انهيار الثقة بالإدارة الأميركية ومسؤولية العرب   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم: د. برهان غليون*

كما حصل بعد حرب الخليج الثانية، ينتظر العرب الآن الاقتراحات الأميركية بشأن الجولة الجديدة المقبلة لمحادثات السلام. وما تسرب عبر الصحافة من الأفكار الأميركية الجديدة يبدو محبطا بجميع المقاييس بالمقارنة مع ما كان العرب يتوقعونه منذ إعلان الرئيس بوش اعتراف واشنطن بضرورة إقامة دولة فلسطينية على أثر بناء التحالف الدولي الجديد ضد الإرهاب.

ومرة أخرى يكتشف العرب -رأيا عاما وحكومات بعد الأوان- خيبة الأمل بالوعود الدولية المقطوعة، فليس هناك شك في أن الدول العربية التي قبلت الانخراط في الحرب الجديدة والتعاون من دون حدود مع الاستخبارات الأميركية للمساعدة على مواجهة القوى المتهمة بالإرهاب، قد اعتقدت بقوة في ذلك الوقت -وربما لا يزال فيها من يعتقد حقا- بأن الإدارة اليمينية الأميركية تجد نفسها مضطرة -كي لا تضر بمصالحها الحيوية في الشرق الأوسط- إلى تقديم مبادرة جدية وربما السعي لإقامة دولة فلسطينية حقيقية هذه المرة، كما عاد الرئيس بوش نفسه فذكّر بذلك في ذروة الهجوم الإسرائيلي على جنين والضفة الغربية عامة.


ما الذي يجبر الإدارة الأميركية بعد هدوء الأوضاع النسبي أو تراجع وتيرة العمليات الفدائية على العودة إلى المواقف ذاتها التي عرفت بها منذ أكثر من عقد من عمر عملية المفاوضات؟ وماذا سيكون بوسع العرب أن يفعلوا إذا لم تصدق واشنطن للمرة الألف بوعدها ولم تحترم التزاماتها؟ ”
وكان العرب قد اعتقدوا خطأ منذ ما يقارب العقد من الزمان بأن وقوف العالم العربي مع قوى التحالف الدولي لضرب العراق ومشاركتها في إضفاء المشروعية على تدمير البنى التحتية العسكرية والمدنية العراقية تماما كما تفعل إسرائيل اليوم في الأراضي الفلسطينية سوف يكافأ من قبل الولايات المتحدة بالسعي الجدي لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية.

ودخل العرب مؤتمر السلام في مدريد ثم وقع الفلسطينيون على اتفاق مبادئ أوسلو انطلاقا من قناعة ثابتة بأن الولايات المتحدة تسعى جديا لتحقيق تسوية عادلة في الشرق الأوسط، وهو الذي جعل منها الراعية الرئيسية لعملية السلام. ولم يكن الهدف من تلك المفاوضات مختلفا عن الهدف الراهن ولا المرجعية وهمية. فلا يعني مبدأ الانسحاب من الأرض مقابل السلام على أساس قرارات الأمم المتحدة 242 و 358 شيئا آخر سوى إقامة الدولة الفلسطينية التي كان يمثلها وجود الوفد الفلسطيني المفاوض في المؤتمر جنبا إلى جنب مع الأطراف الأخرى منذ الأشهر الأولى للمفاوضات.

لكن حتى بعد ما عاينه العرب من تعثر الجهود الأميركية من أجل السلام بالرغم من دعمهم الحرب الأميركية الدولية على العراق عاد العرب وتبنوا جميعا أطروحات واشنطن عن ضرورة العمل المشترك في التحالف الدولي ضد الإرهاب على أثر عمليات 11 سبتمبر/أيلول وسلموا للسلطات الأميركية العديد من الملفات التي تخص مواطنين تابعين لهم وقام بعضهم بضرب الحركات التي تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية بمشاركة خبراء وعسكريين ورجال أمن أميركيين وكلهم ثقة بأن الولايات المتحدة لن تخيب هذه المرة ظنهم خاصة وأن الرئيس الأميركي نفسه قد أعلن ضرورة قيام دولة فلسطينية. بل لقد كاد العرب يعتقدون في الأشهر القليلة الماضية بأن مجرد قدوم كاتب الدولة الأميركي للشؤون الخارجية إلى المنطقة سيكون كافيا لوضع حد للعدوان الإسرائيلي وفرض الانسحاب على تل أبيب وخلق شروط جديدة تمهد لافتتاح جولة المفاوضات السياسية التي يمكنها وحدها أن تخرج الوضع من حالته المأساوية.

وفي جميع الحالات لم تخطئ الإدارة الأميركية في تخييب آمال العرب والعودة السريعة إن لم يكن في اليوم نفسه عن المواقف المعلنة أو تبني مواقف إسرائيل عمليا وأحيانا الدفاع الصريح عنها. فقد بقي الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية يدمر المنازل ويعتقل آلاف الشباب ويقتل المناضلين والأبرياء معا يوميا بالعشرات ولا يزال يتابع ممارساته اللاإنسانية هذه منذ أشهر عديدة من دون أن يصدر عن الإدارة الأميركية أي رد فعل يردع إسرائيل عن استمرارها في شن الغارات اليومية أو يبرر للعرب على الأقل السبب الذي يجعل من المستحيل عليها تبني موقف حازم من هذه الغارات اللإانسانية.

واليوم لم يختلف الوضع كثيرا وربما لن يختلف أبدا. صحيح أن ضغوط الدول العربية وعلى رأسها هذه المرة المملكة العربية السعودية قد حركت الأفكار الأميركية وفرضت على واشنطن الخروج عن صمتها وتأييدها الفاضح لسياسة العدوان الإسرائيلية وإرسال مبعوثيها إلى المنطقة لسماع مسؤوليها والتعرف على مواقفهم الجديدة وآرائهم. وصحيح أن شارون الذي اعتبره الرئيس الأميركي في ذروة هجومه على الأراضي الفلسطينية رجل سلام قد أصبح أكثر حرصا على مراعاة التقاليد الدبلوماسية في تعامله مع الأميركيين وعلى إظهار رغبة أوضح في التعاون مع واشنطن لامتصاص النقمة العربية الشعبية والرسمية. لكن من الصحيح أيضا أن الولايات المتحدة لم تقم بأي بادرة قوية تبرهن على أنها ستكون جادة هذه المرة أكثر من المرات الماضية أو أنها ستتمسك بالتزاماتها بشكل أكبر من السابق مما يسمح بإعادة بناء ثقة العرب المفقودة كليا بها. ومن الممكن تماما أن لا يكون التغيير البسيط الذي طرأ على الموقف الأميركي إلا مجرد عملية إرضاء بسيطة للدول العربية الصديقة وأن لا تكون هناك أي نية حقيقية في الانتقال به من نطاق الأقوال إلى نطاق الأفعال.


يكاد كل محلل سياسي جدي يجزم بأن واشنطن ستخل بالتزاماتها هذا إذا كانت قد أخذت على نفسها بالفعل بعض الالتزامات ولم تبعنا كلاما لتطييب خاطرنا وتساعدنا على لعق جراحنا الفاغرة التي خلفتها الحرب الشارونية
لقد كان من الصعب بالتأكيد على الإدارة الأميركية أن تقنع الزعماء العرب أن رفض شارون الانصياع لقرارات الأمم المتحدة وللنداءات المتعددة التي وجهها له الرئيس بوش وبعض المسؤولين الأميركيين الآخرين قد حصل ولا يزال ضد الإرادة الأميركية وفي تحد سافر لها، كما كان من الصعب أن يظهر الرئيس الأميركي عدم اكتراث كلي بقضية الشرق الأوسط أمام ضيوفه العرب ولا يسعى بشكل أو آخر إلى طمأنتهم وإظهار القبول بجزء من أفكارهم ومقترحاتهم.. وقد سهل عليه الأمر أن الحكومة الإسرائيلية قد بدأت هي نفسها بعض الانسحابات الشكلية التي لم تكن في غنى عنها منذ اللحظة التي حققت فيها أهدافها الرئيسية في المدن والقرى التي احتلتها, أعني تدمير البني التحتية للمجتمع الفلسطيني للقضاء على أكبر عدد ممكن من رجال المقاومة وأطرها واعتقال الآلاف من الشباب الذين يشكلون احتياطي الانتفاضة ودرعها.

لكن السؤال الذي يبقى مطروحا والذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا في هذه المرحلة الدقيقة هو التالي: ما الذي يجبر الإدارة الأميركية بعد هدوء الأوضاع النسبي أو تراجع وتيرة العمليات الفدائية على العودة إلى المواقف ذاتها التي عرفت بها منذ أكثر من عقد من عمر عملية المفاوضات؟ وماذا سيكون بوسع العرب أن يفعلوا إذا لم تصدق واشنطن للمرة الألف بوعدها ولم تحترم التزاماتها؟ بل ماذا كان بإمكانهم أن يفعلوا عندما وضع الرئيس الأميركي المقاومة الفلسطينية أو أكثر فصائلها على قائمة المنظمات الإرهابية وأطلق يد شارون للقضاء عليها في الوقت الذي كان الزعماء العرب لا يكفون عن ترداد تمسكهم بالتمييز بين الإرهاب والمقاومة الوطنية؟ وماذا أثر هذا الترداد في سياسة بوش أو شارون في مواجهتهما للمقاومة ومعاملتها بالفعل كحركة إرهابية وفرض التراجع عليها من هذا المنطلق كشرط لدخول أي مفاوضات سياسية؟


السياسة لا تقوم على القناعات ولا على المبادئ السامية ولكنها تخضع لتحولات علاقات القوة وحدها
بالعكس من ذلك يكاد كل محلل سياسي جدي يجزم بأن واشنطن ستخل بالتزاماتها هذا إذا كانت قد أخذت على نفسها بالفعل بعض الالتزامات ولم تبعنا كلاما لتطييب خاطرنا وتساعدنا على لعق جراحنا الفاغرة التي خلفتها الحرب الشارونية. وسبب هذا الجزم هو الاعتقاد بأنه لا يمكن بناء سياسة -وبالأحرى إستراتيجيِة- جدية في حالة مثل حالة الصراع المصيري الذي نخوضه وتخوضه إسرائيل أيضا عن طريق المباحثات والوعود والكلمات الودية المتبادلة. فحتى لو اقتنع الرئيس الأميركي وبعض حاشيته بوجهة النظر العربية أو ببعض منها -وهذا بعيد جدا من أن يكون قد تحقق- فإنه سرعان ما سيبدل رأيه ويعود عن هذه الأفكار منذ اللحظة التي يغيب فيها الزعماء العرب عن البيت الأبيض ليحل محلهم عناصر اللوبي الصهيوني ومعهم العديد من مراكز الضغط الأميركية المعادية للعرب أو الممالئة لإسرائيل.

فالسياسة لا تقوم على القناعات ولا على المبادئ السامية ولكنها تخضع لتحولات علاقات القوة وحدها. وما لم يكن الطرف الذي يطالب بتغيير السياسات قادرا على دعم مطالبته بما يجعلها إجبارية أو بما يجعل من الصعب التجاوز عنها من دون كلفة أو دفع ثمن كبير لهذا التجاوز فلن يكون لدى الخصم أي مصلحة في الاندفاع بنفسه لإحداث التغيير. وقد أظهرت التجارب العربية مع الإدارة الأميركية في العقود الأخيرة -بصرف النظر عن الرئيس المنتخب جمهوريا كان أم ديمقراطيا متدينا أم أقل تدينا- إلى أي حد لا يمكن الثقة بالمواقف الأميركية التي تزداد تطابقا مع المواقف الإسرائيلية بمرور الوقت.


أشاع العرب بسلوكهم الماضي أنهم لا يستطيعون عمل شيء ضد الرئيس الأميركي في الأوضاع الراهنة حتى لو تشدد بشكل أكبر وتبنى مواقف إسرائيل بينما يستطيع الإسرائيليون الذين يملكون ورقة الدعم اللامشروط لهم في الكونغرس والتأييد الشعبي الواسع لهم لدى الرأي العام الأميركي
وسبب رفض الحكومات الأميركية عن العمل على قاعدة الحد الأدنى من العدالة بل الاعتدال هو أن هناك ثمنا في السياسة لكل قرار، واتخاذ قرار في صالح العرب يعني لا محالة دفع ثمنه باهظا أمام القوة الصهيونية أو المؤيدة لإسرائيل. وما لم يكن الثمن الذي يدفعه الرئيس بوش للعرب بتنكره لمصالحهم وحقوقهم أكبر من ذاك الذي يدفعه للمؤيدين لإسرائيل في الكونغرس وغيره من الهيئات الرسمية والمدنية الأميركية فسيكون من غير مصلحة الرئيس الأميركي السياسية أن يعدل من موقفه الراهن. فالرؤساء -خاصة الصغار منهم- لا ينطلقون في مواقفهم من منطلقات مبدئية ولا يعملون حتى من منطلق المصلحة الوطنية العليا والمستقبلية بقدر ما يخضعون في قراراتهم لحسابات سياسية صغيرة وأحيانا انتخابية محضة. ومن الصعب أن ننتظر من الرئيس الأميركي أن يتخذ قرارات تضعف من مركزه وقوته السياسية الداخلية في الوقت الذي لا تظهر فيه أي قوة تهديد أو إزعاج لإدارته في الجانب العربي.

وقد أشاع العرب بسلوكهم الماضي أنهم لا يستطيعون عمل شيء ضد الرئيس الأميركي في الأوضاع الراهنة حتى لو تشدد بشكل أكبر وتبنى مواقف إسرائيل بينما يستطيع الإسرائيليون الذين يملكون ورقة الدعم اللامشروط لهم في الكونغرس والتأييد الشعبي الواسع لهم لدى الرأي العام الأميركي معاقبته مباشرة وخلق العديد من المشاكل أمام إدارته. فالسياسة في النهاية حسابات للمصالح والمخاطر. ومن مصلحة الرئيس الأميركي ممالأة إسرائيل لكسب الدعم وتحييد اللوبي الصهيوني أكثر من إرضاء الصديق العربي خاصة إذا عرف أن هذا الصديق لا يملك في مواجهته أو لا يريد أن يستخدم ضده أي وسيلة من وسائل الضغط والتهديد.


السياسة هي في المقام الأول ثمرة تغيير في موازين القوى وتوازنها لا ثمرة الإقناع والقانون والأخلاق
أما التهديد العربي الدائم بأن عدم تحرك الولايات المتحدة يمكن أن يؤثر في استقرار الأنظمة المعتدلة المؤيدة للولايات المتحدة في المنطقة أو الحامية لإسرائيل فلا يمكن أن يشكل مصدر ضغط بأي حال بقدر ما هو التجسيد الأفصح للعجز وغياب الضغوط العربية. ولذلك يردد الأميركيون باستمرار أنه لا يوجد خطر كبير على بقاء هذه الأنظمة، بل إن بعضهم يعتقد أن زعزعة استقرارها سوف يجعلها أكثر خنوعا للإرادة الأميركية وتبعية لها.

والقصد أن السياسة هي في المقام الأول ثمرة تغيير في موازين القوى وتوازن القوى لا ثمرة الإقناع والقانون والأخلاق. وما لم ننجح في وضع خطة لتغيير موازين القوة بحيث تتردد الولايات المتحدة قليلا قبل أن تفكر في تأييد الخطط الإسرائيلية والاستسلام لها ولقواها الضاغطة فلا ينبغي أن نعتقد بأننا ضمنا شيئا على الإطلاق. وليس هناك محلل إستراتيجي واحد يعتقد بالفعل أن المظاهرات والاعتراضات والاحتجاجات العربية الشعبية والرسمية قد غيرت ميزان القوة هذا خاصة مع ما برز للعلن في هذه المناسبة من انقسام الموقف العربي بين الرأي العام الشعبي والحكومات وفيما بين الحكومات العربي نفسها.


من المستحيل أن تكون الصداقة العربية الأميركية -في حال وجودها بالفعل وإمكانية التحدث عنها- بديلا لإستراتيجية قوة عربية حقيقية تحث واشنطن وتل أبيب أيضا على تبني خيار العمل الجدي من أجل السلام
إن التحيز الأميركي المطلق والمهين لإسرائيل لا يعكس بالضرورة قناعات أميركية عقائدية أو أخلاقية بقدر ما يترجم ميزان قوى سياسي داخل الساحة الأميركية والشرق أوسطية معا. وما لم نرفق نقدنا لتحيز واشنطن بتنمية قوى مادية ومعنوية تشير إلى احتمال تغير الوضع الإستراتيجي في المستقبل فسوف نظل نتخبط في المعادلة المؤلمة ذاتها: يبيعوننا كلاما ونبيعهم أفعالا. هم يستولون على الأرض ونحن نربح الوعود بالسلام. ومن المستحيل أن تكون الصداقة العربية الأميركية -في حال وجودها بالفعل وإمكانية التحدث عنها- بديلا لإستراتيجية قوة عربية حقيقية تحث واشنطن وتل أبيب أيضا على تبني خيار العمل الجدي من أجل السلام. هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجه المجموعة العربية المنشغلة بمسألة السلام والمراهنة على الولايات المتحدة وصدق نياتها من أجل الوصول إليه.

بالتأكيد لقد تحدث العرب منذ عقود عن ضرورة إنشاء لوبي عربي في واشنطن لتعديل كفة السياسة الأميركية الشرق أوسطية، بيد أن تكوين مركز ضغط يستطيع التأثير بالفعل في المؤسسات السياسية الأميركية المختلفة وفي الرأي العام لا يمكن أن يحصل بقرار، وهو يحتاج أكثر من ذلك لحضور عربي قوي في مؤسسات اتخاذ القرار الأميركي، وهو شيء لم يصبح متوفرا للعرب بعد.

هذا لا يعني أن نتخلى عن الفكرة أو نشيح بالنظر عنها، لكنه يهدف إلى الابتعاد عن الأفكار الرغبوية والتركيز على أهمية بلورة ردود عملية وواقعية يمكن تطبيقها اليوم على الواقع لا انتظار ثمراتها بعد عقود. وليس هناك في نظري ما يمكن أن يفعله العرب سوى المراهنة على قوة الضغط التي يمثلها اتحادهم وتعاونهم الفعلي.

إن الرد على الاستهانة الأميركية بالعرب ومصالحهم ومصيرهم لا تكون بالمبالغة في تقديم التنازلات لواشنطن والخنوع لها ولا في استفزازها المجاني أيضا بالتأكيد، ولكن في التوجه الحقيقي نحو ما يجعل من الصعب لأحد الاستخفاف بهم والاستهتار بمصيرهم، وهو ما يستدعي تحويل العرب المقسمين والمشتتين والتابعين والمتنابذين إلى قوة فعلية على الأرض ولاعب سياسي وجيوسياسي دولي.


ليس هناك في نظري ما يمكن أن يفعله العرب سوى المراهنة على قوة الضغط التي يمثلها اتحادهم وتعاونهم الفعلي
ولا أعتقد أن هناك إطارا يمكن أن يعزز من مكانة العرب ويزيد من احترام الدول الأخرى والرأي العام العالمي لهم غير السعي بصمت وأناة ومن دون إثارة أحد في فتح حساب مشترك أو بناء رصيد جديد يختلف عن رصيد كل دولة على حدة ويشكل استثمارا مشتركا للجميع. إن بناء هذا الرصيد أو الحساب العربي المشترك والتشبث به والمراكمة فيه أكثر فأكثر كلما تعرض العرب للضغط أو للتحدي الخارجي أو حتى الداخلي وكرد على هذا التحدي ينبغي أن يكون هذا الحساب وسيلتنا الرئيسية للرد والدفاع عن مصالحنا ودفع الآخرين إلى الاعتراف بهذه المصالح واحترامها. وهذا هو مصدر القوة الوحيد الذي يستطيع أن يعوض العرب عن القوة التي تمثلها العمليات الاستشهادية التي تثير حفيظة العالم وتجر المزيد من الضغوط على الدول العربية في الوقت الذي لا يوجد بديل لها في تحقيق الحد الأدنى من توازن القوة في المنطقة والعالم.

________________
*أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة