رهاب الفلسطينيين   
الجمعة 1435/4/29 هـ - الموافق 28/2/2014 م (آخر تحديث) الساعة 13:22 (مكة المكرمة)، 10:22 (غرينتش)
زياد منى



من غير الممكن للمرء المطلع والمتابع لتطورات قضية العرب الأولى في فلسطين إلا ملاحظة تصاعد حملة معادية للفلسطينيين تنفذها أوساط وقوى إقليمية ضيقة الأفق وأخرى مرتبطة ارتباطا مباشرا بالقوى الاستعمارية.

هذه القوى والشخصيات لا شاغل لها -على ما يبدو- سوى بث "رهاب الفلسطينيين" وتحميلهم مسؤولية تقصيرهم السياسي والثقافي والاجتماعي، بدلا من النظر في المرآة لرؤية أسباب إخفاقاتهم الدائمة في كسب ثقة شعوبهم، فلا يجدون مخرجا سوى التحريض على الضحية.

الآن لا بد من التوقف لحظة أو أكثر عند هذا الأمر الخطير الذي ينذر بأخطر العواقب على المحرضين وعلى الضحية في آن في حال عدم التصدي له وإخراسه.

لا شك في أن سلطة المقاطعة في رام الله -التي لا تتوقف عن تقديم التنازلات الوطنية والقومية-  تتحمل مسؤولية  انتشار "رهاب الفلسطينيين" وتفاقمه على كافة الصعد

نتوقف لحظات لتعريف القوى التي تقدم الذرائع -الواهنة طبعا- للتهجم المستمر على الفلسطينيين.
أولا، لا شك في أن سلطة المقاطعة في رام الله -التي لا تتوقف عن تقديم التنازلات الوطنية والقومية الواحدة تلو الأخرى- تتحمل المسؤولية الرئيسة عن انتشار "رهاب الفلسطينيين" وتفاقمه على كافة الصعد، فصمتها المريب عن تفاهماتها -الضمنية والعلنية- مع واشنطن وتل أبيب وخضوعها لشروطهما، خصوصا ما يتعلق بسعيها المحموم لتوطين الفلسطينيين في أماكن إقامتهم المغلف بخطاب مائع عن "الثوابت الوطنية" غير المعرفة طبعا، يثير مخاوف لدى كثر يظنون أن ذلك يهدد معاشهم وحياتهم وانتماءاتهم، بما يدفعهم لرفع منسوب التخويف من الفلسطينيين.

إن اختصار الشعب الفلسطيني ونضاله ومواقفه الوطنية والقومية في قيادة لا همّ لها سوى اللهاث وراء الهزيمة أمر غير مقبول وليس ثمة ما يسوغه بأي حال من الأحوال.

أما الخفوت الظاهري للنضال الفلسطيني فغير حقيقي، ولا يعكس المشهد الفلسطيني المقاوم والتحريري، فثمة كفاح فلسطيني مستمر على كافة الصعد، السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، والإعلام المقاوِم أو المدعي ذلك يتحمل مسؤولية كبيرة عن الصمت الذي يحاصر هذه النضالات المهمة حقا، وكنا أشرنا إلى هذا الأمر في مقالات سابقة على هذا المنبر.

في الوقت نفسه، هذه الحقائق تعني أيضا إدانة كل القوى والشخصيات والنخب الفلسطينية "المستوظفة" في مؤسسات سلطة المقاطعة في رام الله اللاهثة وراء معاشاتها الشهرية والفتات الذي يرمي به صندوق النقد الدولي شهريا مكافأة لها على خضوعها المُذل لشروطه، وكذلك مستخدَمي المنظمات غير الحكومية التي هي مؤسسات تقدم التقارير لمموليها بما يسهّل استمرار محاصرة شعبنا وقضيتنا.

أما استثمار نخب برجوازية رأسمالية فلسطينية أموالها في "إسرائيل" فأمر مهول حقا ويستحق مواجهته بكل حسم وفضح ممارسيه بالاسم الثلاثي، وحتى بالصورة.

فالخيانة ليست وجهة نظر، والخونة وجب فضحهم وتعريتهم وإشعارهم بأن ثمن تعاونهم مع العدو المغتصب سيتجاوز -بما لا يقاس- ما يحققونه من أرباح.

إن النظر إلى النضال الفلسطيني -الذي يبدو أنه خبا إعلاميا إلى حد كبير منذ فترة- لا يعني إطلاقا رضا الشعب الفلسطيني عن الاحتلال أو إذعانه له.

فمن المفيد هنا تذكر أن الاحتلال البريطاني لمصر استمر منذ عام 1882 إلى 1952، لكن ذلك لا يعني أن الشعب المصري قبل به وسكن، والأمر ذاته يسري على الجزائر وعلى شعوب الخليج العربي التي خضعت بلادها لاحتلال برتغالي ومن بعده بريطاني دام قرونا، والأمثلة كثيرة.

إن تقويم نضالات الشعوب ضمن لحظة معينة وفرض ذلك على تاريخ نضالي طويل أمر غير صحيح إطلاقا، وهو في الآن ذاته ضار ولا يفيد سوى العدو الغاصب.

يضاف إلى ذلك الادعاء الباطل بأن شعوب أمتنا قد ملت من القضية الفلسطينية، وأنها لا تفكر في فلسطين وفقدت اهتمامها بها وتقبل بالتخلي عنها، وهذا ادعاء باطل وغير صحيح إطلاقا.

ومن لديه شك في مدى تمسك أبناء أمتنا بفلسطين فليتوجه إلى أي إنسان عربي ليسأله إن كانت فلسطين قضيته وإن كان يقبل بالتخلي عنها للصهيونية، عندها سيتلقى الإجابة البليغة.

نحن لا نتحدث هنا عن المثقفين الذين أثبتت الأحداث المصيرية في مختلف بقاع وطننا الكبير أنهم يلهثون وراء مصالحهم الشخصية، وهذا أمر متوقع من هذه الفئة، أما الاستثناء فيؤكد القاعدة.

إن الصمت عن تآمر أنظمة عربية على القضية الفلسطينية -بما في ذلك المؤسسة الفلسطينية المختفية في دهاليز مبنى المقاطعة في رام الله وتوابعها- هو الخطر الأكبر على قضايانا

إن مواجهة المخاطر والمؤامرات المحيطة بالقضية الفلسطينية -والتي لم تتوقف لحظة منذ اغتصاب بلادنا- يستدعي الوقوف مع الضحية ضد الجلاد، في الداخل والخارج.

مواجهة محاولات تصفية القضية الفلسطينية -التي تتم بصمت أوساط رسمية عربية بل وحتى بتواطؤ بعضها- يتم ليس بنشر الذعر من الفلسطينيين والتحريض عليهم.

إن اللجوء إلى هذه الأساليب الماكرة والخبيثة لن يؤدي سوى إلى تسعير المشاعر الإقليمية المتخلفة التي يمكن اختصارها في مقولات "فلسطين أولا، الأردن أولا، لبنان أولا، مصر أولا، سوريا أولا.. إلخ"، وهي في الوقت ذاته تحاول حجب رؤية الأعداء الحقيقيين لأمتنا العربية.

عدو أمتنا ليس الشعب الفلسطيني الضحية، وإنما من ينهب ثرواتنا ويحتل أراضينا ويسعى لتأبيد محاصرتنا في أقفاص مختلف أشكال التخلف والتبعية وأنماطها وتجلياتها.

وهذا ما دفعنا للحسم منذ بداية الحراكات الشعبية للقول: لا شرعية لثورة، "فلسطين" ليست شعارها. إن الحسم بأن فلسطين بوصلتنا يختصر ببلاغة نادرة درب آلامنا وعذاباتنا ويقرب يوم النصر الآتي والذي لا ريب فيه.

الطريق الأقصر لانعتاق شعوب أمتنا العربية يتلخص في تحديد الأهداف الرئيسة وتعريف معوقات وصولنا إليها وتحقيقها على الأرض، طريقنا إلى الحرية لا يمر باختلاق أعداء ومنافسين وهميين، هم الضحية، وتحويلهم إلى جلادين.

إن الصمت عن تآمر أنظمة عربية على القضية الفلسطينية -بما في ذلك المؤسسة الفلسطينية المختفية في دهاليز مبنى المقاطعة في رام الله وتوابعها- هو الخطر الأكبر على قضايانا.

الخطوة الأولى للسير في طريق التحرر تمر عبر إدراك جوهر الصراع مع الصهيونية، والغرب الاستعماري، وأسسه.

لقد سارت القيادات الفلسطينية في درب سياسي منحرف منذ تبني المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية ما سمي البرنامج المرحلي عام 1974 الساعي عمليا للتخلي عن فلسطين للحركة الصهيونية مقابل سلطة "ولو على مجاري أريحا، بل حتى على ظهر حمار" كما كانت تلك القيادة تقول بأعلى صوت.

وفي الذكرى الأربعين لتبني ذلك البرنامج الانهزامي (التَّسْوويّ) لا بد من وقوف كل القوى التحررية العربية -الوطنية والقومية- وكل من أخذ على عاتقه المشاركة في هذا النضال، لنقد النفس وإجراء مراجعة شاملة لسياساتها وممارساتها، وفي مقدمة ذلك مغادرة الميادين بما يفسح المجال أمام القوى الوطنية الشابة الصاعدة لممارسة المهام الملقاة على كاهلها.

لقد مللنا خطاباتهم ومللنا وجوههم وابتساماتهم وتنظيراتهم الفارغة.
هزائم الحركة الوطنية الفلسطينية بدأت بمحاولة الانخراط في تسوية "عادلة" وفق شروط المحتل الغاصب.

هزائمنا بدأت بنثر الأوهام عن إمكانية التعايش مع محتل غاصب لا يعترف إلا بنفسه وبصحة ادعاءاته الوهمية وأساطيرها المستندة إلى عقائد عنصرية منبوذة وأوهام غير صحيحة.

هزائمنا تتالت وتكاثرت أيضا بسبب غياب ثقافة الحوار العلمي الهادئ، وعدّ كل شيء قابلا للنقاش عدا الثوابت الوطنية والقومية، وفي مقدمتها حقنا -نحن العرب- في فلسطين، وحق العودة إلى قرانا ومدننا.

ممارسات المؤسسة الرسمية الفلسطينية كانت أبعد ما يكون عن ذلك -وما زالت- بل إنها تستعين بالغاصب على الشقيق.

لسنا دعاة حروب ولا نرغب في القتال حبا في الموت وقتل البشر، لكن اللجوء إلى كافة أشكال النضال -بما في ذلك المسلح- ضد المغتصب ليس أمرا طبيعيا وبدهيا فقط، إنما هو أيضا واجب وطني وقومي.

تصوير أن تصفية القضية الفلسطينية قادمة لا محالة، وأنها قدر لا يمكن رده يعني الاستسلام للهجمة العدوانية الجديدة، وقبول الإملاءات العدوانية على أمتنا دون حتى التفكير في مقاومتها

المغتصب هو المسؤول عن كوارثنا الوطنية والقومية في فلسطين، ونحن العرب -وفي القلب الفلسطينيون- ضحايا، لذا فإن لوم الضحية مشاركة في العدوان على الشعب الفلسطيني والأمة العربية.

إضافة إلى هذا، فإن تصوير أن تصفية القضية الفلسطينية قادمة لا محالة، وأنها قدر لا يمكن رده يعني أمرا واحدا هو الاستسلام لهذه الهجمة العدوانية الجديدة، وقبول الإملاءات العدوانية على أمتنا من دون حتى التفكير في مقاومتها.

محاولة تسويق فكرة تمكّن المغتصب من فرض شروطه العدوانية علينا لا تعكس في حقيقة الأمر خوفا على الشعب الفلسطيني وحقوقه كما يدعي مروجو "رهاب الفلسطينيين"، بل تعكس عقلية إقليمية ضيقة، وفكرا رجعيا زقاقيا.

الحرص الحقيقي على الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية في وطنه -من دون نقصان- يتجلى في الدعوة إلى وحدة النضال الفلسطيني مع نضال شعوب أمتنا من أجل التحرر والتقدم.

من جانب آخر، لا بد من تأكيد ضرورة قيام النخب الفلسطينية الوطنية -أينما وجدت- بتأكيد تمسكها بالوطن الفلسطيني، كونه جزءا لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير، وبحقوقنا فيه غير القابلة للنقاش.

هذا أمر ضروري وواجب تجاه أبناء أمتنا الذين احتضنوا آباءنا وأمهاتنا وأشقاءنا عندما طردنا من وطننا، وتأكيد على أن الضحية لا يمكن أن تكون جلادا.

إن غياب هذا التأكيد الواجب لا يؤدي فقط إلى تزايد خطر "رهاب الفلسطينيين" وتصاعده، وإنما أيضا إلى فتح أوسع الأبواب أمام القوى الإقليمية الرجعية ومنحها مسوغات تصعيد تهجمها وعدائها لكل ما هو فلسطيني.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة