الصراع على الشرعية الفلسطينية   
الجمعة 1434/7/22 هـ - الموافق 31/5/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:53 (مكة المكرمة)، 11:53 (غرينتش)
فراس أبو هلال

صراع قديم جديد
الشرعية التاريخية
الشرعية الثورية
الشرعية الانتخابية

لم يكن الجدل الكبير الذي رافق زيارة الشيخ يوسف القرضاوي إلى غزة على رأس وفد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ظاهرة جديدة على الساحة الفلسطينية، إذ أن السلطة ومنظمة التحرير وفصائل اليسار تعاملت ببرود ورفض مع كل الزيارات ذات البعد السياسي إلى غزة، بحجة أن مثل هذه الزيارات تعمق من الانقسام الفلسطيني، وتعتدي على وحدانية الشرعية التي تمثلها -حسب هذه الأطراف- المنظمة وفقط المنظمة.

فقد أعلنت السلطة وبعض الأطراف الفلسطينية الأخرى عدم ارتياحها مثلا لزيارة أمير قطر للقطاع في العام الماضي، ويبدو أن ضرورات التعامل الدبلوماسي خففت من لهجة عدم الارتياح تجاه تلك الزيارة، وهو الأمر الذي لا ينطبق على زيارة الشيخ القرضاوي التي ووجهت بنقد حاد يصل إلى درجة التشنج، وخصوصا ما يتعلق بتلك التصريحات المسيئة للشيخ القرضاوي من قبل بعض ناطقي السلطة الفلسطينية وحركة فتح، والتي قالت إن الشيخ حصل على جواز سفر فلسطيني مزور، مع العلم أن الجواز الذي حصل عليه لم يكن سوى هدية رمزية تقديرا له على مواقفه تجاه القضية الفلسطينية.

ومن المتوقع أن تشهد الساحة الفلسطينية توترا مشابها عند قيام رئيس الوزراء التركي بزيارته المزمعة إلى غزة، وهي الزيارة التي أثارت جدلا واسعا حتى قبل حدوثها، ويبدو ذلك من دعوة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، أردوغان، للامتناع عن هذه الزيارة، وهو الأمر الذي ردت عليه وزارة الخارجية التركية بالقول إن تركيا تفعل ما تريد ولا تسمح لأي طرف بالتدخل في سياستها وعلاقاتها الدبلوماسية.

ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، بل يبدو أن الضغوط قد وصلت إلى مستوى الرئاسة الأميركية، وهو ما يمكن استنتاجه من تصريحات أردوغان في مؤتمره الصحفي المشترك مع الرئيس الأميركي في واشنطن، والتي قال فيها إنه سيزور رام الله وليس قطاع غزة فقط.

فلماذا تثير الزيارات السياسية إلى قطاع غزة كل هذا الجدل؟ ولماذا تحاربها فتح وفصائل المنظمة بكل قوة؟ ولماذا تحرص حركة حماس بالمقابل على تشجيع أكبر قدر ممكن من هذه الزيارات؟

بعد الحسم العسكري لصالح حماس في قطاع غزة، دخل الصراع على الشرعية مع فتح مرحلة غير مسبوقة، لا تزال فصولها مستمرة حتى اليوم

صراع قديم جديد
إن كلمة السر في الإجابة عن الأسئلة السابقة هي "الشرعية"، إذ أن ما تشهده الساحة الفلسطينية اليوم هو امتداد طبيعي للصراع على الشرعية الفلسطينية بين حركة حماس ومنظمة التحرير، وهو الصراع الذي ابتدأ منذ دخول حماس إلى ميدان المقاومة الوطنية في العام 1987، لتصبح لاعبا مهما في السياسة والثورية الفلسطينية، ومنافسا محتملا على الشرعية الفلسطينية التي احتكرتها منظمة التحرير الفلسطينية منذ سيطرة فتح عليها في العام 1969.

ومما زاد في حدة هذا الصراع الشعبية الكبيرة التي حازت عليها حماس بوقت قياسي، ومشاركتها الواسعة في الانتفاضة الأولى، وتنفيذها لفعالياتها الخاصة بعيدا عن فعاليات ما كان يعرف بالقيادة الموحدة للانتفاضة والتي ضمت في ذلك الوقت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية.

ولكن الصراع اتخذ بعدا سياسيا وأمنيا أشد ضراوة بعد الانتخابات التشريعية في العام 2006، وهو ما يمكن أن يفسر المناوشات والمناكفات التي أعقبت فوز حماس في هذه الانتخابات وتشكيلها للحكومة، مما أدى في نهاية الأمر إلى الحسم العسكري لصالح حماس في قطاع غزة، ليدخل الصراع على الشرعية مرحلة غير مسبوقة، لا تزال فصولها مستمرة حتى اليوم، وهو ما يدعونا للبحث في العناصر المختلفة المكونة للشرعية لحركة التحرر الوطني الفلسطيني.

الشرعية التاريخية
تمثل الشرعية التاريخية عنصرا مهما في بناء الشرعية لصالح قيادة أي حركة تحرر وطني، وهي الشرعية التي تقوم على تقدير دور القيادة أو الفصيل الرائد في إطلاق الثورة، وفي بناء الوعي الجمعي الذي يؤمن بالحقوق الوطنية ضد العدو أو الخصم أو المحتل.

ومما لا شك فيه أن حركة فتح بالدرجة الأولى، إضافة إلى الفصائل الفلسطينية اليسارية والقومية، تتمتع بهذا النوع من الشرعية، إذ أن هذه الفصائل اشتركت في إطلاق الثورة الفلسطينية الحديثة منذ العام 1965، وفي تحويل منظمة التحرير الفلسطينية إلى كيان مسلح يسعى إلى تحرير فلسطين.

كما ساهمت هذه الفصائل، وعلى رأسها حركة فتح، بتشكيل الكيانية الوطنية الفلسطينية، وبتحقيق انتصارات عسكرية وسياسية كبيرة، على الرغم من إخفاقاتها في ساحات متعددة وفشلها في تحقيق الهدف النهائي للمنظمة ولحركة التحرر الوطني الفلسطيني، وهو تحرير فلسطين وعودة اللاجئين وتعويضهم.

ولكن الشرعية التاريخية تفقد جزءا كبيرا من أهميتها عندما تبدأ الثورة بالتحول التدريجي إلى دولة، وهو ما يؤكده تاريخ الثورات العالمية، كما حصل مثلا مع الجنرال سيمون بوليفار محرر أميركا اللاتينية، وكما حصل أيضا مع ثامبو إمبيكي رفيق نضال ونائب نيلسون مانديلا، حيث لم يشفع التاريخ النضالي لكل من بوليفار وإمبيكي اللذين لم يتمكنا من الاستمرار بالتربع على عرش الشرعية بعد أن تحولت الثورة إلى دولة.

وعلى الرغم من أن الثورة الفلسطينية لا تزال –نظريا- مستمرة باعتبارها لم تحقق أيا من أهدافها الرئيسية، إلا أن اتفاق أوسلو وما أنتجه من سلطة، قد قاد إلى تكوين شكل هجين بين الثورة والدولة، وهو ما أدى إلى تراجع أهمية الشرعية التاريخية في حركة التحرر الوطني الفلسطيني، وساهم في تآكلها، وإن كان لم ينهها بشكل كامل حتى الآن.

وبمقابل هذا التآكل في الشرعية التاريخية لحركة فتح وفصائل المنظمة، فإن شرعية تاريخية جديدة بدأت تكتسب من قبل حركة حماس، التي عملت على تشكيل تاريخها النضالي الخاص بها، منذ أكثر من 25 عاما، وهي مدة تزيد قليلا عن نصف تاريخ الثورة الفلسطينية الحديثة برمتها.

استطاعت حماس أن تحظى بقدر متزايد من الشرعية الثورية بعد تحول انتفاضة الأقصى من طابعها الشعبي إلى عمل ثوري، حيث لعبت الحركة دورا كبيرا فيها

الشرعية الثورية
ترتبط الشرعية الثورية ارتباطا وثيقا بالشرعية التاريخية، إذ أنها تتأسس على التاريخ الثوري لقيادة ما أو فصيل ما، ولكنها تختلف عنها بكونها لا تقتصر فقط على أداء هذا الفصيل أو القائد في الماضي فقط، بل على استمرارية العمل الثوري ما دامت أهداف الثورة لم تتحقق.

ومن المعلوم أن حركة فتح تمتلك تاريخا ثوريا كبيرا على مدى تاريخ الثورة الفلسطينية الحديثة، فيما ساهمت قوى اليسار الفلسطيني بنضالها في رفد المشروع الوطني الفلسطيني بزخمها الثوري في مراحل مختلفة من تاريخ هذا المشروع، وبشكل أخص في المراحل الأولى من انطلاق الثورة وحتى الخروج من بيروت في العام 1982، وهو ما يعني أن هذه الحركات وعلى رأسها حركة فتح حازت على الشرعية الثورية في كثير من مراحل التاريخ الفلسطيني الحديث.

وينطبق الأمر نفسه على حركة الجهاد الإسلامي، التي قدمت نماذج ثورية منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا، بل إنها تتميز عن غيرها من الفصائل الفلسطينية بتبني مواقف أكثر راديكالية تجاه الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وهي بذلك تكتسب شرعية ثورية لا يمكن تجاوزها في المعادلة الفلسطينية.

أما حركة حماس، فقد قدمت فعلا ثوريا مقاوما يحسب لها أيضا، وهي –وإن دخلت متأخرة إلى ساحة العمل الثوري الفلسطيني- إلا أنها شكلت أحد الأرقام الصعبة في معادلة الثورة الفلسطينية منذ تأسيسها وحتى بداية انتفاضة الأقصى، التي مثلت نقلة نوعية في تاريخ الحركة، بحيث أصبحت حماس منذ هذه الانتفاضة الفاعل الأكبر في مجال العمل الثوري الفلسطيني، وخصوصا بعد رحيل الرئيس عرفات وتبني حركة فتح بقيادة الرئيس عباس لخيار التفاوض الإستراتيجي ورفض كل أشكال العمل الثوري، باستثناء المقاومة الشعبية.

لقد استطاعت حماس أن تحظى بقدر متزايد من الشرعية الثورية بعد تحول انتفاضة الأقصى من طابعها الشعبي إلى عمل ثوري يقوم أساسا على جهد الفصائل المسلحة، حيث لعبت الحركة دورا كبيرا في الانتفاضة بعد هذا التحول.

ولكن سيطرة حماس على قطاع غزة في العام 2006، منح للحركة ظرفا موضوعيا وضعها في قيادة العمل الثوري في القطاع، الأمر الذي شكل لحظة مفصلية في زيادة رصيد الشرعية الثورية للحركة، من خلال ثلاث محطات:

الصمود في مواجهة العدوان الإسرائيلي في العام 2008/2009، والقدرة على الاحتفاظ بالجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط ومبادلته بحوالي ألف من الأسرى الفلسطينيين، إضافة إلى الانتصار الأكثر وضوحا في الحرب التي شنها الاحتلال في نوفمبر/تشرين الثاني 2012.

وبالعودة إلى حركة فتح، فإن من الواضح أن شرعيتها الثورية أصبحت على المحك في ظل تمسكها بخيار المفاوضات السلمية، وعدم تمكنها حتى من تنفيذ برنامج المقاومة الشعبية الذي أقرته في دورتين متتاليتين من اجتماعات المجلس الثوري للحركة.

الشرعية الانتخابية
مع البدء التدريجي للتحول من الثورة إلى الدولة، تأخذ الشرعية الدستورية أو الانتخابية بالحلول شيئا فشيئا مكان الشرعية الثورية أو التاريخية، الأمر الذي يعني أن التاريخ التأسيسي للثورة والإنجازات النضالية عبر تاريخ هذه الثورة، لن يعود كافيا لامتلاك الشرعية لأي فصيل من فصائل العمل الوطني، بل لا بد من تدعيم هذا التاريخ بشرعية الصندوق الانتخابي، وبالاستناد إلى المبادئ الدستورية التي تحكم الدول في العصر الحديث.

وقد تنبه الرئيس الراحل ياسر عرفات لهذا الأمر، وتجاوب مع متطلبات اتفاقية أوسلو، من خلال وضع قانون أساسي أو دستور فلسطيني يحكم العلاقة بين السلطة والشعب، ويضيف إلى الشرعية التاريخية والثورية شرعية دستورية وانتخابية، تأتي عبر أصوات الناس بصناديق الاقتراع.

ومن المعلوم أن حركة فتح استطاعت أن تدعم شرعيتها التاريخية والنضالية بعد تأسيس السلطة الوطنية بالشرعية الانتخابية، حيث استطاعت الحركة وقائدها التاريخي ياسر عرفات تحقيق انتصار واضح في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أجريت في العام 1996، في ظل مقاطعة حماس وعدد من فصائل منظمة التحرير لهذه الانتخابات، كما استمرت فتح بالحفاظ على الشرعية الانتخابية بعد رحيل ياسر عرفات، بعد أن حقق مرشحها محمود عباس انتصارا انتخابيا يؤهله لخلافة عرفات في منصب الرئاسة في العام 2004.

بينما تلعب الشرعية التاريخية لصالح فتح، فإن الشرعية الثورية تميل اليوم لصالح حماس، بينما يحتفظ الطرفان بجزء غير مكتمل من الشرعية الانتخابية، وهو ما يعني أن أيا منهما لا يملك ادعاء تمثيل الشعب الفلسطيني وحده

ولكن الانتخابات التشريعية التي أجريت في يناير/ كانون الثاني 2006 أدت إلى اقتسام الشرعية الانتخابية بين حركتي فتح وحماس، بحصول حماس على أغلبية مريحة في المجلس التشريعي، وهو ما يؤهلها لرئاسة الحكومة التي تتقاسم السلطة مع الرئاسة حسب القانون الأساسي المعدل، الأمر الذي أجج الصراع على الشرعية بين حماس وفتح، وعمق من الأزمة بدلا من المساهمة في حلها.

وقد أدى الانقسام الفلسطيني، الذي كان نتيجة حتمية للصراع على الشرعية، إلى زيادة هذا الصراع عمليا، من خلال تعطيل إجراء انتخابات جديدة ربما تساهم في حل أزمة الشرعية، على الأقل في جانبها الانتخابي، وهو الأمر الذي شكل مادة للخلاف بين طرفي الصراع، بحيث يدعي كل طرف أنه يمتلك شرعية الصندوق، مع أن الحقيقة أن كلا الشرعيتين: الرئاسية والبرلمانية باتتا محل نزاع، بعد أن انتهت المدة القانونية للرئيس وللمجلس التشريعي، بالرغم من محاولة كل طرف تفسير النصوص بالطريقة التي تخدمه في هذا الصراع.

ويبقى القول إن أيا من الطرفين (فتح وحماس) لا يحتكر الشرعية لوحده دون الآخر، وبينما تلعب الشرعية التاريخية لصالح حركة فتح، فإن الشرعية الثورية تميل في الوقت الراهن لصالح حركة حماس، بينما يحتفظ الطرفان بجزء غير مكتمل من الشرعية الانتخابية، وهو الأمر الذي يعني أن حماس لا تملك ادعاء تمثيل الشعب الفلسطيني لوحدها، وأن المنظمة وحركة فتح ليس من حقهما أيضا احتكار هذا التمثيل، كما أنه ليس من حقهما محاربة الدعم السياسي والاقتصادي للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، تحت ذريعة وحدانية التمثيل ووحدانية الشرعية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة