محاسبة روسيا   
السبت 1435/5/29 هـ - الموافق 29/3/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:03 (مكة المكرمة)، 12:03 (غرينتش)
كريستوفر ر. هِل



إن كل من يتصور أن خيارات السياسة الخارجية تتمثل في اختيارات "مانوية" بين الخير والشر ما عليه إلا أن ينظر إلى أزمة أوكرانيا. إنها حقا، كما وصف وزير الخارجية الأميركي الأسبق وارن كريستوفر البلقان، بـ "مشكلة من الجحيم".

والأسوأ من ذلك هو أن حل هذه الأزمة سوف يتطلب قدرا كبيرا من الحساسية ووضوح الفكر، وهو ما أصبح نادرا على نحو متزايد في وقت بات من المنتظر من الزعماء أن يتلمسوا بمشاعرهم الطريق إلى الاختيارات الحكيمة لا أن يتعقلوها.

وما يصاحب هذه الأزمة من ملامة يكفي الجميع، ولكن هذا لا يعني أن المسؤولية الأخلاقية متكافئة. فالقدر الأعظم من المسؤولية المباشرة يقع على عاتق الكرملين، الذي كان جُل اهتمامه ينصب للأسف على استغلال المشاعر القومية في محاولة للحفاظ على رأسمالية المحسوبية في روسيا، وليس اتخاذ اختيار واضح بالانضمام إلى الاقتصاد العالمي.

القدر الأعظم من المسؤولية المباشرة يقع على عاتق الكرملين الذي كان جُل اهتمامه ينصب للأسف على استغلال المشاعر القومية في محاولة للحفاظ على رأسمالية المحسوبية في روسيا

تاريخيا، لم يكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأي حال أول زعيم روسي يواجه مثل هذا الاختيار. ولكن يبدو أنه يميل إلى تفضيل الشعبوية الضحلة، وهو الميل الذي يدفعه إلى البحث عن رموز جاهزة للشرعية لاستمالة جماهير الناس المتوترة المضطربة. وهذا يجعله غير ملائم على الإطلاق لقيادة قوة عظمى في وقت من المتاعب.

الواقع أن روسيا اليوم تجمع بين أسوأ ما في الرأسمالية ومركزية الدولة، وهي الظروف التي حظي بوتين بوقت أكثر من كاف لتحديدها وتحليلها وتصحيحها. ويشير فهمه للحقائق وقدرته على تمييز ما هو خطأ إلى افتقاده للحكمة اللازمة للاستجابة بالشكل المناسب.

فموارد الطاقة في روسيا على سبيل المثال تتحول بسرعة من فرصة إلى لعنة مألوفة مع فشل البلاد في تنفيذ التعديلات البنيوية اللازمة لتنويع اقتصادها الهش. ونتيجة لهذا، أصبحت روسيا دولة رائدة عالميا في هروب رأس المال، في حين كان النمط السياسي الاستبدادي الذي انتهجه بوتين سببا في تنفير طبقات المفكرين وأصحاب المشاريع التي تشكل أهمية بالغة لخلق فرص الاستثمار في الداخل.

ولا يعني أي من هذا أن روسيا من الممكن أن تتحول إلى دولة غربية أشبه بدول البنلوكس أو شمال غرب أوروبا على سبيل المثال. ولكن روسيا تحتاج إلى حل توتراتها التي دامت قرونا من الزمان بشأن علاقاتها مع الغرب، التوترات التي تستمر في تحديد تصور زعمائها للهوية والمصالح الوطنية.

وسوف يُفضي فشل الروس في إدراك ماذا "تعني" بلادهم إلى الاختيار الذي يتخذ بالنيابة عنهم في نهاية المطاف.

ومن عجيب المفارقات هنا أن روسيا التي تريد تحديد مستقبل أوكرانيا قد تكتشف أن أوكرانيا -أو على الأقل أزمتها- هي التي تحدد مستقبل روسيا.

ولكن زعامات أوكرانيا تتحمل نصيبها من اللوم عن الأزمة. فالسيادة تتطلب الحماية التي توفرها الحكومات والنظم السياسية الفعّالة. وقد ترنحت أوكرانيا على مدى ثلاثة وعشرين عاما منذ استقلالها عن الاتحاد السوفياتي من أزمة سياسية إلى أخرى في ظل سلسلة متعاقبة من الحكومات التي كانت إما فاسدة أو خرقاء، أو فاسدة وخرقاء في حالة حكومة الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش.

إن أوكرانيا غنية بالموارد الطبيعية وشعبها موهوب. وهي رغم هذا واحدة من أسوأ دول العالم أداء على المستوى الاقتصادي.

وربما يعزو الأوكرانيون سوء طالعهم لأنهم جيران روسيا وليسوا جيران كندا على سبيل المثال، ولكن يتعين عليهم أن يتعاملوا مع ذلك الجار وأن يديروا العلاقة معه، برغم ما قد ينطوي عليه هذا الأمر من صعوبة.

ولكن بدلا من هذا، تناوب الساسة الأوكرانيون بين الفساد والتجاهل المتغطرس لمصالح روسيا.
والواقع أن بروز قوى اليمين المتطرف داخل حركة "الميدان" المناهضة للرئيس المخلوع يانوكوفيتش أعطى بوتين أداة سياسية ضاربة بالغة الفعالية.

صحيح أن رئيس الوزراء السوفياتي نيكيتا خروشوف تنازل عن شبه جزيرة القرم لأوكرانيا عام 1954 (احتفالا بذكرى مرور ثلاثمائة عام على معاهدة بيرياسلاف التي وحدت أوكرانيا وروسيا) وصحيح أن بوريس يلتسين أكَّد وضع شبه جزيرة القرم خلال فترة من المفاوضات المشحونة بالتوترات لحل الاتحاد السوفياتي وتأمين قيام دولة روسيا، ولكن الأوكرانيين يعرفون حق المعرفة تعقيدات التاريخ وضرورة التعامل بكل حرص مع الحساسيات الروسية.

لا يملك الغرب خيارا سوى فرض عقوبات على روسيا، وسوف تكون العقوبات الآن سريعة وعنيفة ولكنها من غير المرجح أن تكون أكثر من تأديبية في غياب أي قوة قسرية لعكس الحقائق على الأرض بشبه جزيرة القرم

ولئلا نستسلم لأية أوهام، فإن الغرب أيضا لم يكن ناجحا ومستحقا للإعجاب في هذا السياق.

من المؤكد أن الاتحاد الأوروبي كان يحمل أفضل النوايا في التفاوض على اتفاقية الشراكة مع أوكرانيا، ولكن ذلك التوقع المأمول خَلَّف الأثر غير المقصود المتمثل في إطلاق صافرات الإنذار في الكرملين، وهو ما وضع يانوكوفيتش في مأزق على الفور.

وبكل المقاييس، واجه يانوكوفيتش القدر الكافي من الأوقات العصيبة في اتخاذ قرارات حياتية سهلة، أما هذه المعضلة فكانت أكبر من قدراته وطاقة احتماله بأشواط.

وأخيرا، يستحق الساسة والمفكرون بالولايات المتحدة باقة من الزهور الميتة. ذلك أن أي قضية تدخل مرقص السياسة الأميركية تصبح عاجزة عن الفرار من حتمية وضعها في إطار العصبية الحزبية المحلية. ولكن مستقبل أوكرانيا -وروسيا- ليس لعبة قد يكسبها أي زعيم أميركي أو يخسرها.

ولكن الغرب لا يملك خيارا سوى فرض عقوبات على روسيا بوتين، وسوف تكون العقوبات الآن سريعة وعنيفة. ولكنها من غير المرجح أن تكون أي شيء أكثر من تأديبية، في غياب أي قوة قسرية لعكس الحقائق على الأرض في شبه جزيرة القرم.

سوف تكون روسيا الخاضعة للعقوبات، وروسيا التي تملك مجموعة خاصة بها من العقوبات، بمثابة الواقع الجديد. ولكن المهمة التاريخية العظيمة تظل متمثلة في إقناع روسيا بالعودة في اتجاه عضوية المجتمع الدولي، وهذا يعني الحفاظ على الحوار بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف والبحث عن الفرص -في سوريا أو كوريا الشمالية- للتعاون في سياق متعدد الأطراف.

وفي الوقت الذي تقود فيه الغريزة على نحو مفهوم تماما إلى التشاحن مع روسيا والتعامل معها بقسوة، فإن حكمة رجال الدولة الحقيقية سوف تكون مطلوبة.

وإذا اقتبسنا العبارة المبتذلة الأوسع استخداما هذا الشهر في واشنطن، فبوسعنا أن نقول إن الجميع يحتاجون إلى مَخرَج فرعي يعيدهم إلى الطريق الصحيح، ولكن المسألة هي هل لدينا العدد الكافي من السائقين الأكفاء على الطريق؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة