بشار.. المقاوم للإرهاب!   
الاثنين 1434/12/24 هـ - الموافق 28/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:46 (مكة المكرمة)، 12:46 (غرينتش)
ياسر الزعاترة



في آخر حواراته الصحفية، وغالبا لوسائل إعلام أجنبية، بدا بشار الأسد أكثر وضوحا وحسما في الدور الذي يعرضه على الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة، وقد شجّعه على تقديم العرض، ذلك الفيض من شهادات حسن السلوك التي حصل عليها من جون كيري، ومن الأمم المتحدة فيما يخص تعاونه "السريع" مع جهود تدمير أسلحته الكيميائية.

والحال أن بشار لم يعد قلقا على مصيره في المدى القريب، وبالطبع بعد مرحلة توتر امتدت لأسابيع على خلفية قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما بتوجيه ضربة عسكرية لنظامه إثر استخدامه الكيميائي في الغوطة الشرقية، فقد أدرك أن أحدا لن يهدده لعام مقبل على الأقل، وربما أكثر، وهي الفترة التي تحتاجها تل أبيب للتأكد من التخلص من الأسلحة الكيميائية، مع أن الأمر قد يستمر لفترة أطول، لاسيما أنه سيكون بوسعه إحالة التعطيل لجماعات المعارضة المسلحة.

ويأتي ذلك في ظل قناعة الجميع بأن سقوطه قبل استكمال المهمة سيعني وقوع تلك الأسلحة بيد جماعات لا يمكن السيطرة عليها.

وإذا كانت التجربة قد بدت مخيفة لهم عقب سقوط القذافي الذي توزعت أسلحته على عناوين شتى من بينها قطاع غزة، فإن الأمر سيكون أكثر خطورة بكثير بالنسبة للسلاح الكيميائي، لاسيما أن في سوريا جماعات لن تتردد كثيرا في استخدامه في حال حصلت عليه ضد الكيان الصهيوني الذي يعيّرها كثيرون بأنها لا تهدد أمنه، مع أن الأمر لا يتعلق بقرار، بل بصعوبة ذلك، بل ربما باستحالته في ظل الوضع الأمني المعقد، داخليا، وفي المحيط.

لم يعد الأسد قلقا على مصيره في المدى القريب، فقد أدرك أن أحدا لن يهدده لعام مقبل وربما أكثر، وهي الفترة التي تحتاجها تل أبيب للتأكد من التخلص من الأسلحة الكيميائية، مع أن الأمر قد يستمر لفترة أطول، لاسيما أنه سيكون بوسعه إحالة التعطيل لجماعات المعارضة المسلحة

ليس هذا فقط ما يمنح بشار الأسد قدرا من الطمأنينة لبقائه في السلطة خلال المرحلة المقبلة، لاسيما أن حكاية الانتخابات لن تكون ممكنة في ظل تهجير الملايين من الشعب السوري، وفي ظل الوضع الأمني الصعب، وحيث يسيطر الثوار على حوالي 60% من التراب السوري. وعموما، فإن انتخابات تديرها أجهزته ستعني فوزه دون أدنى شك في حال إجرائها.

ما يمنح بشار قدرا آخر من الطمأنينة أيضا، يتمثل في الصفقة التي تعرضها طهران على الغرب، والتي تتمثل في التخلي عن الشق العسكري من المشروع النووي مقابل رفع العقوبات والإبقاء عليه (بشار).

لاسيما أنها (إيران) تدرك أن بقاءه هو الضامن الوحيد لمكتسباتها في العراق ولبنان، بل الضامن لعدم ضياع جهود عقود بُذلت فيها الكثير من الأموال والجهود، ومن العبث التضحية بها من أجل سلاح نووي لن يجدي كثيرا، وهو أصلا مخصص لمشروع التمدد في المنطقة في مواجهة الجيران الآخرين، وليس في مواجهة الكيان الصهيوني الذي يملك من الرؤوس النووية ما يمكنه تدمير إيران لو أراد ذلك، هذا بفرض تفكيرها في الأمر في ظل الوضع الدولي الراهن، وفي ظل حرص أقرب المحاور الدولية إليها (روسيا) على أمن الكيان الصهيوني بما لا يقل أبدا عن حرص الولايات المتحدة.

في المقابل لا تجد تل أبيب في خيار الإبقاء على بشار في السلطة ثمنا تدفعه، بقدر ما يشكل مكافأة لها تجنبها سيطرة جماعات خطيرة على البلد، وهو ما بدأت تدركه الولايات المتحدة أيضا بحسب ما صرح أحد مسؤوليها لصحيفة لوس أنجلوس تايمز.

فقد تحدث هذا المسؤول عن إمكانية أن تغدو سوريا مثل منطقة القبائل الأفغانية التي تستقطب الجهاديين من كل أنحاء العالم، مع فارق الأهمية الجيوإسترتيجية لسوريا، وحيث يمكن أن تشكل تهديدا للكيان الصهيوني بشكل خاص، ولعموم حلفاء أميركا في المنطقة بشكل عام، فضلا عما ينطوي عليه ذلك من ملامح تصدير للعنف نحو الخارج أيضا، كما حصل في العمليات التي خططت وانطلقت من أفغانستان أيام وجود أسامة بن لادن فيها إبان حكم حركة طالبان.

بشار الضعيف المنهك، والذي يدير بلدا مدمرا تأكله الانقسامات هو أفضل ألف مرة من أي بديل آخر، مع أن الحصول على نظام بمقاس عربي "معتدل" يسيطر على البلد يُعد جيدا أيضا، وهنا تحديدا تبدأ مخاوف بشار.

وردا على تلك المخاوف يعرض بشار على الغرب وعلى الكيان الصهيوني، مهمة جديدة بالغة الأهمية قد تمنحه وصفة بقاء طويلة المدى.

وتتمثل هذه المهمة في دخوله معركة استئصال للجهاديين الذين ينتشرون في سوريا ويهددون العراق، بل ويهددون حلفاء آخرين من أنظمة المنطقة، وربما يهددون في محطات قادمة الغرب نفسه، فضلا عن الكيان الصهيوني كما يردد بشار.

إنه يعرض نفسه بمثابة رأس حربة في المواجهة مع هذه القوى، وهو عرض سيجد على الأرجح آذانا صاغية من قبل الغربيين والإسرائيليين، فيما تمنحه بعض الممارسات "المتطرفة" فرصة القبول أكثر فأكثر، لاسيما تلك التي تصر على بناء إمارات هنا وهناك، بدل الانشغال بقتال النظام وإسقاطه، ما يعزز الفكرة التي ذكرتها الصحيفة الأميركية وأشرنا إليها آنفا.

بشار الضعيف المنهك، والذي يدير بلدا مدمرا تأكله الانقسامات هو أفضل ألف مرة من أي بديل آخر، مع أن الحصول على نظام بمقاس عربي "معتدل" يسيطر على البلد يُعد جيدا أيضا، وهنا تحديدا تبدأ مخاوف بشار

يُشار في هذا السياق إلى أن نظام بشار له سجل في التعاون مع أميركا فيما خصّ الجهاديين، وهو تعاون معهم إبان المواجهة مع الاحتلال الأميركي للعراق، ثم ما لبث أن انقلب عليهم وقدم معلومات كثيرة عنهم للأميركيين، وللنظام العراقي أيضا، فيما اعتقل آخرين، ما لبث أن أفرج عن بعضهم لكي يتحركوا ويستثمرهم في القول إنه يواجه موجة إرهاب، وليس ثورة شعبية.

هذه المعادلة الجديدة ستعني بكل وضوح أن جنيف2 لن يكون برسم النجاح، هذا في حال عقده أصلا، وتعني أيضا أن لعبة الاستنزاف ستطول أكثر، وربما تغدو أكثر سخونة، في ذات الوقت الذي تفرض فيه وضعا صعبا على داعمي الثورة الذين يريدون انتصارها فعلا.

وفي المقدمة من هؤلاء تركيا التي هددها بشار بنبرة طائفية واضحة، والتي تميل اليوم إلى مقاربة جديدة (فتح مسار جديد مع إيران وحلفائها) ترد من خلالها على انحياز السعودية وبعض دول الخليج ضدها، بل التآمر عليها في بعض الأحيان.

معادلة استنزاف من الصعب الجزم بمداها، وربما من الصعب الجزم بتفاصيلها النهائية أيضا، لكن المؤكد أن عودة الوضع إلى ما كان عليه من حيث سيطرة طائفة صغيرة على سوريا لن تكون واردة بأي حال مهما كان الثمن، ومهما طال أمد الحرب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة