السياسة والدين في تركيا وتونس   
السبت 6/1/1435 هـ - الموافق 9/11/2013 م (آخر تحديث) الساعة 18:41 (مكة المكرمة)، 15:41 (غرينتش)
زهير إسماعيل




ثنائية الدين والسياسة
العدالة والتنمية
حركة النهضة

الحديث عن الدين والسياسة في تركيا وتونس لا يخرج عن مبحث العلاقة بين هذين المستويين، فضلا عن أن المجال الذي تنتمي إليه التجربتان التونسية والتركية هو المجال الثقافي التاريخي الإسلامي.

ومعلوم أن ما لعبته السياسة في هذا المجال يضاهي ما لعبه العلم في الحضارة الأوروبية منذ عصر النهضة، ذلك أن التعارض الأساسي الذي كان هناك بين العلم والدين كان تعارضا هنا بين السياسة والدين.

غير أن هذا الأمر لا يمنع من التنبيه على ما كان من تأثّر وتأثير بين ضفتي المتوسط. وقد طال الثنائيتين المذكورتين: الدين/السياسة هنا، والدين/العلم هناك. وسأكتفي بالوقوف على ثنائية الدين والسياسة وما لحق باشتغالها في مجالنا العربي الإسلامي من تأثير وافد.

وأعني هنا تأثير الثقافة الأوروبية، وهي في جوهرها لم تخرج عن المنوال الثقافي اليهودي المسيحي رغم ما درج عليه المهتمون بهذا المنوال من حديث عن مراحل وقطائع معرفية.

ثنائية الدين والسياسة
لا يعني هذا أن التمييز بين ما هو ديني وما هو سياسي كان غائبا في تجربتنا التاريخية، ولكنه كان داخل منوالنا الثقافي ومرتبطا بتصوراتنا عن الدين والمجتمع وهويات الانتظام السياسي.

ولهذا التحول في العلاقة بين مكوّني الثنائية صلة بالتحولات التي شهدها مجالنا التاريخي، وأخصّ أهمها وهو -في تقديري- التحوّل من ثقافة المشافهة إلى ثقافة الكتابة.
 
لم يكن التمييز بين ما هو ديني وما هو سياسي غائبا في تجربتنا التاريخية، ولكنه كان داخل منوالنا الثقافي ومرتبطا بتصوراتنا عن الدين والمجتمع وهويات الانتظام السياسي
وكان بعض ممّن اشتغلوا بعلوم العربية انتبهوا إلى ما كان من تحولات يُسميها ابن خلدون سنّة التبدل.

ويرى صاحب المقدمة أنه لا ينتبه إلى هذه السنن إلا أفراد من الناس، ويبدو أن الانتباه إلى هذه السنة من مميزات ثقافة الكتابة لما في الانتباه إلى السنن من معاني القياس، والقياس سليل الكتابة.

وممّن فتح الله عليهم بالانتباه إلى سنة التبدل من علمائنا، الفقيه الأصولي المالكي أبو بكر بن العربي الإشبيلي (ت 543هـ) وقد أشار في "إحْكامه" إلى أنه مع حلول القرن الرابع صار الأمراء فريقا والعلماء فريقا آخر، وصار الجند فريقا والعامة فريقا آخر، وهو يشير بهذا إلى الانقسام الاجتماعي وظهور مجال سياسي جديد لم تكن معالمه واضحة في المرحلة الشفاهية.

ورغم هذه التحولات فإن لطرح علاقة الدين بالسياسة خصوصية ثقافية. ولم يحدث تغيّر حقيقي في العلاقة بين الدين والسياسة إلا تحت تأثير الثقافة الأوروبية الوافدة، وهي ثقافة تغطي مساحة واسعة من العالم يمتد أثرها إلى الحميمي من حياة الناس، إلى ملابسهم ومشاربهم ومآكلهم، وربّما مازج أثرُها الميول والأهواء وكيّفها إلى درجة صار الحديث فيها عن شرق وغرب من باب التجوّز.

ولنا أن نقول: إن هو إلاّ غربٌ يطمح إلى أن يكون غربَ المشارق والمغارب، فكيف تبدو لنا ثنائيّة الدين والسياسة ثنائية "مسيحانية"؟

الحداثة علمنةٌ للمسيحية. وكان منطلق هذه العملية الكبيرة مع الإصلاحيْن الديني والفلسفي في القرن السابع عشر، في أوروبا الناهضة.

ولا يتضارب هذا مع اعتبار الحداثة اتجاها عاما مداره على يأس مطلق من الدين وأمل لا حدّ له في العقل، وهذا ما ساعد على رسم حدود واضحة بين المجال الديني والمجال السياسي. فكانت العَلمانية -كما ظهرت في السياق الأوروبي- صورةً من الرؤية المسيحية للعالم: دعْ ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

ويُنسى أن من يُعطي نصيبَ قيصر ونصيبَ الإله هو الإنسان نفسه، ولذلك كان رجل الدين المسيحي يظن أن ما يقوله عن الدين يطابق الدين في ذاته، أي الأصل. والمطابقة نزعة غلبت على العصر الهيلنستي قوامها أن ما نقوله عن الطبيعة يطابق -أو يكاد- الطبيعة في ذاتها، ولذلك كانت هذه الخصوصية من الأسس التي قامت عليها العلمانية في المجال الثقافي الأوروبي.

وأما في المجال الثقافي العربي الإسلامي فإن علاقة الدين بالسياسة تأثرت "بالإصلاح المحمّدي"، وقد قام على مبدأين أساسيين:

ـ المبدأ الأول: نفي فكرة المطابقة التي كان من تبعاتها الفكرية اعتقاد الإنسان بإمكانية بلوغه الأسباب، أي التوهم بإدراك الكليّ مقدّمةً إلى التأله.

واعتبر الدين الخاتم أن الإنسان لا يدرك إلا مجاري عادات تساعده على بناء عمران بشري متوازن.

ـ المبدأ الثاني: أن الدين ليس سوى ما نفهمه من الدين، ولا وجود للدين في ذاته، ومن ثم لا يوجد إلا التدين، ويكون تطبيق الوحي تاريخا بالضرورة، ويبقى الدين في ذاته من باب الإيمانيات ومفهوما وظيفيا فعالا له تأثيره في تلقّي المعنى الإلهي.

وعليه فإن ثنائية دين/سياسة في ضوء "الإصلاح المحمدي" تنحلّ في معطى واحد هو السياسة، فليس إلا للسياسة. وفهمنا للدين يندرج ضمن الباب، فنكون أمام علمانية إسلامية تبدو مجاوزة للعلمانية الأوروبية.

ونرى أن هذين المبدأين يجتمعان في مبدأ واحد قام عليه التوحيد وهو نفي الوسيط بين الله والإنسان. ومعلوم أن لفكرة الوسيط أثرا فاعلا في هوية الانتظام السياسي.

العدالة والتنمية
هذان المفهومان للعلمانية ( العلمانية الإسلامية والعلمانية المسيحية) سنحاول أن نختبر بهما جانبا من تجربة الإسلام السياسي في تركيا وتونس.

ورأينا في حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وحزب النهضة في تونس المشارك في الترويكا الحاكمة في ما يعرف بمرحلة التأسيس الديمقراطي، مثالين مناسبين.

نشأ الإسلام السياسي في سياق معلوم، ومَثّل ظهوره استجابة لتحدّ سياسي جديد لم يعرفه المسلمون من قبل، ونعني به سقوط هوية انتظامهم المسمّاة خلافة عام 1924. وكان هذا مع الأتراك العثمانيين، لذلك كان سؤال الإسلام السياسي المركزي: كيف نستأنف الحياة الإسلامية؟

وقد كان سقوط الخلافة، بالإضافة إلى الأسباب الداخلية المعروفة، في سياق الحرب العالمية وأثرها على المجال العربي الإسلامي: اتفاقيّة سايكس بيكو 1916، وظهور الدولة الوطنية التي ملأت الفراغ السياسي الناتج عن غياب هوية الانتظام التقليدية (الخلافة).
علاقة الإسلام السياسي بالدولة الوطنية كانت علاقة تنافس وصدام، فتبلورت رؤيتان للإسلام تصارعتا على مجال النفوذ، وكانت الأولى من داخل ثقافة دولة الغلبة المسماة دولة وطنية، والثانية من خارجها، رغم أن جل من صاغوها نشؤوا في مدرسة الدولة الوطنية

وملخص الأمر أن العلاقة التي غلبت على علاقة الإسلام السياسي بالدولة الوطنية كانت علاقة تنافس وصدام، فتبلورت رؤيتان للإسلام تصارعتا على مجال النفوذ في مستوياته المادية والرمزية، وكانت الأولى من داخل ثقافة دولة الغلبة المركزية التابعة المسماة دولة وطنية، والثانية من خارجها، رغم أن جل من صاغوها نشؤوا في مدرسة الدولة الوطنية.

في هذا السياق، يمكن تنزيل التجربتين في تركيا وتونس. ودون الدخول في مفردات تاريخ التجربتين، نشير إلى أن "العدالة والتنمية" ليس عنوانا حزبيا فحسب، وإنما هو أيضا علامة على رؤية وفكرة ومجال سياسي جديد، وأنه أرقى تعبيرات الإسلام السياسي وآخرُها.

وبقدر ما تبيّن لنا أن الإسلام السياسي سيشهد نهايته ويحطّ رحاله عند الدولة التعاقدية الجديدة، انتبهنا إلى أنه لا مجال لتأسيس الديمقراطية في المجال العربي والإسلامي من دون الإسلام السياسي.

ولنا في التجربة التركية شاهد حي، فقد أمكن لحزب العدالة والتنمية -وهو امتداد لتجارب الإسلام السياسي السابقة في تركيا وآخر تعبيراته- أن يُقوّض العلمانية الكمالية الاستبدادية، بعلمانية قريبة مما أسميناها العلمانية الإسلامية التي كانت أساس الديمقراطية في تركيا.

ولقد نجح الطيب رجب أردوغان ورفيقه عبد الله غل في أن يهدما بنية الاستبداد العلمانية الكمالية ذات البناء الثلاثي (الدولة، المجتمع، الجيش) إلى بنية ثنائية (مجتمع، دولة) هي شرط الديمقراطية والاختيار الحر والتداول السلمي على السلطة.

حركة النهضة
أما حركة النهضة فقد وصلت إلى السلطة بفضل ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010 التي كان من نتائجها أيضا تجاوز البنية الاستبدادية للبورقيبية (المجتمع، الدولة، الزعيم إلى حدود 1987، ثمّ المجتمع، الدولة، المافيا إلى حدود ثورة الحرية والكرامة) إلى بنية ثنائية فرضتها ثورة الهامش المُفَقّر.

وهذا ما مكّن من الاستحقاق الانتخابي التاريخي يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، رغم أنه استحقاق دار في شروط المنظومة القديمة، وهو ما يفسّر تعثّرَ المسار التأسيسي وعودةَ القوى المضادة للثورة منافساً سياسيًّا يُواجه بلا أقنعة.

وأما تجربة العدالة والتنمية فقد جاءت نتيجة ثورة التلاميذ على الأستاذ، إلى درجة أن المؤسس الكبير نجم الدين أربكان دعا في مناسبة انتخابية إلى عدم انتخاب حزب العدالة والتنمية لخروجه عن الإسلام.

وكان اتجاه الحزب العام في علاقة الدين بالدولة هو تحرير الدين من الدولة، وهو اتجاه مضاد لتوجُّه أتاتورك وبورقيبة ويتمثل في سجن الدين في الدولة.

لم يكن أتاتورك يحارب الدين مطلقا، وإنما كان يسعى إلى فرض تصوّره له ولعلاقته بالدولة، مما أدى إلى نوع من تتريك الإسلام صار معه من الصعب التمييز بين الدين والقومية.

ولم تشهد حركة النهضة ما شهده حزب العدالة والتنمية في علاقة المؤسس بالتلاميذ، فلم نرَ ثورةً أو محاولة للثورة من التلاميذ، باستثناء تجربة الإسلاميين التقدميين في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وقد كانت المحاولة اليتيمة الجادة، غير أنها سُجنت بسهولة في شعار "أولوية المسألة الفكرية"، واجتمعت أسباب عدة لتحول دون ترجمة بعض هذه الاجتهادات الفكرية المهمة إلى حركة كفاح سياسي ذات خلفية تنويرية عميقة.

في حركة النهضة شاهدنا "ثورة" المؤسس الدائمة على تلاميذه، ولذلك كانوا على يمينه دائما، وقد يفسّر هذا بما عاشته الحركة من محن، كما يمكن أن يفسّره انقطاع حركة التجديد داخلها منذ منتصف الثمانينيات، فعاشت ركودا ذهنيا وفقرا فكريا.

حزب العدالة والتنمية في تركيا انتبه إلى أن الدولة لا دين لها وإنما الدين للمجتمع، وهذا معنى إسلامي ينسجم مع ما أسميناها العلمانية الإسلامية، وهو معنى قريب مما يسميه الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان بالائتمانية
ولعل أهم العوائق التي يمكن تبيّنها في فكر حركة النهضة السياسي هو تصوّرها لعلاقة الدين بالدولة، فبتمسكها بأن الإسلام دين الدولة تكون وجْهتُها معاكسةً لوجهة حزب العدالة والتنمية، وهي بذلك -ربّما عن غير وعي- تواصل نهج بورقيبة في سجن الدين في الدولة، وكان منتظرا أن تعمل على تحريره منها.

ومن جهة أخرى، يبدو اعتبار الإسلام دين الدولة مطلبا علمانيًّا متمسِّحًا، وهو ما يعني أن تسيطر الدولة على المجال الديني المنفلت -كغيره من المجالات- بعد هروب بن علي. وكان هذا بالفعل مطلب دقيقيّي الوعي من رموز التيار الحداثي. ولكن في الغالب، تبدو مفارقة كبرى في المواقف، حيث نجد العلماني معبّرا عن عمق موقف الإسلامي، والإسلامي معبّرا عن عمق موقف العلماني.

في تركيا، انتبه حزب العدالة والتنمية إلى أن الدولة لا دين لها وإنما الدين للمجتمع، وهذا معنى إسلامي ينسجم مع ما أسميناها العلمانية الإسلامية، وهو معنى قريب مما يسميه الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان بالائتمانية.

والفرق بين التجربتين أن حزب العدالة والتنمية بنى أطروحاته في مواجهة الاستبداد الكمالي العلماني، وأمكن له -من خلال شروط المنظومة الكمالية نفسها- أن يقوّضها باتجاه تجذير الديمقراطية.

وهذا ما تشهد له حزمة الإصلاحات الديمقراطية الكبرى التي أطلقتها حكومة أردوغان يوم 30 سبتمبر/أيلول الماضي، في حين جاء حزب النهضة إلى السلطة بفضل ثورة 17 ديسمبر/كانون الأول 2010، أي بفضل مجهود جماعي صار اليوم أشبه بالتركة المتنازع حولها.

ولعل هذا ما جعل سلوكها أقرب إلى إعادة إنتاج الدولة البورقيبية السلطانية التابعة المنبثقة عن بروتوكول الاستقلال، بما في ذلك مسألة علاقتها بالدين.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة