ما بعد الشيوعية.. إسلام الثلج الدائم   
الخميس 1428/12/3 هـ - الموافق 13/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 7:58 (مكة المكرمة)، 4:58 (غرينتش)


عاطف عبد الحميد

التجار مرة أخرى
تنصير العالم من هنا
الهوية والأمن

حصل القارئ العربي من الرواية الروسية المترجمة على مشاهد مؤثرة عن شعوب روسيا المتنوعة الديانات والألسن. وحملت هذه الروايات، إلى جانب مسحتها الفلسفية وغوصها في خبايا النفس، خلفيات جغرافية وتاريخية متنوعة.

من بين تلك الروايات ما نقل تفاصيل الأزقة والشوارع كما صور دوستيوفسكي مدينة سان بطرسبرغ فى "المذلون المهانون"؛ وبعضها قدم بانوراما روسيا زمن حربها أمام نابليون كما تولستوي في "الحرب والسلام".

بعض الروايات استعرض ثنائية الفقر والقرية في ملحمة إنسانية على نهر الدون كما قدم شولوخوف في "الدون الهادئ". بينما أخذتنا روايات أخرى إلى أسرار الثورة الشيوعية على نحو ما طاف بنا بوريس بسترناك في رائعته "دكتور جيفاجو".

ولم تبخل علينا بعض الروايات برسم صور أخاذة للريف الروسي الخاضع للعبودية والإقطاع كما فعل غوغول في "الأنفس الميتة".

ويدين إقليم القوقاز الإسلامي في شهرته للأدب بقدر ما يدين للتاريخ، على نحو ما جال بنا تولستوي في "حجي مراد" وبوشكين في "أسير القوقاز" وليرمنتوف في "بطل العصر".

وحدها بقيت سيبيريا (بلاد الثلج الدائم) غامضة المكان باردة الملامح، وحين عرفت في الرواية جاءت لتجسد القمع والنفي على نحو ما قدمها سولجينتسن في "معسكرات الاعتقال".

قدمنا في هذه الزاوية عددا من المقالات تناولت أوضاع المسلمين في روسيا، وقد وجهتنا فيها الأحداث الساخنة التي هددت مسلمي القوقاز والشيشان بصفة خاصة.

لكن ماذا عن الإسلام في سيبيريا؟ وما أهم التحديات التي تواجه المسلمين هناك؟ في السطور التالية معلومات جمعت بعضها من خبرة مباشرة والبعض الآخر من مصادر روسية وغربية.

التجار مرة أخرى
"
المسلمون يعيشون في أغلب أراضي روسيا إما في مناطق إسلامية خالصة أو وجها لوجه مع المسيحيين الأرثوذكس والملاحدة وعجائز الشيوعيين، لكن في سيبيريا يجاور المسلمون أكبر عدد من الديانات الوثنية في آسيا، وتأتي "الشمانية" على رأس القائمة
"
يقدر الروس عدد المسلمين في سيبيريا بنحو مليون نسمة بينما ترفع التقديرات الإسلامية السيبيرية العدد إلى أربعة ملايين يمثلون نحو نصف سكان هذه المنطقة الشاسعة المساحة التي تحتل ثلثي الأراضي الروسية.

ويتركز المسلمون في الحوض الغربي لسيبيريا عند نهر أوب نصف المتجمد، كما ينتشرون في أهم مدن سيبيريا مثل أركوتسك ونوفاسيبيرسك وكرسنايرسك وأومسك، وهي مدن تصطف كحبات العقد على طول الطريق البري الممتد من وسط روسيا إلى المحيط الهادئ شمال الصين.

يختلف الجيران في سيبيريا عن بقية الأراضي الروسية. ففي أغلب أراضي روسيا يعيش المسلمون إما في مناطق إسلامية خالصة أو وجها لوجه مع المسيحيين الأرثوذكس والملاحدة وعجائز الشيوعيين، لكن في سيبيريا يجاور المسلمون أكبر عدد من الديانات الوثنية في آسيا، وتأتي "الشمانية" على رأس القائمة.

كان الإسلام أول دين سماوي يصل سيبيريا، وتم ذلك عبر ثلاثة طرق:

• النشاط الدعوي لتجار بخارى نهاية العصور الوسطى. ويعد "البخارليك" أكثر المجموعات السكانية أهمية في سيبيريا من حيث ارتباطها التاريخي بالإسلام. وقد انحدر البخارليك من عائلات تركستانية (وسط آسيوية) ممن اشتغلوا بتجارة الفراء المربحة.

• العلاقات التجارية مع التتار والبشكير، وهم الجيران المسلمون على تخوم سيبيريا الغربية أصحاب أقدم دولة إسلامية في المنطقة والتي كان الإسلام قد بلغها عام 921 م.

• الحكام المغول الذين اعتنقوا الإسلام وسيطروا على غرب سيبيريا وعلى روسيا بأسرها، وتحولوا بشكل تدريجي من العبادات الوثنية إلى ديانة التوحيد خلال القرنين 15و16.

وخلال القرون الثلاثة من 17-20 استقبلت سيبيريا موجات إسلامية متوالية إلى المنطقة من خلال التهجير الإجباري للمسلمين المتمردين في القوقاز والفولغا.

وكانت هناك بالطبع موجات أخرى غير إسلامية تمثلت في فرار الفلاحين الأرثوذكس من عبودية الإقطاعيين ونظام الرق، وفي هروب المغامرين لبناء الثروة والتحرر ونفي الثوريين الأحرار.

وقد استمد مسلمو سيبيريا تعاليمهم الدينية ومبادئ الإسلام نتيجة الجهود النشطة اتي بذلتها المراكز الإسلامية في آسيا الوسطى وبصفة خاصة في سمرقند وبخارى، كما هاجرت إلى سيبيريا قوافل من طلائع الصوفية ومن الطريقة النقشبندية على وجه الخصوص.

تنصير العالم من هنا
تعتبر منطقة سيبيريا منطقة مثالية للنشاط التنصيري. فهنا يعيش مسلمون منسيون، ووثنيون يسهل سحبهم إلى الدين الجديد، وكنيسة روسية غائبة عن الفعل أو عاجزة عن حماية رعاياها الأرثوذكس من التحول إلى البروتستانتية.

ويعتبر "معهد الإنجيل" أهم المراكز التنصيرية التي وجدت لنفسها مكانا في سيبيريا بعد سقوط الشيوعية. بدأ المعهد عام 1994 في مدينة كرسنايرسك بتدريب عشرات من أبناء المنطقة صاروا فيما بعد المنصرين المحليين.

وطبقا للمعلومات الرسمية من كبريات جهات التنصير العالمية فإن معهد الإنجيل نجح بالسنوات العشر الأخيرة في تخريج نحو مائتي مُنصر وشماس وقسيس من أبناء المنطقة. ويدرس فيه كل سنة نحو مائة طالب من الجنسين، ليس فقط في كرسنايرسك بل وفي المدن المحيطة.

"
سيبيريا منطقة مثالية للنشاط التنصيري, فهنا يعيش مسلمون منسيون، ووثنيون يسهل سحبهم إلى الدين الجديد، وكنيسة روسية غائبة عن الفعل أو عاجزة عن حماية رعاياها الأرثوذكس من التحول إلى البروتستانتية
"
وتعد مدارس "يوم الأحد" أحد أهم الأنشطة التنصيرية التي يقوم بها المعهد في الفترة الأخيرة، ويتراوح عدد تلك المدارس ما بين خمسين وسبعين مدرسة في مدينة كرسنايرسك وحدها.

وتعتمد خطة معهد الإنجيل على تشكيل قوة عمل محلية للتخلص من شكوى المنصرين المتطوعين من الولايات المتحدة وكندا ودول شرق أوروبا من قسوة المناخ في سيبيريا.

كما أن الهيئات التنصيرية هنا تتحمل نفقات مرتفعة من الإعاشة والسكن وبدلات السفر والعطلات للمنصرين الشبان بما يزيد بعشرين مرة عما يتقاضاه المنصر المحلي.

ويأتي عامل اللغة ليدعم من هذا الخطة، فاللغة الروسية الصعبة تحتاج إلى 2-4 سنوات حتى يتمكن المنصر من استخدامها بسلاسة لتوصيل الأفكار، فضلا عن صعوبة فهم التفاصيل الثقافية للشعوب الوثنية في هذه المنطقة لغير أبنائها.

وفي هذه المنطقة قليلة التنمية في روسيا تلعب الكنائس الجديدة مراكز هامة لتقديم الخدمات الطبية والتعليمية والإعانات المالية بل والخدمات الترفيهية التي يحتاجها السكان.

وقد تم خلال السنوات العشر الماضية زرع أكثر من ثمانين كنيسة إنجيلية جديدة بعد أن كان الرقم لا يتجاوز ثلاثين كنيسة في الأعوام الأولى من سقوط الشيوعية. ولعل في هذا تدعيم للخطة المعلنة الساعية لإقامة خمسمائة كنيسة إنجيلية على الأراضي الروسية.

لا تمتاز الكنيسة الإنجيلية بالموارد المالية الضخمة فحسب بل تتفوق على نظيرتها الروسية في حرية الحركة ومرونة الخطاب وتحديث وسائل التواصل مع "المهتدين الجدد".

وبينما تعتني الكنيسة الروسية بالطقوس التعبدية وممارسة الشعائر داخل جدران الكنيسة ولوقت طويل وبلغة قديمة غير مفهومة لأغلب الزائرين للكنيسة، تبادر الكنيسة الإنجيلية الوافدة بإقامة الصلوات في أي مكان دون التقيد بجدران وأيقونات (حدائق أو ملاعب أو متنزهات) مع تنظيم الحفلات الموسيقية وتكثيف زيارة "المستهدفين" في بيوتهم واعتماد سياسة قرع الأبواب بدلا من انتظار قرع الناس أبواب الكنيسة.

لا يهتم الكثيرون ولا يحذرون لما تقوم به عمليات التنصير الإنجيلي من محاولات التغلغل بين سكان المنطقة الإسلامية في سيبيريا الواقعة على نهر أوب. فهناك المزيد من الكنائس التي تزرع في مدينتي تيومين وأومسك أشهر وأقدم المراكز الإسلامية التاريخية في سيبيريا.

وتمثل القرى والمدن التي ينتشر فيها المسلمون في حوض نهر الأوب محطة مهمة للتنصير الإنجيلي، مستغلة صعوبة الظروف الاقتصادية التي يعيشها المسلمون هناك.

ويبدو لافتاً للغاية ما أعلنته إحدى الهيئات التنصيرية الإنجيلية من أنها قامت بتوزيع هدايا وإعانات في مدينة تيومين أقدم المدن الإسلامية غربي سيبيريا.

وحينما وجدت الكنيسة الإنجيلية أن سكان المدينة غير مهتمين وحال ذلك دون الالتقاء بهم في مناطق عامة، اتبعت سياسة "الطرق على الأبواب" للوصول إلى الناس في بيوتهم.

"
الكنائس الإنجيلية تخفي ما تعلنه من نشاطات بين مسلمي سيبيريا, وتعترف هيئة تنصيرية كبرى مثل سيند (SEND) بأن عملها في المناطق الإسلامية بسيبيريا وغيرها من مناطق تركز المسلمين يتم في سرية تامة خوفاً من الصدام
"
وكما هو متوقع تخفي الكنائس الإنجيلية ما تعلنه من نشاطات بين مسلمي سيبيريا. وتعترف هيئة تنصيرية كبرى مثل سيند SEND ذات نشاط ضالع في سيبيريا بأن عملها في المناطق الإسلامية بسيبيريا وغيرها من مناطق تركز المسلمين يتم في سرية تامة خوفاً من الصدام.

أذكر هنا أنني لم أكن أخفي دهشتي من سياسة النفس الطويل الذي تمارسه بعض الهيئات التنصيرية في روسيا. وقد وصلت الجرأة بهذه الهيئات إلى اقتحام المدن الكبرى ومناطق الاستقرار التاريخي للمسلمين والمسيحيين الأرثوذكس على السواء.

بعض هذه الهيئات كان ينظم برامج رياضية شديدة الجاذبية يقدم فيها الدعوة للشباب الوافدين إلى روسيا (ومن بينهم العرب والمسلمون). ومع تكفلها بكافة نفقات اليوم الرياضي لم يكن المنظمون يطلبون شيئا سوى الوقوف لمدة نصف دقيقة نهاية اليوم الرياضي "لشكر اليسوع" وبشكل اختياري.

ومن الملاحظ أن الكنيسة الروسية (الأرثوذكسية المذهب) تقف هنا متحفظة على نشاط الكنيسة الإنجيلية الآتية من الولايات المتحدة وكندا وبعض البلدان الأوربية، لكنه تحفظ غض الطرف وليس تحفظ الرفض والشجب.

ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن انتشار ديانات مثل البوذية والهندوسية في سيبيريا لا يسبب قلقا للكنيسة أو الحكومة الروسية بقدر ما يمثل انتشار الأنشطة الدعوية الإسلامية (التي تعاني من قصر النفس وغموض التواصل مع الدول الإسلامية فضلا عن التجريم من قبل الحكومة الروسية).

الهوية والأمن
خطفت القضية الشيشانية اهتمام الإعلام الإسلامي، وصرفته عن بقية قضايا المسلمين في روسيا الذين يتراوح عددهم بين 20-24 مليونا.

ومنذ نهاية الشيوعية حبست قضية الشيشان النظر إلى مسلمي روسيا في ثنائية تتأرجح بين الاستقلال والخضوع، السلم والدم، الخطف والاغتيال، والانفصال والتطهير العرقي.

وفرضت حركة الانفصال الشيشانية على واقع المسلمين في روسيا صورة الأمن مقابل الاستقلال. وكان ملخص المشروع الشيشاني أن يترك الشيشانيون روسيا تعيش في أمن مقابل خضوع الكرملين لاستقلال الشيشان (نحو مليون نسمة).

"
ليس من المتوقع حدوث تغيير في الشعور المتزايد لدى مسلمي سيبيريا وروسيا بشكل عام من تهديد الهوية نتيجة علمنة المجتمع وتعرضه لآلية حياتية صنعها هجين بين النسختين الروسية المعدلة عن الشيوعية والنظام الرأسمالي الغربي
"
لم تكن هناك فرصة خلال سنوات الحرب الماضية لطرح السؤال: ماذا عن مطالب بقية المسلمين في روسيا، ومن بينها مطالب مسلمي سيبيريا؟

هنا نجد أنفسنا أمام ثنائية من نوع آخر تقارب بين الهوية (الإسلامية) مقابل الهوية (الوطنية). يسعى غالبية المسلمين في روسيا اليوم إلى الحفاظ على هويتهم كأكبر كتلة سكانية بعد الروس السلافيين.

ولأن روسيا مقبلة على انتخابات برلمانية ورئاسية فإن المسلمين في روسيا بوسعهم أن يشكلوا أكبر جماعة ضغط انتخابية لتحقيق مطالب الهوية، بل بوسعهم –من الناحية النظرية- الوقوف خلف مرشح رئاسي يقلب الموازين.

ولا تنفصل مطالب المسلمين في روسيا في تدعيم هويتهم عن محددات البناء السلطوي والأوضاع الانتخابية في روسيا بشكل عام والتي تسيطر عليها أمزجة شمولية.

ويمكن القول إنه في ظل الواقع القائم الذي تسيطر عليه الإدارات الدينية ومناصب الإفتاء –وكلها معينة من قبل الكرملين- فإنه ليس بوسعنا توقع تغيير في الشعور المتزايد لدى مسلمي سيبيريا وروسيا بشكل عام من تهديد الهوية نتيجة علمنة المجتمع وتعرضه لآلية حياتية صنعها هجين بين النسختين الروسية المعدلة عن الشيوعية والنظام الرأسمالي الغربي.

فكيف السبيل إلى تدعيم الهوية الإسلامية في مجتمع ما بعد الشيوعية؟ وهل بوسع مسلمي روسيا تحقيق ذلك دون أية إمدادات علمية وأدبية من دول المركز الإسلامي؟ سؤالان مهمان ينتظران إجابة مسهبة ومعالجة مستفيضة.
ـــــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة