بانوراما قهر الآخر   
الثلاثاء 1426/11/20 هـ - الموافق 20/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 6:32 (مكة المكرمة)، 3:32 (غرينتش)
نبيل شبيب

- بانوراما الفضائح
- استبداد فوق الاستبداد
- القرن الأميركي

حيثما ظهرت وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس خلال جولتها الأوروبية الأخيرة، كانت تستقبلها مطالب المسؤولين الأوروبيين باتخاذ موقف واضح وحاسم من فضيحة التعذيب الجديدة والسجون السرية التي انكشفت مؤخرا.

وكلما أدلت بتصريح توالت احتجاجات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، ولم يعد من الممكن العثور على مقال إعلامي يقف موقف الحياد إزاء الممارسات الأميركية ناهيك عن موقف الدفاع عنها، فقد أفقدت هذه الممارسات الدولة الكبرى البقية الباقية من مصداقيتها.

وما يخشاه الغربيون، هو أن يشمل ذلك العالم الغربي "الديمقراطي الحر" بأسره.

"
أمر سيء ألا تتمكن رايس من زيارة الدول الأوروبية إلا بعد اضطرارها للتأكيد رسميا أن الرئيس بوش لا يقبل بممارسات التعذيب، وأسوأ من ذلك أن كلماتها لا تجد مصداقية
"
وكان مما ذكرته نيويورك تايمز في هذا الصدد: "أمر سيء ألا تتمكن رايس من زيارة الدول الأوروبية إلا بعد اضطرارها للتأكيد رسميا أن الرئيس بوش لا يقبل بممارسات التعذيب، وأسوأ من ذلك أن كلماتها لا تحظى بمصداقية، فقد اجتمع الكثير من الأدلة على أن تلك الممارسات تحت مسؤولية السلطة".

وكان تعليق كارستن فويجت، منسٌق علاقات الصداقة الألمانية-الأميركية: "يبقى السؤال، تُرى هل تفهم رايس من كلمة تعذيب ما نفهمه نحن؟".

ويشرح أن مقصوده من ذلك هو ما ورد في مذكرة كتبها ألبرتو غونزاليس، المستشار السابق للشؤون القانونية لدى بوش ووزير العدل الحالي عام 2002: "التعذيب هو عندما يسبب إصابة، كالموت، أو عجز عضو جسدي عن أداء وظيفته".

المشاهد بشعة مفزعة لا يمكن للكلمات أن تعبر عنها، وأصبح مسلسلها أطول بكثير من أن يسمح بالتمويه على أبعادها بالأساليب المعتادة، كأن يقال إنها ممارسات فردية، وليست ظاهرة تحتاج إلى استيعاب جذورها ومعالجتها من تلك الجذور.

بانوراما الفضائح
نرصد في هذا المجال -حتى الآن- مايلي:
1- كشفت صحيفة "واشنطن بوست"عن وجود ما لا يقل عن ثمانية سجون سرية في بلدان أوروبية (وسواها في بلدان عربية وإسلامية) تستخدمها وكالة المخابرات المركزية للمتهمين أميركيا بالإرهاب، وتجري فيها التحقيقات مع ممارسة التعذيب.

2- الكشف في إطار المتابعة الإعلامية عن استخدام المخابرات الأميركية للمطارات الأوروبية لنقل المتهمين عشرات المرات وربَما مئات المرات خلال سنوات معدودة.

3- أثناء المضاعفات السياسية للحدث تجدد طرح قضايا أخرى، مثل قضية اختطاف خالد المصري، الألماني الجنسية العربي الأصل على حدود مقدونية، عام 2004، وتعذيبه خمسة شهور، قبل إطلاق سراحه، بعد اكتشاف "التباس في الأسماء"، واختطاف الإمام المصري مصطفى حسن نصر في ميلانو الإيطالية عام 2003، كما كشف عن التعذيب الذي كان ضحيته في غوانتانامو مهدي محمد غزالي السويدي من أصل مصري، وقد أطلق سراحه قبل أسبوع واحد.

"
على أعلى المستويات كان المسؤولون الأميركيون يتبجحون رسميا إبان حرب احتلال أفغانستان باستخدام معتقل غوانتانامو خارج إطار كل صيغة من الصيغ القانونية الدولية، وينفون عن المعتقلين فيه أي صفة تسمح بالتعامل معهم كبشر
"
ولا أحد يشك في أن اتباع أساليب الاختطاف والسجون السرية يقترن بممارسة التعذيب، بما يتجاوز مبادئ القضاء الأميركي نفسه والغربي عموما، ومواثيق القانون الدولي العام والإنساني، كما يتجاوز سائر معايير كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته التي لم ينقطع حديث "المعلم الأميركي" ومن يتلقون عنه ويسيرون على طريقه حذو النعل بالنعل، عن أن من مصادرها الأولى الدستور الأميركي من عام 1776م.

إن حلقات المشهد المشار إليها بإيجاز شديد كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فمسلسل الرعب أطول من ذلك بكثير، وعناوين مشاهده السابقة مفزعة أيضا.

المشهد القريب الآخر المتفاعل إعلاميا في الوقت الحاضر يرتبط بما انكشف عن استخدام القنابل الفسفورية في الفلوجة، وهو ما أصبح إلى جانب –استخدام سواها- ومشاهد التدمير والتقتيل فيها وفي عدد آخر من المدن العراقية، في مقدمة ما يفسر أسباب ذلك الغضب العاصف الأميركي في حينه ضد وجود مراسل لشبكة الجزيرة في المدينة أثناء قصفها.

واقترنت هذه "الفضيحة الفسفورية" بالكشف عن فضيحة مذكرة "التشاور" حول قصف مقر الجزيرة نفسه.

ومن الطبيعي أن تفقد واشنطن بذلك آخر من كان يصدقها في أن "أخطاء فنية" ارتكبتها الآلة العسكرية فحسب كانت من وراء اغتيال الإعلاميين وقصف مواقع وسائل الإعلام، في العراق وأفغانستان، وكانت قناة الجزيرة والعاملون فيها في مقدمة الأهداف "العسكرية".

المشهدان المذكوران رهن الأخذ والرد حاليا، ولا يسري ذلك على مشاهد سابقة، من عناوينها غوانتانامو، رمز السقوط الحضاري للسلطة الحاكمة في واشنطن حاليا، أو "غولاغ العصر" على حد تعبير منظمة العفو الدولية، ثم أبو غريب حيث لا يكاد يصدق وجود "بشر" يتلذذ هكذا أمام عدسات التصوير بتعذيب "إنسان" معتقل مقيد.

وإذا استثنينا ما انتشر من جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال والناشئة، مع التعذيب أحيانا إلى درجة القتل، فلا توجد جريمة أكبر وأبشع من جريمة عمل إرهابي يستهدف الأبرياء بالقتل المباشر، كجريمة التعذيب من جانب سلطات أمنية حكومية، فهي أبشع صور الانتهاكات وأحطها.

وهذا ما أصبح يلاحق السمعة الأميركية في حملة هيمنتها الدولية الراهنة ويهبط بها إلى حضيض بعد آخر، وهو ما يستحيل وصفه بالحالات الانفرادية.

فعلى أعلى المستويات كان المسؤولون الأميركيون يتبجحون رسميا إبان حرب احتلال أفغانستان باستخدام معتقل غوانتامو خارج إطار كل صيغة من الصيغ القانونية الدولية، وينفون عن المعتقلين فيه أيَ صفة تسمح بالتعامل معهم كبشر.

ثم انكشف أن السجانين الذين تعينهم القيادات الأميركية على سجون من قبيل أبو غريب –وربما السجون السرية أيضا- هم الذين أفقدتهم ممارساتهم صفة الانتماء إلى الأسرة البشرية الإنسانية.

"
لا يمكن تبرئة المسؤول السياسي مما يصنع في عهده، لاسيّما عندما يكون من تصريحاته الرسمية ما ينطوي إما على التهوين من شأن ما يقع أو تمويهه، ناهيك عن التشجيع عليه
"
استبداد فوق الاستبداد

إن ما انكشف تباعا بلغ من الهول والبشاعة والتكرار والانتشار ما يجعل من سائر ما تصنعه أنظمة استبدادية محلية هنا وهنا، بما في ذلك تلك القائمة في عدد من البلدان العربية، مجرد فضائح صغيرة –ولا يستهان بوحشية من يرتكبها- مقابل الفضيحة الكبرى، للدولة العظمى.

أو هو مجرد تطبيق تلاميذ محليين لِما يبتكره معلمهم الكبير، الذي ينتقد استبدادهم كلاميا ويضع مساحيق الديمقراطية وحقوق الإنسان على وجه استبداده الدولي القبيح وقهره للإنسان، جنس الإنسان، بما في ذلك الإنسان الأميركي الذي يفتح له عبر المخابرات وشركات المرتزقة أبواب الهبوط إلى ذلك الدرك المخزي.

من العسير –رغم ما تعنيه الديمقراطية وتطبيقاتها والانتخابات التي أوصلت السلطة الحالية إلى مواقع صناعة القرار- تحميل عموم الشعب الأميركي المسؤولية عن تلك الممارسات، مثلما يستحيل القبول بحصر المسؤولية عنها في نطاق أفراد من عملاء المخابرات أو الجنود أو المرتزقة فيما يسمى "شركات الأمن الخاصة".

فلا يمكن تبرئة المسؤول السياسي مما يصنع في عهده، لاسيما عندما يكون من تصريحاته الرسمية ما ينطوي إما على التهوين من شأن ما يقع، أو تمويهه، ناهيك عن التشجيع عليه أيضا.

وهذا بالذات ما تميز به المسؤولون من "المحافظين الجدد" عن أسلافهم، بعد أن جمعوا التطرف السياسي العسكري والخلفية العقائدية العدوانية بصورة غير مسبوقة في تاريخ أميركا نفسه.

رغم ذلك فممارسات التعذيب، وقهر الآخر على مستوى الأفراد والشعوب والدول، أصبحت بعد كل ما انكشف منها -وهو بالتأكيد الجزء الصغير الظاهر من جبل الجليد- تدفع دفعا إلى التساؤل عما يكمن وراء هذه الظاهرة، وأين جذورها، إذ مثل تلك الطاقة الكبرى من الاستعداد لارتكاب الجريمة لم ينشأ قطعا من فراغ.

ووضع حد لهمجية الهجمة المعاصرة للهيمنة الأميركية دوليا يفرض أولا وضعها في قالبها التاريخي، فمعالجة الجذور تتطلب تعديل مناهج التربية السياسية والخلقية في الولايات المتحدة الأميركية.

إن الأفراد الذين يصل بعضهم إلى محاور صناعة القرار أو المؤسسات التي تتشكل في الحقبة الزمنية الراهنة، ليسوا سوى حصيلة مسيرة الهيمنة الأميركية تاريخيا، وحصيلة ما أفرزته من نهج تتابعت حلقاته حقبة بعد أخرى، إلى أن بلغت ما بلغته الآن.

ولا يمكن توقع معالجته إلا من جذوره التاريخية، مع ضرورة التلاقي دوليا على أرضية مشتركة لرفض مسيرة الهيمنة الأميركية من الأصل ورفض سياسات من ينحنون لها وذرائعهم المختلفة، وإلا فلا جدوى من الاكتفاء بالمطالب الواسعة النطاق بشأن وقف تلك الممارسات فحسب.

لا يتسع المجال للتفصيل فيكفي وضع بعض العناوين المكملة تاريخيا لأبعاد مسيرة الهيمنة من وراء مشاهد قهر الآخر.

"
يجب أن يحمي وزراء الولايات المتحدة امتيازات أصحاب رؤوس الأموال، وإن أدى ذلك إلى انتهاك سيادة الدول المتمردة الأخرى، يجب نشر المستعمرات دون إهمال ودون التغاضي عن أي زاوية في العالم
"
ودرو ويلسون
القرن الأميركي
كل من يريد الحديث عن الجانب الأسود من التاريخ الأميركي يذكر هيروشيما، ولكن قليلا ما نقف عند حديث الطيار الذي ألقى القنبلة الذرية على هيروشيما –واليابان تفاوض على التسليم في نهاية الحرب العالمية الثانية- وهو يعبر عن فخره بما صنع بعد عشرات السنين.

وقليلا ما نقف أيضا عند حقيقة أن الأوامر العسكرية العليا صدرت بإلقاء القنبلة الثانية على ناجازاكي بعد 3 أيام، أي بعد أن ظهر حجم الدمار والتقتيل الذي أحدثته القنبلة الأولى، فيما لو ظن من يظن أنها كانت مجهولة، فكانت الجريمة الثانية عن سابق علم بأبعادها وتصميم على ارتكابها.

ويشابهها تحويل مدن ألمانية بكاملها كهامبورج ودرسدن الألمانيتين الأبنية والبشر والأشجار إلى أنقاض، دون أن يكون فيها قوى عسكرية أو مراكز صناعية، وبعد أن وصلت الحرب ضد ألمانيا النازية إلى مرحلتها الأخيرة.

إن استيعاب ما يجري الآن يتطلب استيعاب أنه لم يكن قد مضى على بيان الاستقلال الأميركي سوى 3 أعوام عندما أعلن توماس جيفرسون أنّه "من المستحسن بقاء العرش الأسباني في القارة إلى أن يصبح مجتمعنا قويا فنلتهمها قطعة بعد أخرى".

واستيعاب مقولة ودرو ويلسون الذي يشاد بدعوته إلى حق تقرير مصير الشعوب: "يجب أن يحمي وزراء الولايات المتحدة الأميركية امتيازات أصحاب رؤوس الأموال، وإن أدى ذلك إلى انتهاك سيادة الدول المتمردة الأخرى، يجب نشر المستعمرات دون إهمال ودون التغاضي عن أي زاوية في العالم".

وإذا كان جورج بوش الابن قد بدأ عهده بالقول بوجوب أن يكون القرن الـ21 قرنا أميركيا، فقد سبقه إلى ذلك هنري لوك، أحد عمالقة الإعلام الأميركي بقوله في حينه "يجب أن يكون القرن الـ20 قرنا أميركيا".

وإذا كانت حكومة المحافظين تريد تلقين الديمقراطية للعالم فلا يختلف ذلك عن قول عضو مجلس الشيوخ آلبرت بيفردج "حضارتنا الأميركية يجب أن تضرب جذورها في كل مكان لا يزال أهله يعيشون في ظلام دامس"، معبّرا بذلك عن عهد ويلسون الذي رأى مهمة بلاده في "إنقاذ الأعراق الأخرى التي لاتزال في عمر الطفولة".

وأسلوب التطبيق هو ما يصوره الرئيس الأسبق تيدي روزفلت في تعليماته للدبلوماسيين الأميركيين: "ليكن حديثكم لينا، ولكن احملوا معكم العصا الغليظة، وستجدون أنكم ستحقّقون ما تريدون".

ومن أقوال المحدثين على النهج نفسه ريتشارد ريفيس، في صحيفة هيرالد تريبيون: "أصبح باستطاعتنا أن نملي على الدول الأخرى صياغةَ سياساتها الخارجية.. وسوف نجد في البلدان على الدوام "قبائل" تصنع ما نريد".

"
غابت ذريعة مكافحة الشيوعية للتدخلات العسكرية الأميركية، ولكن لا تزال ذريعة الدفاع عن المصالح الأميركية موجودة، وهي مقبولة شعبيا وقابلة للتطبيق لممارسة تلك التدخلات نفسها
"
دانييل إلسبيرج
ومنها قول المؤرخ الأميركي، رونالد ستيل: "من ذا الذي يستطيع أن يتحدانا الآن؟.. اليابان بلد فقير بالمواد الخام ويحتاج إلى أسواق الاستهلاك الخارجية، والصين شعوب متعددة الأعراق على وشك السقوط في حروب ما بين سادة وعبيد، والهند على حافة التمرد الداخلي والفوضى المطلقة، وأوروبا لن تتجاوز أن تكون دارا تجارية استهلاكية ضخمة حافلة بالمشاجرات".

ويشرح العالم الأميركي دانييل إلسبيرج من جامعة هارفارد ذلك بقوله: "غابت ذريعة مكافحة الشيوعية للتدخلات العسكرية الأميركية، ولكن لاتزال ذريعة الدفاع عن المصالح الأميركية موجودة، وهي مقبولة شعبيا وقابلة للتطبيق لممارسة تلك التدخلات نفسها".

إن ما تحتاج إليه الولايات المتحدة الأميركية الآن هو إنقاذها من بعض من يقودها إلى الهلاك، وفق ما جاء في رسالة كانت أشبه بالاستغاثة، وجهها 130 مفكرا ومؤرخا ومثقفا أميركيا إلى "أصدقائهم في أوروبا" في آذار/ مارس 2002 ونشرت في صحف أوروبية، يطالبون فيها بالدعم في مواجهة "الهيمنة الأميركية العالمية".

ويقولون فيما يقولون على سبيل المثال: "نحن نواجه الخيار العسير بين دعم الإدارة الحاكمة وما تستخدمه من إمكانات التدمير الكبيرة مسوغين لها أعمالها، وبين مواجهة هذه العجرفة وإسقاط الأقنعة عنها والتعاون مع محبي السلام في العالم لإيجاد ما يضمن التفاهم والحوار ويحقق العدالة للجميع".


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة