السياسة الخارجية التركية الإقليمية.. إلى أين؟   
السبت 1434/10/24 هـ - الموافق 31/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:02 (مكة المكرمة)، 11:02 (غرينتش)
علي حسين باكير



طالب الحزب الجمهوري التركي مؤخرا، وهو أكبر الأحزاب المعارضة في البلاد، الحكومة بتغيير وزير الخارجية أحمد داود أوغلو للتعامل مع تفاعلات الوضع السوري المتفاقم، لا سيما على حدود البلاد الجنوبية الموازية للحدود الممتدة في شمال سوريا والتي تشهد معارك بين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (النسخة السورية من حزب العمال الكردستاني) وبين مقاتلين إسلاميين.

ولا ينفصل ذلك بدوره عن تضرر علاقات تركيا مع مصر على إثر التغيير الحاصل مؤخرا في النظام السياسي والذي تصر أنقرة على وصفه صراحة بالانقلاب، وهو الأمر الذي عبرت عنه قبل أي دولة على المستوى الدولي، ناهيك عن التدهور الحاصل في علاقات أنقرة مع حزام من الدول يمتد من لبنان إلى سوريا والعراق ووصولا إلى إيران، وهي دول خاضعة للنفوذ الإيراني في المنطقة كما بات معلوما.

وفي ظل هذه الظروف والمعطيات، تُطرح تساؤلات عديدة حول مصير السياسة الخارجية التركية التقليدية، ومدى قدرتها على التعامل مع التطورات السلبية المتعاظمة في المحيط الإقليمي لتركيا، ومدى قدرتها على الاستجابة للتحديات التي تفرضها هذه التطورات على مصالح تركيا الإقليمية.

يعود الصعود التركي خلال العقد الماضي في جزء كبير منه إلى السياسات الداخلية، والأداء الاقتصادي، والسياسة الخارجية للبلاد، وهي العناصر التي أكسبت تركيا قوة ناعمة ودفعتها في وقت قصير وبشكل سريع إلى الانتقال من مرحلة كانت البلاد فيها على شفير الانهيار الاقتصادي إلى مرحلة أصبحت فيها في صدارة القوى الإقليمية في المنطقة.

مع اندلاع الثورات العربية واضطرار تركيا إلى أن تأخذ مواقف قاطعة بشأن الانحياز إلى الأنظمة السابقة أو إلى ثورات الشعوب، نجحت أنقرة في الوقوف إلى الجانب الصحيح من التاريخ

وقد لعبت السياسة الخارجية التركية دورا هاما ومركزيا في هذا الصعود، واتسمت بالابتكار مع وضع رؤية "العمق الإستراتيجي" وسياسة "تصفير النزاعات" موضع التنفيذ، وقد بدت السياسة الخارجية التركية على قدر كبير من النجاح منذ العام 2002 وحتى نهاية العام 2010 تقريبا.

مع اندلاع الثورات العربية واضطرار تركيا إلى أن تأخذ مواقف قاطعة بشأن الانحياز إلى الأنظمة السابقة أو إلى ثورات الشعوب، نجحت أنقرة في الوقوف إلى الجانب الصحيح من التاريخ، لكنها في المقابل فقدت جزءا كبيرا من فعالية سياساتها السابقة القائمة على أساس مفهوم "تصفير النزاعات".

وبالرغم من ذلك، فإن وزير الخارجية التركي كان حتى نهاية العام 2011 يصر على أن سياسة "تصفير النزاعات" لا تزال سارية وفعالة، وأكد ذلك أيضا في مقابلة معه نُشرت في مجلة مركزنا الصادرة في شهر يناير/كانون الثاني 2012. وقد استمر في هذا المنحى حتى بداية عام 2013 حيث كانت العلاقات مع الأنظمة الجديدة في تونس وليبيا ومصر تغطي قليلا على الثغرات الأخرى.

صحيح أن مسؤولية تدهور العلاقات بين تركيا والدول الأخرى خارج إطار دول الثورات العربية تعود إلى مواقف أنقرة المبدئية التي جعلتها تقف إلى جانب الشعوب، لكن إصرار وزير الخارجية على أن سياسة "تصفير النزاعات" لا تزال فعالة رغم كل هذه الظروف بدا غير منطقي على الإطلاق، ولا ينسجم مع المعطيات الجديدة.

والحقيقة، فإن من يعرف تفاصيل التفاعلات الداخلية التركية، يدرك أن داود أوغلو كان في حقيقة الأمر يرد بجوابه اتهامات الفشل عن سياساته أكثر من كونه يستجيب لمتطلبات التحدي الجديد الذي تفرضه المتغيرات الإقليمية على السياسة الخارجية التركية.

لقد أدى ذلك إلى ازدياد موجة الانتقادات في الداخل التركي للسياسة الخارجية التركية، وقد اضطر وزير الخارجية أحمد داود أوغلو إلى أن يرد على هذه الانتقادات في مقال شهير له نشر في الفورين بوليسي في مارس/آذار 2013 تحت عنوان "تصفير النزاعات في حقبة جديدة"، قال فيه إن الآخرين فشلوا في فهم أن "تصفير النزاعات" هو مبدأ من بين عدة مبادئ تشكل السياسة الخارجية للبلاد، وأن هذا المبدأ إنما يعمل بموازاة المبادئ الأخرى في السياسة الخارجية وأهمها الموازنة بين مبدأ الحرية ومبدأ الأمن، والتي تؤخذ بعين الاعتبار جيدا عند تقييم وضع الثورات العربية.

غالبا ما لا يستند سياق الانتقادات الصادر عن المعارضة السياسية التركية إلى أية مبررات منطقية تدخله في خانة الانتقاد البناء الذي يهدف إلى حماية مصالح تركيا والحفاظ عليها

من الواضح أن أوغلو كان يرد من خلال كلامه على تيار معين داخل وخارج تركيا دأب على وصف السياسة الخارجية التركية بالفاشلة انطلاقا من خلفيته الأيديولوجية والعداء و/أو التنافس بينه وبين الحكومة التركية وليس من تقييمه الموضوعي، وكان يستهدف بالتالي من خلال وصف السياسة التركية بالفاشلة ضرب الحكومة التركية وليس تصحيح مسار أداء السياسة الخارجية التركية بما يساعد على تأمين المصالح العليا للبلاد.

ويمثل هذا التيار من المنتقدين المعارضة السياسية التركية التي يتزعمها الحزب الجمهوري. وغالبا ما لا يستند سياق الانتقادات الصادر عن المعارضة السياسية التركية إلى أية مبررات منطقية تدخله في خانة الانتقاد البناء الذي يهدف إلى حماية مصالح تركيا والحفاظ عليها، وإنما يمكن إدخاله بشكل قاطع في إطار المناكفة السياسية الحادة وتسجيل النقاط ضد حكومة حزب العدالة والتنمية.

هذا النوع من المعارضة يعارض كل ما تقوم به السياسة الخارجية التركية سواء أكان صائبا أم غير صائب، مناسبا أم غير مناسب، المهم هو المعارضة ومحاولة إحراج الحكومة قدر المستطاع والتأثير سلبا على الرأي العام لدفعه بعيدا عن منال الحكومة.

صحيح أن مثل هذا النقد غير البناء لم يدفع الحكومة التركية إلى تغيير مواقفها في السياسة الخارجية، لكنه أدى إلى تشتيت قاعدتها الشعبية حول بعض القضايا، حيث عمدت إلى التشويش على الرأي العام وخلقت بالتالي جدلا حتى داخل القاعدة المؤيدة لحزب العدالة والتنمية حول السياسة الخارجية للبلاد، كما جعلت الحكومة أكثر تصلبا فيما بدا أنها تتصرف من منطق دفاعي.

لكن في المقابل، هناك تيار منتقد للسياسة الخارجية التركية من خارج الإطار السابق، وغالبا ما يضم باحثين وأكاديميين متخصصين في السياسة الخارجية، وهؤلاء لا يقيمون في الغالب الأرجح السياسة التركية من خلفيات سياسية، وهدفهم تقديم انتقادات بناءة إلى الحكومة انطلاقا من الملاحظات التي يسجلونها على أداء السياسة الخارجية للبلاد. وأبرز هذه الملاحظات تكمن في:

- ضرورة تغيير ذهنية الكادر الدبلوماسي التركي من المثالية إلى الواقعية. والواقعية هنا لا تعني بالضرورة التخلي عن المبادئ، وإنما صياغة هذه السياسة مع الأخذ بعين الاعتبار متطلبات الواقعية السياسية.

يصر رجالات السياسة الخارجية التركية على أن سياساتهم صحيحة، وأن النظرة إلى النتائج يجب أن تكون على المستوى البعيد وليس القصير

- تقبل النقد البناء، والتوقف عن التشكيك بكل من ينتقد السياسة الخارجية للبلاد أو أداء القيمين عليها، وعدم الخلط بين المنتقدين من الفئة الأولى والمنتقدين من الفئة الثانية لأن من شأن ذلك توحيد الطرفين أولا، وثانيا حرمان الخارجية من الاستفادة من النقاط البناءة لتطوير أدائها وسياساتها بما يضمن مصالح تركيا.

- التخفيف من اللهجة الخطابية في السياسة الخارجية والتي تتسم بالحدة والسقف المرتفع، والتعويل أكثر على الخطوات والإجراءات التنفيذية، والتحلي بقدر من الليونة التي تتيح المناورة مع التخلي عن السذاجة المفرطة القائمة على تكرار نفس الأخطاء كالوثوق بالمواقف الإيرانية على سبيل المثال.

يصر رجالات السياسة الخارجية التركية على أن سياساتهم صحيحة، وأن النظرة إلى النتائج يجب أن تكون على المستوى البعيد وليس القصير، وهو أمر نتفق معهم عليه، لكن مثل هذا الجواب يتفادى التطرق إلى المشكلات والمصاعب الحالية التي تواجهها السياسة الخارجية التركية.

لقد أصبح من الواضح أن تركيا بحاجة إلى وضع سياسة جديدة ليس بالضرورة لاستبدال القديمة وإنما للتعامل مع الأوضاع الحالية التي تستلزم استجابة طارئة وفق منظور تصور واضح وليس وفق سياسة تقوم على رد الفعل بدلا من المبادرة، بانتظار أن تثمر الثورات الإقليمية استقرارا يتيح لأنقرة إعادة تفعيل سياستها الخارجية الأساسية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة