الموقف التركي من الثورات العربية   
الجمعة 10/7/1432 هـ - الموافق 10/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 18:02 (مكة المكرمة)، 15:02 (غرينتش)
عمر كوش


الموقف من ليبيا
الموقف حيال سوريا
الدور والنموذج

عرفت السياسة الخارجية التركية في المنطقة العربية لحظات تردد وارتباك شديدة حيال الثورات العربية، وخاصة عند امتدادها إلى ليبيا، إذ لم يتخذ المسؤولون الأتراك موقفاً واضحاً في البداية من الثورة الليبية، بل عارضوا أي تدخل خارجي ضد نظام القذافي، لكنهم اضطروا تحت الضغوط إلى تغيير موقفهم والانسجام مع مواقف الإدارة الأميركية والدول الغربية.

ولا شك في أن موجة التغيرات والتحولات العربية المتسارعة فاجأت العالم بأسره، ومعه القادة الأتراك الذين كانوا يفضلون انتقالاً هادئاً في البلدان العربية، وبشكل لا يؤثر في الدور الإقليمي التركي، الذي عرف تنامياً متواتراً في الأعوام القليلة الماضية في المنطقة العربية.

وظهر الارتباك والحذر في الموقف التركي منذ بداية الحراك الاحتجاجي في تونس، وفي مصر أيضاً، لكن سرعان ما أيد القادة الأتراك خيارات الشعبين التونسي والمصري، فزار الرئيس التركي مصر بعد نجاح الثورة فيها، بوصفه أول رئيس دولة يزورها بعد سقوط نظام حسني مبارك.

"
الموقف التركي من الثورات العربية محكوم بمحددات ومبادئ عامة، تمثلت في دعم مطالب الشعوب العربية، ورفض أي تعامل بالقوة أو العنف
"
ومع ذلك، فإن الموقف التركي من الثورات العربية محكوم بمحددات ومبادئ عامة، تمثلت في دعم مطالب الشعوب العربية، ورفض أي تعامل بالقوة أو العنف مع المحتجين والمتظاهرين بشكل سلمي، ومطالبة قادة الأنظمة العربية بإحداث التغيير الديمقراطي والإصلاحات المطلوبة، ورفض التدخل الخارجي في شؤون الدول والثورات العربية، بمعنى أنهم يفضلون أن يكون التغيير داخلياً بالكامل، وليس بالضرورة أن يجري التغيير وفق نموذج واحد، حسب رأي القادة الأتراك، بل يختلف من دولة عربية إلى أخرى، بالنظر إلى ظروف كل دولة وتركيبتها الاجتماعية والسياسية.

غير أن لهجة الموقف التركي وحدته اختلفت مع وصول رياح الاحتجاج إلى الداخل السوري.

الموقف من ليبيا
مع بداية الثورة الليبية، عارض القادة الأتراك أي تدخل عسكري دولي ضد ليبيا، ثم قام رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بعرض وساطة لدى العقيد معمر القذافي كي يوافق على وقف إطلاق النار.

وعزا ذلك بعض المتابعين للشأن التركي إلى حرص الطرف التركي على حماية مصالحه في ليبيا، حيث كان يوجد حوالي 25 ألف تركي من العمال والفنيين الأتراك، إلى جانب وجود أكثر من 200 شركة تركية، لكن المسؤولين الأتراك يرفضون الرأي القائل إنهم يقدمون المصالح التركية على المبادئ في موقفهم من موجة الثورات العربية، مع أن مواقفهم عرفت اختلاطا بين جملة من المصالح والمبادئ.

ويبدو أن الموقف التركي -الذي اتسم بالحذر الشديد مع بداية الثورة الليبية- مبني على حسابات متداخلة، إذ لا تريد الحكومة التركية أن تظهر كقوة مشاركة في التدخل العسكري الخارجي ضد ليبيا، لكونه يخالف المحددات والمبادئ التي وضعتها لسياستها الخارجية حيال الثورات العربية، وكان عليها أيضاً أن تدخل في منافسة مع الموقف الفرنسي المتحمس للتدخل الخارجي، والمبني على حسابات نفوذ فرنسا ومصالحها في منطقة جنوب المتوسط، لذلك كان الموقف التركي حازماً حول التدخل العسكري لحلف الناتو، فرفض رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في البداية أي دور لحلف شمال الأطلسي.

ومع تأزم الوضع خرجت أصوات في تركيا تطالب بالإسراع في إجلاء الرعايا الأتراك من ليبيا، بوصفه أولوية في السياسة الخارجية التركية، ثم طالب بعض الساسة الأتراك أردوغان باتخاذ موقف حازم من القذافي، لكن أردوغان اكتفى بمطالبة القذافي بالتجاوب مع مطالب الشعب وعدم استخدام العنف، واعتبر أن مواقف تركيا تحددها المصالح الوطنية لتركيا قبل أي شيء آخر، الأمر الذي جعل تركيا تبدو وكأنها تقف بين طرفي المواقف المبدئية والمصالح التركية، لكن أردوغان نفسه عاد ووافق على تدخل الناتو تحت تأثير الضغوط الغربية، واشترط عدم مشاركة تركيا في العمليات العسكرية، بل في العمليات الإنسانية، أي يمكن القول إنه وافق على مشاركة خلفية لتركيا في الوضع الليبي.

"
اقترب الموقف التركي من المعارضة الليبية، دون أن يفضي إلى قطع جميع الخيوط مع القذافي، الأمر الذي يشي بانتهاج تركيا سياسة خارجية تنص على دبلوماسية بعيدة المدى
"
وطرحت تركيا وساطة أخذت في الاعتبار كل مكونات المجتمع الليبي، بما فيها القذافي وأفراد عائلته، ودعت إلى انتخابات نيابية ورئاسية، لكنها لم تلق قبول الأطراف الليبية، ولم تأخذ نصيبها من الاهتمام الدولي، بل إن الضغوط الغربية ازدادت على أردوغان وحكومته، الأمر الذي جعله يغير الموقف التركي حيال الأزمة في ليبيا، حيث بدأت الحكومة التركية بالاتصال مع أعضاء في المجلس الوطني الانتقالي الليبي، من دون أن يؤدي ذلك إلى قطع الاتصالات مع القذافي.

ثم تطور الموقف التركي حيال ليبيا حين دعا المسؤولون الأتراك القذافي إلى التنحي، ووجهوا دعوة إلى رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل لزيارة أنقرة، واستقبله كل من رئيس الجمهورية التركية ورئيس الحكومة ووزير الخارجية، ثم اعترفت تركيا بالمجلس الانتقالي الليبي بوصفه ممثلاً شرعياً لليبيا، واقترب بذلك الموقف التركي من المعارضة الليبية، دون أن يفضي إلى قطع جميع الخيوط مع القذافي، الأمر الذي يشي بانتهاج تركيا سياسة خارجية تنص على دبلوماسية بعيدة المدى.

الموقف حيال سوريا
يعتبر رجب طيب أردوغان أن "اهتمام تركيا بما يجري في سوريا يختلف عن اهتمامها بما جرى في مصر أو تونس، لأن الوضع بالنسبة لسوريا مختلف تماماً"، حيث تعتبر تركيا أن ما يجري في سوريا مسألة تمسها تماماً، لأن "سوريا دولة مجاورة، وهناك حدود تمتد على مسافة 850 كيلومتراً".

وفي نفس السياق يرى بعض المسؤولين الأتراك أن ما يجري في سوريا يرقى إلى مصاف مسألة تركية داخلية، تتطلب تعاملاً مختلفاً. وقد سعت الحكومة التركية منذ بداية الأحداث في سوريا إلى اقتراح معادلة تقول بإنجاز الإصلاح مع المحافظة على الاستقرار، وأن يقود الرئيس السوري بشار الأسد شخصياً الإصلاح في بلاده، وأوفدت رئيس استخباراتها ووزير خارجيتها إلى دمشق، إلى جانب الاتصالات العديدة التي أجرها أردوغان مع الرئيس الأسد.

"
احتضان إسطنبول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، ثم مؤتمر الجماعات والشخصيات الإسلامية السورية، أحدث شرخاً في علاقة بين البلدين
"
غير أن وقوف الأوساط المؤيدة لحزب العدالة والتنمية إلى جانب مطالب الحراك الاحتجاجي في سوريا جعل القادة الأتراك يتخذون مواقف أكثر حزماً حيال الوضع فيها، وراحوا يتحدثون عن عواقب عدم التجاوب مع مطالب المحتجين، وأطلق أردوغان وأحمد داود أوغلو تصريحات متصاعدة أزعجت المسؤولين السوريين، ودفعت وسائل الإعلام السورية إلى شن حملة على الخطاب والمواقف التركية.

غير أن اللافت هو احتضان إسطنبول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، ثم احتضانها مؤتمر الجماعات والشخصيات الإسلامية السورية، الأمر الذي أحدث شرخاً في علاقة القيادتين التركية والسورية، وتوقفت على أثره الاتصالات السياسية بين قادة البلدين.

وتزامن ذلك مع تزايد ضغوط الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا حيال النظام في سوريا، وخاصة بعد فرض عقوبات أميركية وأوروبية أحادية الجانب على شخصيات سورية، وأعقبتها زيارة مثيرة لرئيس الأركان الأميركي إلى العاصمة التركية.

الدور والنموذج
يجد الاهتمام التركي بسوريا مرجعه في اعتبارات إستراتيجية وأمنية واقتصادية، لكونها شكلت نافذة تركيا على العالم العربي، حيث توطدت العلاقة بين البلدين بشكل حوّل سوريا من اعتبارها بلدا معاديا إلى بوابة تركيا العربية، فوقعت معها عام 2004 اتفاقية التجارة الحرة، فضلاً عن عشرات الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية والتجارية الأخرى.

وتنامى الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط بشكل أفضى إلى نسج شبكة من العلاقات والنفوذ في دول المشرق العربي، وإلى التوقيع على اتفاقيات اقتصادية وسياسية هامة معها، حيث أبرمت حكومة حزب العدالة اتفاقيات ثنائية مع العديد من الدول العربية، وألغت تأشيرات الدخول مع سوريا ولبنان والأردن، وتمكنت من تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي مع معظم بلدان المشرق العربي.

وشكل كل ذلك نقطة تحول مفصلية في السياسة التركية حيال البلدان العربية، والأهم هو أن تركيا اعتبرت بمثابة الدولة النموذج في المنطقة العربية، المستندة إلى علاقات جيدة وإيجابية مع محيطها العربي والإسلامي، إلى جانب نجاحاتها الملحوظة في ميادين التنمية والاقتصاد والديمقراطية، وفي علاقة الدين بالدولة.

كما اعتبرت تركيا دولة ناجحة في إدارة العلاقات الدولية، نظراً لمراعاة نظامها ومسؤوليها التوازن الدقيق بين قوة الأمر الواقع، وقوة الحق الأصيل، في ضوء موازين القوى التي تتحرك باستمرار ولا تعرف السكون أو الجمود.

ودفع قيام تركيا بدورها المتعاظم -كقوة صاعدة، وكلاعب إقليمي لا غنى عن دوره في كثير من أزمات المنطقة، فضلاً عن دورها كعنصر أساسي في حفظ أمن الإقليم واستقراره وسيادة دوله وحقوق شعوبه وكرامتها- بعض المفكرين العرب إلى الدعوة إلى التقاط اللحظة التركية في تاريخ الشرق الأوسط، والوقوف بعناية وتبصّر أمام المنوال أو التجربة التركية.

"
مارست تركيا سياسة مزدوجة، فمن جهة لم تتوقف عن حثّ القيادة السورية على القيام بالإصلاحات والتغييرات, ومن جهة ثانية احتضنت المعارضة في الخارج
"
غير أن الأمر اختلف مع تأزم الوضع في سوريا، ومع استمرار وتزايد المظاهرات والاحتجاجات، حيث لجأت تركيا إلى ممارسة سياسة مزدوجة، فمن جهة أولى لم تتوقف عن حثّ القيادة السورية على القيام بالإصلاحات والتغييرات والاستجابة لمطالب المحتجين، ومن جهة ثانية، احتضنت مختلف أطراف المعارضة السورية في الخارج، وفي هذا السياق احتضنت مؤخراً مؤتمر أنطاليا.

ولا شك في أن الموقف التركي من التغيرات العربية لا تحكمه فقط المصالح والمبادئ، بل أيضاً جملة من الاعتبارات والحسابات، وكذلك الضغوط الداخلية والخارجية، حيث تأتي الضغوط الداخلية من أوساط وقواعد حزب العدالة والتنمية، في وقت يستعد فيه هذا الحزب لتعديل الدستور التركي ولخوض الانتخابات التشريعية القادمة.

فيما تأتي الضغوط الخارجية من طرف الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، إضافة إلى أن تركيا يهمها استقرار الأوضاع في المنطقة، وخصوصاً على حدودها الجنوبية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة