطة التعيين بالمحكمة دون التقيد بعدد، وتقليص اختصاصات هيئة قضايا الدولة والنيابة الإدارية في الادعاء العام المدني وفي اتخاذ الإجراءات القضائية التي تعالج القصور في أداء المرافق العامة.

هناك جيوش قادت عمليات التحول بنجاح، لكن الحالات قليلة. وتؤكد لنا تجارب الدول الأخرى أن الجيوش التي تقول إنها ستسلم الحكم للمدنيين، عادة لا تفعل

معظم هذه المقترحات تتناقض مع أبجديات فكرة سيادة الشعب ولا علاقة لها بفكرة سيادة القانون التي تعني في جوهرها مساواة الشعب بكافة فئاته أمام القانون الذي يضعه الشعب عبر ممثليه في المجالس المنتخبة.

ولا مثيل لهذه الأمور إلا في الدساتير التي توضع في أعقاب الانقلابات العسكرية كما حدث بتركيا في ثمانينيات القرن الماضي. وهذه المقترحات ترسخ في واقع الأمر الآلية التي وضعها مبارك حينما حول المجتمع إلى ما يشبه "الطوائف الوظيفية" ضمن إستراتيجياته للبقاء، وذلك عندما راح يقدم الامتيازات لأصحاب بعض المهن لضمان ولائهم وربط مصالحهم ببقاء النظام.

سيناريوهات المستقبل
هناك جيوش قادت عمليات التحول بنجاح، لكن الحالات قليلة. وتؤكد لنا تجارب الدول الأخرى أن الجيوش التي تقول إنها ستسلم الحكم للمدنيين عادة لا تفعل. لكن وكما كتبنا سابقا فإن انقسام القوى السياسية وعدم وجود بديل ديمقراطي حقيقي قد يدفع الجيوش الى التدخل لملء الفراغ وإدارة الدولة وقد يترتب على هذا نتائج مختلفة، والنتيجة الأكثر شيوعا أن تسييس المؤسسة العسكرية يؤجل الانتقال لعقود طويلة.

وفي حالتنا المصرية هناك أكثر من سيناريو، أولها استمرار الجيش في الحكم مع وضع واجهة مدنية أو خوض وزير الدفاع ذاته انتخابات الرئاسة، ولا أستبعد هنا أن يظهر حزب مناصر له للتنافس على الرئاسة والوزارة معا. هذا هو السيناريو الأسوأ من وجهة نظري والذي لا أتمناه لمصر ولا للمؤسسة العسكرية، إذ إنه يكرر سيناريو 1954 في ظروف مغايرة تماما، وهذا سيناريو يكاد ينقرض في العالم الثالث اللهم إلا في حالات محدودة.

الخطورة الأساسية هنا هي إقحام المؤسسة العسكرية كطرف أساسي في الحكم بمصر من جديد وبشكل سافر، في الوقت الذي وفرت فيه الثورة للشعب فرصة للانتقال وقدمت للجيش فرصة للخروج من السياسة والتحول إلى نمط الجيوش القوية والمحترفة على غرار ما هو قائم بالدول الحديثة سواء في الغرب أو في الدول التي نجحت في إقامة نظم ديمقراطية حديثة.

ومع استمرار الحالة الثورية المرتفعة، يُتوقع تحول الثورة المصرية التي قامت بالأساس ضد استبداد الحزب الواحد وضد انتهاكات جهاز الشرطة، إلى ثورة ضد الحكومة العسكرية، وهذا أسوأ أشكال النضال من أجل الديمقراطية، وفي حالة الفشل فإن الآثار عادة ما تكون مدمرة على جميع الأطراف، والباب سيكون مفتوحا لتقسيم الجيش والمجتمع والدولة معا.

ومع استمرار الحالة الثورية المرتفعة فالمتوقع تحول الثورة المصرية التي قامت في الأساس ضد استبداد الحزب الواحد وضد انتهاكات جهاز الشرطة، إلى ثورة ضد الحكومة العسكرية

إن أمام المؤسسة العسكرية مهمة مقدسة وهي تعزيز قوة وجاهزية المؤسسة ذاتها وتدريبها وتسليحها، وهذه مهمة لن يمكن القيام بها إذا تحملت المؤسسة عبء إخراج مصر من مشاكلها الأخرى، والانشغال بالسياسة فيه خطر على الأمن القومي لمصر والعالم العربي كله. علينا تدبر هذا الأمر جيدا وأخذ العبرة من الكثير من الدول التي شهدت هذا السيناريو في كونغو الديمقراطية ونيجيريا وميانمار وباكستان وتركيا والسودان وغيرها.

السيناريو الثاني هو ترك المجال للقوى المدنية مع إقصاء الاسلاميين بشكل شبه كامل، عبر المضي قدما في المسار الحالي ورفع الجيش يده بشكل أو بآخر عن السياسة والحكومة، مع استمراره في مساعدة قوات الأمن في قمع الإسلاميين. وثمة خوف حقيقي هنا من تكرار القوى المدنية أخطاء الإخوان في السابق، وتجاهلهم المشاركة الوطنية.

هذا سيناريو سيئ للغاية أيضا إذ سيدخل البلاد إلى حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، ولن تتمكن أي حكومة من استكمال مرحلة البناء ولا إصلاح أجهزة الدولة ولا تحقيق أي إنجاز اقتصادي حقيقي. وسيدفع الملايين من أنصار التيارات الإسلامية للجوء إلى وسائل احتجاجية مختلفة ستؤدي إلى شلل أي حكومة قائمة، هذا بجانب لجوء البعض إلى العنف بطرق مختلفة، وبالتالي انشغال الجيش والشرطة في المواجهات الأمنية.

وعلينا أيضا تدبر حقيقة أساسية تمدنا بها حالات الانتقال الديمقراطي الأخرى، وهي أنه لا يمكن أبدا البناء والنجاح في مرحلة التأسيس مع إقصاء فصيل أساسي. التيار الإسلامي تيار أساسي في المجتمع وسيحصل على نسبة كبيرة في أي انتخابات ديمقراطية قادمة، ومن ثم لا يمكن تجاهله في هذه المرحلة.

أما السيناريو الثالث فهو سيناريو المصالحة الوطنية الشاملة التي يتم بموجبها وقف استهداف التيار الإسلامي ودمجه من جديد في الحياة السياسية، مع وضع قواعد وأطر وترتيبات دستورية وقانونية ومؤسسية صارمة تضمن الوصول إلى الديمقراطية الحقة، وهذا أمر ليس صعبا أبدا فقد سبقتنا إليه عشرات الدول التي عانت مما نعاني منه.

من بين 85 حالة انتقال بين عامي 1974 و1999 هناك 30 حالة أدت إلى ديمقراطية حقيقية مقابل 34 حالة عادت فيها البلاد إلى الحكم المطلق، و21 حالة انتقلت فيها البلاد إلى ديمقراطية شكلية

وكل ما نحتاجه هو أولا اقتناع القوى السياسية بأن هذا ممكن في مصر، والكف عن الاعتقاد بأن مصر حالة فريدة وأنه لا يصلح معها إلا فرعون جديد. أي يجب الكف عن التفكير بآليات ومنطق ما قبل 25 يناير. ثم يجب ثانيا الجلوس معا على طاولة مستديرة وتخلي كل فريق عن نظرته الإقصائية واعتقاده بأنه سينجح دون الآخر. ثم يجب ثالثا الاستماع إلى رأي الخبراء وتعلم دروس الدول الأخرى وإدراك أن عملية التحول الديمقراطي والثورات وإدارة الدول صارت علوما لها سنن لا يمكن أبدا تجاهلها.

خلاصتان
وأخيرا، أشير إلى خلاصتين: الأولى أن إدارة عمليات الانتقال الديمقراطي ليست بالأمر اليسير وتحتاج إلى الكثير من الحكمة والتعلم والتدبر. ويكفي أن أشير هنا إلى أن إحدى الدراسات أوضحت أنه من بين 85 حالة انتقال بين عامي 1974 و1999 هناك 30 حالة أدت إلى ديمقراطية حقيقية مقابل 34 حالة عادت فيها البلاد إلى الحكم المطلق، و21 حالة انتقلت فيها البلاد إلى ديمقراطية شكلية.

والخلاصة الثانية أن أمام المؤسسة العسكرية طريقين: أولهما اقتناعها بأن مصر تغيرت وأن الحالة الثورية لن تتوقف إلا بالوصول إلى أهداف الثورة في نظام ديمقراطي حقيقي، ومن ثم رعاية عملية مصالحة سياسية حقيقية يعود الجيش بموجبها إلى ثكناته، ويتم وضع الأطر الدستورية والقانونية والترتيبات المؤسسية التي تضع مصر على بداية الطريق المؤدي إلى الديمقراطية والتنمية، ورفض كل صور الهيمنة الخارجية.

أما الثاني فهو تجاهل كافة هذه التحذيرات والمضي قدما في حكم عسكري مباشر أو حكم مدني السلطة النهائية فيه للمؤسسة العسكرية وبمساعدة المؤسسة القضائية. وهذا يمثل مخاطر جمة لا على المسار الديمقراطي وأهداف الثورة فحسب، وإنما على وحدة الدولة وتماسك المجتمع وسيادته الداخلية والخارجية، وسيؤدي إلى موجة ثورية جديدة ستكون مكلفة للمجتمع والدولة بكافة مؤسساتها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة