العرب من المحور السوري الإيراني إلى الإيراني الإسرائيلي   
السبت 1435/3/4 هـ - الموافق 4/1/2014 م (آخر تحديث) الساعة 15:32 (مكة المكرمة)، 12:32 (غرينتش)
عبد الله الأشعل

 

تشير التطورات في المنطقة إلى تغير جوهري في التحالفات تشي بتغير في خريطة الشرق الأوسط والعالم العربي.

فقد ظلت مصر هي مركز التحولات في المنطقة حتى عام 1967، فكانت هزيمة الجيش المصري إنهاء لدور مصر كدولة مركزية في الإقليم، وكان العداء بينها وبين إيران الشاه قائما على فكرة أن مصر هي رأس الحربة للعروبة والقومية والوحدة، وأن إيران تعادي المد القومي العربي الذي اصطدم بالقومية الفارسية المتطرفة التي تعتبر الخليج مجالها الحيوي.

وقد سبق أن أشرنا في مناسبات سابقة إلى أن إيران لم تكن يوما قوة آسيوية، بل كانت وجهتها دائما إلى الخليج والمنطقة العربية.

وأبرز الأمثلة أن الحضارات الفارسية القديمة ذات الطابع العسكري والتوسعي قد اتجهت صوب مصر، ولم يثبت لدينا أنها احتكت بالعراق رغم الجوار الجغرافي، رغم التفاوت في التاريخ بين ظهور الحضارات الفارسية وحضارات ما بين النهرين أو الرافدين.

الحضارات الفارسية القديمة ذات الطابع التوسعي اتجهت صوب مصر، ولا يزال اتجاه إيران إلى السياسات الإقليمية في غربها هو الخط الإستراتيجي لإيران مهما تغير الحكم فيها

معنى ذلك أن اتجاه إيران إلى السياسات الإقليمية في غربها لا يزال هو الخط الإستراتيجي لإيران مهما تغير الحكم فيها.

على الجانب المصري، منيت مصر بهزيمة عسكرية وسياسية منكرة لم يبق منها إلا ما يكفي لقيادة العالم العربي في آخر مواجهة عسكرية مع إسرائيل لتحرير سيناء دون بقية الأراضي المحتلة.

وهو ما دفع مصر إلى الإسراع باقتناص الفرصة الأخيرة، وإدخال مصر في شبكة التحالف الأميركي الإسرائيلي لاسترداد سيناء ولو محملة بأعباء تشل إرادة مصر وجيشها.

وقد تخلت مقابل ذلك عن إرادة الدور والحركة، بل تكفل السادات ومبارك بإحكام هذا التوجه وحرمان مصر من القدرة على الحركة حتى لو أطلقت يداها، وصارت عبئا على الخليج كضمانة للهيمنة السياسية الأميركية والإسرائيلية.

ولما كان لسوريا خيار مختلف فقد ظلت تعاني التيه السياسي من دون مصر التي تخلت تماما عن دورها التحرري والعروبي، بل لعبت دورا في مناهضة خطها القديم في الداخل والخارج، حتى قررت مصر نهائيا عام 1979 الارتباط بواشنطن وإسرائيل وطلاق العروبة والاتحاد السوفياتي والصراع العربي الإسرائيلي، فاضطرت سوريا إلى السعي نحو تحالف جديد مع إيران الثورة التي اندلعت قبيل معاهدة السلام المصرية بعدة أسابيع.

وهكذا تشكل في المنطقة محوران، أحدهما تقوده مصر للتبعية لواشنطن وإسرائيل، حيث يتولى الخليج مساندة مصر ضمن هذه الصفقة، مقابل المحور الجديد الإيراني السوري القائم على حسابات إستراتيجية عميقة، وفي نفس الوقت يعادي المعسكر الثاني.

ولذلك كان طبيعيا أن تتدهور العلاقات السورية مع المعسكر العربي بزعامة مصر "الأميركية" التي حل العلم الإسرائيلي فيها على ضفاف النيل محل الجامعة العربية التي تبعد أمتارا عن مقر السفارة الإسرائيلية.

ثم بدأت واشنطن وإسرائيل بمعاونة معسكرها العربي الجديد تحارب الحلف الإيراني السوري الذي دعم المقاومة في لبنان وفلسطين ضد إسرائيل، ولم يُظهر عداء ظاهرا للتحالف العربي الجديد، إلى أن جدّ حادث جوهري وهو اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (الفرس المجوس) فتولى العراق تنفيذ هذه الصفقة للقضاء على الثورة الإسلامية وتحجيم إيران بدعم خليجي ولصالح الخليج وإسرائيل وواشنطن بعد حادث رهائنها في طهران في نوفمبر/تشرين الثاني 1979.

وكان قرار مهاجمة طهران تحركه آمال كبار، وهي القضاء على إيران الجديدة وإخضاعها للعراق بزعامة "ناصر العراقي"، وتطويع هذا الناصر الجديد لسلام مع إسرائيل على غرار سلام السادات، فيصبح العراق هو الزعامة البديلة لمصر، ويهيمن البعث العراقي على السوري، وتنتهي المقاومة اللبنانية لإسرائيل التي لم تكن قد ظهرت حينذاك.

ولكن في الوقت الذي اندحر فيه العراق ظهر حزب الله مع غزو بيروت 1982، ثم ظهرت حماس بعد الانتفاضة الأولى عام 1987 قبل عامين من عودة العلاقات العربية المصرية على أساس قيادة مصر للتحالف العربي الجديد الذي كان يساند الغزو العراقي لإيران بعد شهور من الثورة الإسلامية فيها.

والخطير في الأمر هو أن "الغزو" العراقي لإيران بمساندة عربية وإسرائيلية وغربية قد نبه إيران إلى أن العراق، الذي كان يوما من مناطق نفوذها، صار أكبر مهدد لأمنها القومي، فصار العراق ومصر هما أكبر أعداء إيران والتحالف السوري الإيراني، كما أنه فتح الملف الشيعي كورقة في السياسات الإيرانية.

تقدمت واشنطن خطوات على إسرائيل في الاقتناع بأن القضاء على إيران كقوة إقليمية لا يمكن أن يتم بالمواجهة، وأنه لا مفر من مصادقتها بشروط تضمن المصالح الأميركية والإسرائيلية لكنها تعيد ترتيب خرائط المنطقة

وقد حاول التحالف العربي الإسرائيلي الأميركي كسر التحالف السوري الإيراني بكل الطرق، وضرب أطرافه، كل واحد على انفراد.

وكان من تداعيات ذلك كله إجبار إسرائيل على الفرار من جنوب لبنان عام 2000، ثم كان الانتقام الكبير عام 2005 باغتيال الحريري وسحب الجيش السوري من لبنان وبداية المتاعب لحزب الله، وفي 2006 كان العدوان الإسرائيلي ودعم التحالف العربي له ضد التحالف الآخر الذي صد العدوان وسجل انتصارات ظاهرة.

وظل التوتر بين التحالفين حتى قامت الثورة الشعبية المصرية عام 2011، وسوف يسجل التاريخ أن أحد أهم نتائج هذه الثورة هو هذا التحول الجديد.

فإذا كانت الثورة قد أخرجت مبارك من السلطة وهو رأس التحالف العربي الصهيوني ضد التحالف السوري الإيراني، فقد انتقل المد بسرعة إلى نظام الأسد في سوريا خلال أسابيع، وكان من تبعات هذه الثورة -دون دخول في التفاصيل- هو تورط مصر في أزمات أخرجتها من معادلة القوة حتى من داخل المعسكر العربي الصهيوني.

وإذا كان الملف النووي هو مركز التفاعلات، فإن التحالفات الجديدة تنطلق منه ولكن لا تقتصر عليه.

فقد استخدمت إيران هذا الملف حتى تقنع الغرب بجدارتها كلاعب إقليمي، وكانت الأزمة السورية حربا بالوكالة بين إيران والمعسكر العربي، ومصر في المقدمة، حتى مع تولي محمد مرسي الرئاسة، لاعتبارات أخرى، ولم يكن ممكنا أن ينزل أي منهما هزيمة ساحقة بالآخر.

فكانت نقطة المراجعة التي بدأتها طهران وواشنطن منذ مدة، خاصة وأن إيران قد أصبحت تملك الكثير من أوراق القوة ضد واشنطن منذ أفغانستان إلى سوريا إلى الخليج وداخل السعودية والبحرين والكويت وغيرها، فضلا عن صمود طهران ومواجهة العزلة والعقوبات، وصمودها مع نظام الأسد في سوريا، ثم ظهور روسيا على المسرح الإقليمي بإلحاح.

ويبدو أن واشنطن تقدمت إسرائيل خطوات قليلة في الاقتناع بأن القضاء على إيران كقوة إقليمية لا يمكن أن يتم بالمواجهة، وأنه لا مفر من مصادقتها بشروط تضمن المصالح الأميركية والإسرائيلية لكنها تعيد ترتيب خرائط المنطقة.

وفى مايو/أيار 2014 تستأنف مفاوضات الملف النووي، وتتم مراجعة جسور بناء الثقة في المرحلة الانتقالية. ومن بين الأوراق التي تطالب إيران بتقديمها، إرضاء إسرائيل وربما تكوين محور معها على المدى البعيد لتحجيم المنطقة.

على أن يحل هذا المحور محل المحور السوري الإيراني دون التضحية بسوريا، وهي جغرافيا الحلقة الرابطة بين إيران ولبنان.

ويترتب على هذا تحويل حزب الله وحماس إلى أحزاب سياسية، وإلى حراسة أمن الخليج وإلى تخفيف لهجة الحديث عن فلسطين والقدس ما دام العرب أصحاب القضية كانوا قد تفرغوا للتحالف مع إسرائيل لمناهضة إيران.

لن تجد إيران معضلة في تحولها الجديد من جهة الداخل الإيراني وتعبئته، وهذا أحد أهم عوامل تقويض إيران وسلطتها، فالهدف هو إعادة إيران مرة أخرى إلى مرحلة الشاه وتحريرها من بقايا الثورة الإسلامية

ولا أظن أن السلطة الإيرانية ستجد معضلة في هذا التحول من جهة الداخل الإيراني وتعبئته، وهذا أحد أهم عوامل تقويض إيران وسلطتها في الداخل، ما دام هدف واشنطن وإسرائيل في النهاية هو إعادة إيران مرة أخرى إلى مرحلة الشاه وتحريرها من بقايا الثورة الإسلامية.

على المدى البعيد، هذا الحلف لن يصمد طويلا، بعد أن تكون إيران قد ضحت بأوراقها الشيعية وضياع لبنان وتغول إسرائيل وانتحار حزب الله وإضعاف شيعة لبنان مرة أخرى.

إن إقدام إيران على هذا الطريق بكل ما فيه من مغريات ومخاطر يشبه طريق السادات نحو واشنطن وإسرائيل، وسوف تجد إيران نفسها في نهاية النفق أشبه بحالة مصر التي وصلت بفضل تحالفها العربي الصهيوني إلى نهاية النفق، بعد أن فقدت بيئتها العربية الحاضنة وعادت إلى أطلال لا ينفع البكاء عليها.

وقد دعوت منذ سنوات عدة إلى حوار عربي إيراني، لكن رهن الإرادات العربية لواشنطن أذهب الدعوة أدراج الرياح، ولا أظن أن الوقت الآن قد فات تماما لو استجمع العرب إرادتهم، بدلا من عرقلة المسيرة وإيغار صدر واشنطن وإيران والدفع إلى تحالف بعض العرب مع إسرائيل، وهو خطأ إستراتيجي قاتل.

إن واشنطن تتجه إلى الأفول، ولكن قوتها الراهنة تكفي لإدارة التطورات الجديدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة