الانتخابات الليبية.. من التوقعات إلى المفاجآت   
الخميس 7/9/1433 هـ - الموافق 26/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:28 (مكة المكرمة)، 13:28 (غرينتش)
صالح السنوسي

بدت الانتخابات الليبية في نتائجها غير المتوقعة مختلفة عن النتائج التي أسفرت عنها الانتخابات في كل من تونس ومصر أو ما بات يطلق عليها بلدان الربيع العربي. لقد تمثل هذا الاختلاف في الظروف التي جرت في ظلها الانتخابات في هذه الأقطار وتلك التي أحاطت بالانتخابات الليبية حيث جرت هذه الأخيرة في ظل غياب شبه كامل لسلطة الدولة على الأرض الليبية بينما ظلت مؤسسة القوات المسلحة المصرية وكذلك التونسية ومعهما الأجهزة الأمنية، يحفظان أمن الإقليمين من الداخل والخارج.

كان هناك نوعان من التوقعات بالنسبة لمعظم من يراقبون المشهد الليبي، أولهما يتعلق بمدى فشل ونجاح التجربة وثانيهما يكاد يجزم بسيادة لون سياسي إسلامى في حالة نجاح العملية الانتخابية، وكان لكل التوقعين حججه التي لا تخلو من منطقية.

لم تكن التوقعات بفشل الانتخابات الليبية مجرد انطباعات ورجما بالغيب، بل كانت هناك معطيات كثيرة ترجح كفة هذا الرأي

أولا- توقعات الفشل: لم تكن التوقعات بفشل الانتخابات الليبية مجرد انطباعات ورجما بالغيب، بل كانت هناك معطيات كثيرة ترجح كفة هذا الرأي، فالانتخابات يراد لها أن تجرى في بلد لا يوجد فيه جيش وطني ولا مؤسسات أمنية قوية تابعة لسلطة الدولة وبدلا عن ذلك توجد كتائب مسلحة من الثوار يتبع بعضها أسميا المجلس الانتقالي ولكنها تتلقى الأوامر من قادتها المؤسسين وأصحاب الكلمة الأخيرة.

وإلى جانب ذلك توجد مليشيات يصعب تحديد مرجعية انضباطيتها، ولم تكن ظروف البيئة الأمنية وحدها هي مؤشر احتمالات الفشل في نظر من يتوقعون ذلك، فهناك غياب شبه تام للثقافة الانتخابية، بل يعتقد الكثيرون بأن هذا الجيل الذي تربي على ثقافة نظام القذافي الرافضة للجدل والاختلاف، لن يستطيع أن يتعامل بروح التنافس السلمي والقبول بنتائج الانتخابات وهو الجيل الذي خرج منذ عدة أشهر فقط من صراع مسلح دام فرضه القذافي على كل الليبيين.

لقد تضافرت إبان مرحلة الانتخابات إشكاليات أخرى لتزيد من خطورة الظروف الأمنية وتنبئ باحتمالات فشل هذه الانتخابات في ظل غياب السيطرة الفعلية للدولة ومن أخطرها:

1- ظهور تجمع وتشكيل ما سمي بمجلس برقة العسكري، من أجل إقامة نظام فدرالي حيث عمد إلى بعض التصرفات الاستفزازية الخطيرة مثل قطع الطرق وإغلاق البوابات بين المدن.

2- خروج مطالب تنادي بضرورة توزيع مقاعد المؤتمر الوطني بالتساوي بين الأقاليم الليبية الثلاثة المعروفة ببرقة وطرابلس وفزان، وكانت هذه المطالب الأخيرة أكثر خطورة على الانتخابات من مطالب الفدرالية التي لا يمثلها سوى أقلية حاولت أن تمارس أفعال وتصرفات خارجة عن القانون لكي تلفت النظر إليها، كما حاولت أن تتبنى مطلب تسوية المقاعد لكي تتقوى بأنصار هذا المطلب عندما يتحالفون مع الفدراليين.

3- اندلاع مواجهات مسلحة بين بعض القبائل ولا سيما في الجنوب قبيل الانتخابات بفترة قصيرة، حيث أدى ضعف سيطرة الدولة وسهولة امتلاك السلاح إلى إثارة نعرات وثارات قديمة وجديدة أخذت تهدد الأمن والسلم الاجتماعي في وقت كانت فيه الانتخابات على الأبواب.

لقد تجمعت الظروف وتضافرت الإشكاليات لترسم أفقا للمشهد الانتخابي الليبي لا ينبئ بالنجاح مما جعل الكثيرين يتوقعون فشلها حتى بعد أن بدأت في صباح السابع من يوليو/تموز حيث بدأ الفدراليون والمطالبون بمساواة المقاعد يرسلون جماعات على شكل عصابات يغيرون على مراكز الاقتراع بقصد الاستيلاء على صناديق الاقتراع وإتلافها بما فيها وقد ساعدهم في ذلك أن قوات الأمن الموكول إليها حراسة هذه المراكز لديها أوامر بعدم استخدام القوة في حالة تصديها لهؤلاء وذلك خوفا من سقوط ضحايا واندلاع صراع مسلح داخل المدن.

كان التركيز على مدينة بنغازي لأنه إذا فشلت الانتخابات في هذه المدينة فمعنى ذلك فشل الانتخابات الليبية بكاملها، ولكن في إطار جدلية التحدي والاستجابة التي فرضتها الظروف على هذه المدينة، حدث ما لم يكن متوقعا حيث خرجت المدينة لا لكي تنتخب فقط بل لتحل أيضا محل قوات الأمن في حراسة مراكز الاقتراع، فقد تشكلت سلاسل بشرية عددها بالآلاف لحماية مئات المراكز من جماعات التخريب التي انتشرت في الأحياء لتنفيذ مخطط إفشال الانتخابات، ونظرا لأن ذلك جرى في بنغازي فقد اقتدت بها كل المدن الأخرى التي وقعت فيها محاولات التخريب.

لعل حدوث مثل هذا الأمر يعد نادرا أو ربما غير مسبوق في تاريخ انتخابات الشعوب حيث يقوم الناخبون بحماية مراكز الاقتراع في دولة ليس فيها جيش ولا أمن.

حدث ما لم يكن متوقعا في بنغازي حيث خرجت المدينة لا لكي تنتخب فقط بل لتحل أيضا محل قوات الأمن في حراسة مراكز الاقتراع

لم تكن هذه الاستجابة في حسبان الذين استقرؤوا واقع الانتخابات الليبية وتوقعوا فشلها فكانت المفاجأة كبيرة بالنسبة إليهم ولكنها لم تكن الوحيدة، فقد جاءت نتائج الانتخابات على عكس ما كان متوقعا.

ثانيا- فشل توقعات النتائج: ثورة ليبيا جزء مما بات يعرف بموجة ثورات الربيع العربي ولكن هناك بلدان جرت بها انتخابات أسفرت جميعها عن فوز الأحزاب الإسلامية بأغلبية كاسحة حتى أصبحت هذه النتائج بالنسبة للمراقبين والمحليين بمثابة نموذج يكرس واقعا يمكن تعميمه على كل ما سيأتى من انتخابات دونما حاجة إلى اجتهادات.

وبالتالي فقد تنبؤوا للانتخابات الليبية بنتائج مماثلة، فلن تشذ ليبيا في هذا المضمار عن المثالين المصري والتونسي ولا سيما أن الشعب الليبي شعب مسلم متدين لا توجد فيه طوائف ولا أديان أخرى إلى جانب أن بعض التيارات الإسلامية كانت من بين أكثر فئات المعارضة الليبية نشاطا وصداما مع نظام القذافي بل دخل بعضها معه في صراع مسلح زاد من احترام الشعب الليبي لهم ورأى فيهم أبطالا يدخلون على القذافي في عقر داره ويقاتلونه في المدن والجبال وهو في أوج قوته وطغيانه.

كما يضاف إلى هذا الإرث وتلك الاعتبارات خلو الساحة السياسية الليبية من أحزاب لها حضور سياسي وثقافي يستطيع استقطاب الجماهير، ولهذا فإن الكثيرين قد توقعوا أن تحقق الأحزاب الإسلامية في الانتخابات الليبية نتائج تتجاوز تلك التي حققها أقرانهم في تونس ومصر، غير أن النتائج التي أفرزتها الانتخابات جاءت مختلفة كثيرا عن هذه التوقعات ولعل ذلك يرجع في نظرنا لعدة أسباب من أهمها:

1- رغم إن الليبيين شعب مسلم متدين إلا أن ذلك لا يعنى أنهم منتمون تنظيميا لأحزاب إسلامية مؤدلجة، فالليبيون الذين كانوا يكبرون في المساجد والساحات والمعارك أثناء صراعهم مع القذافي، كانوا ينطلقون من مفهوم الإسلام الذي يمارسونه في شعائرهم وسلوكهم اليومي وليس انطلاقا من أطروحات تتعلق بالدولة وشؤون الحكم ولهذا فإن البرامج السياسية ذات المرجعية الدينية التي طرحها المرشحون الإسلاميون لم تكن -على ما يبدو- جاذبة للعامة الذين يبحثون عن مؤسسات تحقق لهم مطالبهم الحياتية الدنيوية التي حرموا منها منذ زمن بعيد بينما لا يحسون بأي قلق على حياتهم الدينية التي يمارسونها عبادة وسلوكا بعفوية كل يوم.

2- أدى ظهور جماعات إسلامية متطرفة في بعض المناطق والمدن الليبية إلى نشر الهلع والخوف بين مختلف فئات المجتمع وهذا انعكس سلبا على كل تجمع سياسي إسلامى، لأن هذه الجماعات رغم قلة عددها إلا أنها قامت بتصرفات منفرة وأعمال عنيفة كالاستعراضات المسلحة والاعتداء على المقابر التي يعتبر بعضها جزءا من التاريخ الإسلامى والليبي مثل مقبرة الصحابة بمدينة درنة التي تضم رفات زهير بن قيس البلوي وغيره من الصحابة الفاتحين رفاق عمرو بن العاص، كما أخذوا يعتدون على محال الزينة فضيقوا على النساء ومارسوا الحسبة وشكلوا جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طريقتهم الخاصة فضايقوا الناس ولا سيما الشباب في الجامعات فاصطدموا بهم وتوعدوا بتطهير المجتمع وبتطبيق أشد للشريعة.

لقد ساهم هؤلاء في رسم صورة مخيفة وسلبية لما ينتظر المجتمع في حالة وصولهم أو غيرهم من الإسلاميين إلى السلطة وإعلانهم لدولة دينية كما زاد الخوف من هذه الصورة عندما لازمت الأحزاب الإسلامية الصمت تجاه هذه الفئة وتصرفاتها ولم تعلن موقفا متشددا تجاه هذه الجماعة مما جعل الناس يفسرون هذا الموقف المتفرج على أنه إما أن يكون تعبيرا على استحسان هذه التصرفات أو من أجل استخدام هذه الجماعة كورقة ضغط على المجتمع لكي يختار الأحزاب الإسلامية الأخرى إذا أراد النجاة من الوقوع في براثن المتشددين.

الأحزاب الإسلامية تعد قوة سياسية في المجتمع الليبي رغم خسارتها الانتخابية على مستوى القوائم الحزبية لأن هناك عددا من الفائزين في قوائم المستقلين الذين ينتمون لهذه الأحزاب مما سيعطيهم وزنا لا يستهان به في المؤتمر الوطني

غير أن جمهور الناخبين الليبيين رفضوا -على ما يبدو- كلا الخيارين فكان ذلك من صالح تحالف القوى الوطنية الذي يضم عشرات الأحزاب والتيارات والشخصيات الوطنية التي ترفع مبادئ المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان ولا تستظل بأيدولوجيا دينية.

لاشك إن الأحزاب الإسلامية تعد قوة سياسية في المجتمع الليبي رغم خسارتها الانتخابية على مستوى القوائم الحزبية لأن هناك عددا من الفائزين في قوائم المستقلين الذين ينتمون لهذه الأحزاب مما سيعطيهم وزنا لا يستهان به في المؤتمر الوطني ولكن نجاح هؤلاء المرشحين الأفراد الذين لم يرشحوا تحت مظلة الحزب وشعاراته بل بصفاتهم الشخصية، يعد مؤشرا على أن برامج الإسلاميين وشعاراتهم ليست هي الطريق الأمثل للحصول على ثقة الناخب الليبي.

لقد كانت الثورة الليبية مفاجأة بالنسبة للقذافي ومن ثم العالم ولكنها في حقيقة الأمر كانت ضمن زخم ثورات الربيع العربي، أما المفاجأة الحقيقية -في نظرنا- تمثلت في نجاح أول انتخابات بعد الثورة في ظل غياب شبه تام للدولة والسلطة معا، وفي خروج نتائج هذه الانتخابات عن ما بات يعرف لدى المحللين بالمسلمة التي تحكم المستقبل السياسي لثورات الربيع العربي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة