حماس والاختبار الأمني   
الأحد 1427/3/11 هـ - الموافق 9/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:57 (مكة المكرمة)، 10:57 (غرينتش)


إبراهيم حمامي

- الأجهزة الأمنية وتوزيعها
- المسؤولية عن الانفلات
- التحدي والاختبار
- نجاح أم فشل؟

لم يطل انتظار حكومة حماس الجديدة قبل أن تواجه في أقل من 48 ساعة على توليها زمام الأمور اختبارها الأول بشكل كاد أن يصل حد الاقتتال بعد اغتيال أبو يوسف القوقا بسيارة مفخخة واتهام قيادات في الأجهزة الأمنية بالوقوف وراء عملية الاغتيال، فتبدأ مهمتها مع أعقد الملفات على الساحة الفلسطينية وأكثرها سخونة وهو ملف الانفلات الأمني المستعصي على الحل منذ فترة.

بداية يجب التمييز بين الفوضى الأمنية التي تعني حالة من الفوضى العامة يتم التعدي فيها على الممتلكات وإطلاق النار كالمشاكل بين العائلات والخلافات بين أعضاء مؤسسة ما أو حتى إطلاق النار في الأعراس والجنائز، وبين الانفلات الأمني.

فالانفلات الأمني هو "مجموع أعمال العنف التي تقع داخل المجتمع وينجم عنها إضرار بحقوق المواطنين يرتكبها أشخاص ينتمون للأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون أو يحسبون عليها" أي أن من يقوم بهذا الانفلات هنا هو الأجهزة الأمنية نفسها.

الفوضى والانفلات الأمني طال الجميع وحصد العشرات من الأبرياء، وبحسب إحصائيات المراكز الحقوقية فقد سقط 56 مواطنا عام 2003 و93 مواطنا عام 2004 ليرتفع العدد إلى 127 عام 2005 (حتى 31/10/2005) هذا عدا الخسائر المادية بسبب عمليات إحراق المؤسسات والأملاك، وحوادث الاختطاف والاعتداءات بكافة أشكالها.

"
الانفلات الأمني يشكل التحدي الأكبر أمام حكومة حماس في التعامل مع ولاءات تعاديها وأجهزة يتكون معظمها من حركة فتح التي لا تخفي بعض قياداتها نيتها إفشال حماس
"
الأجهزة الأمنية وتوزيعها
ظاهرة الانفلات الأمني ليست وليدة الساعة لكنها بدأت مع بدايات السلطة الفلسطينية، ومن خلال تعدد الأجهزة الأمنية وتداخل صلاحياتها وتشتت ولاءاتها بين قياداتها، وكذلك من خلال خرق القانون الذي أصبح سمة مميزة لهذه الأجهزة، خاصة عمليات الاعتقال السياسي واستخدام وسائل التعذيب في التحقيق والسجن بدون محاكمات.

ومنها كذلك خلق مجموعات مسلحة أشبه بالمليشيات أهمها وأشرسها فرقة الموت التي ولدت من رحم الأمن الوقائي والتي أعلن عن حلها رشيد أبو شباك في شهر 11/2005 بعد سنوات من نفي وجودها.

ورغم أن اتفاقية القاهرة الموقعة يوم 04/05/1994 تنص على أن التركيبة الأساسية لنظام السلطة الأمني هي "شرطة قوية" حددت بـ 9000 عنصر توافق عليهم سلطات الاحتلال، فإن عدد الأجهزة الأمنية وعناصرها تضاعف بشكل كبير ليضم:

1- القوة 17: تضم الآلاف من القوات الخاصة بحماية المسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية، وتعمل بالتنسيق مع الأمن الوطني لحماية الرئيس.

2- الأمن الوطني: العصب الرئيسي لقوات الأمن في السلطة، وهو مسؤول عن أمن المناطق الفلسطينية وحماية السلطة من أي تهديد خارجي، من الناحية النظرية على الأقل.

3- الاستخبارات العسكرية: وحدة عسكرية قوية تجمع المعلومات عن "العدو الخارجي" وتهتم بالأمن الداخلي، وتشرف أيضاً على الشرطة العسكرية التي تحولت في مرحلة إلى حرس رمزي لعرفات.

4- الأمن الوقائي: الأكثر إثارة للجدل والأقوى بين الأجهزة الأمنية، وهو المسؤول عن الأمن الداخلي والمخابرات والسجون والتحقيق وكذلك عن الاستيراد والتصدير في مناطق السلطة.

5- الأمن العام: مئات من العناصر ذوي الخبرة في الأمور الاستخبارية خدم معظمهم لسنوات في تونس، وهو مسؤول عن الوقاية من عمليات شين بيت.

6- الأمن الخاص: مجموعة صغيرة من الضباط لجمع المعلومات عن التنظيمات المعارضة، وهو مسؤول عن التحقيقات الداخلية.

7- الشرطة الفلسطينية: عشرات الآلاف من العناصر المسؤولة عن حفظ النظام المدني.

8- الشرطة البحرية: بمثابة خفر السواحل، وتستخدم أيضاً لمكافحة الشغب وأمن السجون.

9- الدفاع المدني: للطوارئ والحريق.

10- الشرطة النسائية: وهي كما يوحي به الاسم.

11- القوة الجوية: لحماية الرئيس في الجو!

12- الشرطة الجوية: قوة صغيرة مسؤولة عن طائرة الرئيس والملاحة الجوية.

13. إدارة الأمن العام: للتنسيق بين الأجهزة الأمنية المختلفة.

هذا العدد والتوزيع الذي يفوق أكثر الدول تعداداً للسكان وأكبرها مساحة، كان سبباً في ظهور مراكز قوى تحدت السلطة الرسمية في شخص رئيس السلطة كما حدث صيف عام 2004.

ومن خير مثال على ذلك خروج محمد دحلان على سلطة عرفات، وإثارة حالة أسماها حركة احتجاج إصلاحية كانت نتيجتها اختطاف 9 مسؤولين وصحفيين أجانب و14 اعتداء على مؤسسات حكومية واقتحامات للسجن والتشريعي والشركات العامة وإطلاق نار كثيف في الشوارع، وهي الأحداث التي شكلت مفصلاً رئيسياً في حالة الانفلات التي تلتها.

وهذا هو ما حدا بقيادة السلطة والتشريعي لمحاولة تقليص عدد الأجهزة الأمنية، وإخضاعها لقيادة موحدة عبر سلسلة من القرارات فشلت جميعها في تحقيق هذه الغاية.

وكان من أهم هذه القرارات ما يلي:
- مرسوم رئاسي بتاريخ 17/07/2004 بتوحيد الأجهزة الأمنية في ثلاثة أجهزة، هي الأمن الوطني والمخابرات والأمن الداخلي.

- 27/09/2005 إعادة تشكيل مجلس الأمن القومي الفلسطيني (أنشأه عرفات عام 2003).

- مقابل ذلك وفي خطوة تناقض السابق استُحدث جهاز جديد في شهر 08 من عام 2004 تحت اسم جهاز أمن المعلومات في ديوان رئيس الوزراء!

من العرض السابق يتضح التضارب في الصلاحيات بين الأجهزة، إضافة إلى أن قيادات تلك الأجهزة تحولت إلى مراكز قوى معتمدة على عناصر أجهزتها وتحريكها كيفما تشاء للاحتجاج والاعتراض والمطالبة بالوظائف وغيرها من مظاهر الانفلات التي شهدتها وتشهدها الساحة الفلسطينية.

وهذا هو ما يشكل التحدي الأكبر أمام حكومة حماس للتعامل مع ولاءات تعاديها وأجهزة يتكون معظمها من حركة فتح التي لا تخفي بعض قياداتها نيتها إفشال حماس والاستمرار في "الطخطخة" حتى إسقاطها، معتبرة أنه من العار مشاركتها في الحكومة.

"
ثمة إجماع قل نظيره في الساحة الفلسطينية على مسؤولية الأجهزة الأمنية ومن يقف وراءها عن حالة الفوضى والانفلات التي تعم المجتمع، بل إن الأمر وصل مؤخرا إلى حد توجيه أصابع الاتهام نحو أجهزة بعينها خاصة الأمن الوقائي وقيادات باسمها
"
المسؤولية عن الانفلات

في إجماع قل نظيره في الساحة الفلسطينية يتفق الجميع على مسؤولية الأجهزة الأمنية ومن يقف وراءها عن حالة الفوضى والانفلات التي تعم المجتمع، بل إن الأمر وصل مؤخرا إلى حد توجيه أصابع الاتهام نحو أجهزة بعينها خاصة الأمن الوقائي وقيادات باسمها، وهو ما شكل حالة من الاحتقان مع بداية مهمة سعيد صيام وزير الداخلية الجديد.

الإقرار بمسؤولية تلك الأجهزة جاء من جهات عديدة، وفيما يلي حصر لأهمها:

- المجلس التشريعي السابق الذي أصدر عدة تقارير حول الموضوع منها: تقرير لجنة الداخلية والأمن المحلي بتاريخ 16/12/2003 الذي اعتبر أن المجتمع قد تحول إلى غابة من السلاح، وتقرير المجلس في جلسته الخاصة بتاريخ 25/05/2004 حول مشروع قانون لتنظيم الأجهزة الأمنية، وقراره الأهم بتاريخ 24/03/2005 بتحميل السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية المسؤولية عن الانفلات الأمني.

- تصريح وزير الداخلية السابق نصر يوسف أمام التشريعي يوم 19/10/2005 بأن الأجهزة الأمنية مدعومة وموجهة من الخارج ولا تستجيب لتعليماته، وبأن هناك مرتكزا قويا داخلها.

- إقرار قادة الأجهزة الأمنية بمسؤوليتهم في اجتماع عقدوه بتاريخ 08/03/2004.

- تصريح رشيد أبو شباك مسؤول الأمن الوقائي وفرقة الموت في شهر أبريل/نيسان من عام 2004 بأن معظم التجاوزات تتم على أيدي الأجهزة الأمنية.

- إقرار محمود عباس بعد عودته إلى رام الله يوم 05/01/2006 بضعف السلطة أمام الانفلات والفوضى.

كل هذا يقود إلى التساؤل: ما هي أسباب هذا الضعف واستمرار الانفلات المنظم إن جاز التعبير؟

التحدي والاختبار
الإجابة عن السؤال السابق تعني تحديد النقاط التي تجب معالجتها من قبل الحكومة الجديدة لإنهاء هذه الظاهرة المستفحلة، وبشكل عام ودون الإغراق في التفاصيل يمكن تحديدها في:

• ضعف المؤسسة الرسمية: رئاسة وحكومة.
• ضعف القضاء وتراخيه وعدم ملاحقة المتسببين في حالات الانفلات، بل وفي بعض الحالات التستر عليهم ودعمهم.
• تداخل الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية وبين السلطات التنفيذية والانتشار العشوائي للأسلحة.
• استمرار حالة الاحتلال والاعتداءات المتكررة.
• تدني مستوى الوعي العام لدى الأفراد.
• المطامع الشخصية لبعض القيادات في بسط نفوذها عبر أجهزتها.

هذه التحديات والأسباب أضيف لها عامل آخر هو الاتهام المباشر يوم الجمعة الماضي من قبل الناطق الرسمي باسم لجان المقاومة الشعبية محمد أبو عبير لأجهزة وأسماء حددها بتورطها في اغتيال أبو يوسف القوقا.

وردة الفعل العنيفة والاتهامات المضادة من دحلان والمشهراوي، وانتقادهما الشديد للوزير الجديد ووزارة الداخلية لضعف ردها حسب رأيهما، يشكل عاملا جديدا على الوزير الجديد مواجهته.

سعيد صيام قرر التصرف بحكمة في وجه التحديات، فقرر تشكيل لجنة تحقيق من أربعة أجهزة أمنية وأعلن الجميع استعدادهم للتعاون، لكن هل سيمتثل الجميع لقرار اللجنة؟ هذا أمر آخر لا يمكن التكهن به.

تحدٍ آخر يواجه الحكومة الجديدة يتمثل في صراع الصلاحيات مع مؤسسة الرئاسة، حيث تصر قيادات فتح على تقاسم الصلاحيات حول الأجهزة الأمنية وتوزيع مهامها، إلا أن الفيصل في هذا الأمر هو القانون الأساسي الذي ينص على أن يتحمل مجلس الوزراء ورئيس الوزراء مسؤولية حفظ النظام العام والأمن الداخلي وفق ما أشارت إليه المادة رقم (70) من القانون الأساسي.

وهذا يعني أن وزارة الداخلية ومن خلال أفرعها "الشرطة والأمن الوقائي والأمن الوطني" هي من صلاحيات وزير الداخلية الذي هو جزء من مجلس الوزراء، ويخضع لمراقبة ومحاسبة المجلس التشريعي.

عامل أخير لا يقل أهمية وهو يتمثل في تكوين هذه الأجهزة الأمنية وولائها، حيث تتشكل من عناصر من حركة فتح أو محسوبة عليها، وهو ما قد يستغله البعض لإحداث بلبلة وتمرد وربما انقلاب على سلطة الوزير الجديد.

وسبق أن شاهدنا نسخة مصغرة في محاولة التمرد على رئيس التشريعي د. دويك ورفض طلباته وأوامره، ولهذا السبب ربما جاء اختيار سعيد صيام لمهمة وزير الداخلية لكونه من الشخصيات المحبوبة التي تحظى باحترام كافة الفصائل بما فيها حركة فتح، وهو المشهور أيضاً بهدوئه وسعة صدره.

"
فشل حركة حماس سيكون فشلاً لخيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي، ووصفة جاهزة لعودة الفساد بل واستشرائه، وربما انهيار كامل لمؤسسات الشعب الفلسطيني
"
نجاح أم فشل؟
ما زالت الحكومة الجديدة في أول طريقها، والتركة التي استلمتها ثقيلة بكل معنى الكلمة، وفي جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ورهان البعض على سقوطها وفشلها ليس بالأمر المخفي، بل يحاول البعض إعداد حكومة موازية تكون جاهزة للانقضاض على السلطة بعد إفشال حكومة حماس.

لكن مع ذلك يبقى الجانب الأمني أكبر التحديات أمام الحكومة الجديدة، وبؤرة الاستقرار أو التفجير بحسب طريقة التعامل معه.

الفشل كان من نصيب الحكومات السابقة، والمشكلة أصبحت هاجساً يومياً لدى المواطن العادي البسيط، والمتربصون كثر، والأعداء أكثر، والوضع بشكل عام ليس بالمريح إن لم يكن يزداد سوءاً، فهل تنجح حماس في تجاوز الأزمة وكسب الرهان، أم سيكون الفشل مصيرها كغيرها من الحكومات السابقة؟

رغم أن الزمن وحده وإجراءات حركة حماس هو من سيحدد الإجابة، فإنه يجب التذكير أن فشل حركة حماس سيكون فشلاً لخيار الشعب الفلسطيني الديمقراطي، ووصفة جاهزة لعودة الفساد بل واستشرائه، وربما انهيارا كاملا لمؤسسات الشعب الفلسطيني، وهو ما لا يريده من يحرص على مصلحة هذا الشعب.

ولذلك يجب على الجميع التضامن والتآزر لإصلاح البيت الفلسطيني من الداخل، لنتمكن جميعاً من مواجهة التحديات الخارجية وعلى رأسها الاحتلال وإجراءاته وخططه.
__________________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة