العلاقات الهندية الإسرائيلية ومخاطرها   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


* بقلم/ لواء طلعت مسلم

مجالات التعاون بين البلدين
العلاقات الأمنية
العلاقات النووية بين الجانبين
مخاطر هذه العلاقة على العالم العربي والإسلامي

اتسمت العلاقة بين الهند وإسرائيل على مدى نحو أربعة عقود بالتوتر والتحفظ بينما اختلف الأمر في التسعينيات، وقد ساعد على ذلك انهيار الاتحاد السوفياتي وضعف الدول العربية والإسلامية. وبدأ قيام علاقات شبه طبيعية بين إسرائيل وبعض الدول العربية، وتشجيع الولايات المتحدة الهند على إقامة علاقات قوية بما فيها العلاقات الإستراتيجية مع إسرائيل.

بالإضافة إلى تصاعد موجات العنف داخل الهند من جماعات شبه إسلامية -وخاصة في النزاع على كشمير- تدعمها حكومة باكستان، وتصور الهند بأن لدى إسرائيل خبرة في معالجة قضايا العنف الإثني، ووصول قوى متعصبة إثنيا ومضادة للإسلام للحكم في الهند (حزب بهارتيا جاناتا عام 1998)، كذلك انقلاب الولايات المتحدة على الجماعات الإسلامية التي شجعتها ضد الاتحاد السوفياتي عن طريق باكستان، وتحول الحكم في باكستان إلى حكم عسكري دكتاتوري.

كل هذا نتج عنه إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين الهندي والإسرائيلي عام 1992، وجاء وصول حزب بهارتيا جاناتا إلى الحكم عام 1998 ليشكل بداية جديدة للتعاون بين نيودلهي وتل أبيب، وسرعان ما تطورت هذه العلاقات تشجعها التطورات السابقة بحيث وصلت إلى علاقات تعاون إستراتيجي في بعض المجالات وخاصة الدفاع.

مجالات التعاون بين البلدين

تغير نمط تصويت الهند على القضايا العربية فلم تعد تتبنى مشروعات قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية كما أصبحت تمتنع عن إدانة التصرفات الإسرائيلية حيال الفلسطينيين
تنوعت العلاقات بين الهند وإسرائيل فاشتملت على علاقات ثقافية، وعلاقات اقتصادية في مجالات الزراعة ونقل التكنولوجيا، واستخدام إسرائيل كمنصة لتوسيع التجارة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بينما شكلت السوق الهندية الكبيرة حلقة اتصال مع الشرق الأقصى ومبيعات السلاح.

وأقام البلدان نحو 200 مشروع مشترك في مجالات الهندسة وإدارة المياه الجوفية ومحاربة التصحر والتكنولوجيا الرفيعة وغيرها. وقد ارتفعت الاستثمارات الإسرائيلية في الهند من 36 مليون دولار عام 1992 إلى مليار دولار عام 1999، واتفق البلدان على معاملة كل منها للأخرى معاملة الدولة الأولى بالرعاية. وارتفع معدل التبادل التجاري بينهما من 202 مليون دولار عام 1992 إلى أكثر من مليار دولار، كما اتسعت مجالاته وتنوعت.

وعلى المستوى الدبلوماسي تعاونت الهند مع إسرائيل في بعض القضايا التي تعرضت فيها إسرائيل للإدانة الدولية خاصة فيما يتعلق بالمساواة بين الصهيونية والعنصرية، وذلك في مقابل تأييد إسرائيل للهند في مواجهة باكستان. وتأمل إسرائيل أن يشكل الأميركيون من أصل هندي في الإدارة الأميركية (118 في مجلس النواب) عنصرا مساندا للوبي اليهودي هناك.

وقد تغير نمط التصويت الهندي في القضايا العربية حيث لم تعد الهند تتبنى مشروعات قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية، كما أصبحت تمتنع عن إدانة التصرفات الإسرائيلية حيال الفلسطينيين.

العلاقات الأمنية
تتقدم العلاقات الأمنية بين الهند وإسرائيل باطراد حيث أصبحت إسرائيل ثاني مورد للسلاح إلى الهند بعد روسيا، وقد زودت إسرائيل الهند بالكثير من الأسلحة والمعدات العسكرية في حين تقدم الهند فرصة لنشر الغواصات الإسرائيلية التي تمثل في العقيدة القتالية الإسرائيلية قوة ضربة ثانية بحرية بعيدة عن أسلحة جيرانها، ويمثل المحيط الهندي بنية تحتية إدارية تسهل الانتشار غير متوفرة في البحر المتوسط ولا في البحر الأحمر.

ولا شك في أن ذلك يتطلب تعاونا إسرائيليا مع الأسطول الهندي، ويمثل التعاون الهندي مع الأسطول الإسرائيلي عملا مهما لإمكان تهديد إسرائيل لإيران التي طورت صواريخ يمكنها إصابة كافة المدن الإسرائيلية الكبرى، كما يساعد على تهديد دول الخليج وتطويق الوطن العربي من الجنوب.

وفي هذا المجال قامت الغواصات الإسرائيلية عام 2000 باختبار وتجربة صاروخ "كروز" قادر على حمل رأس نووية في مياه المحيط الهندي أمام شاطئ سريلانكا. وتكررت التقارير عن مثل هذه التجارب بعد ذلك. وهناك تقارير عن رغبة مشتركة بين الجانبين في التعاون بمجال تطوير نظام مضاد للصواريخ على أساس النظام "أرو" باعتبار أن كليهما يتعرض لاحتمال التهديد باستخدام الصواريخ ضده.

ويرى بعض الكتاب الإسرائيليين أن تحالفا بين الهند وإسرائيل تؤيده الولايات المتحدة سيخلق قوة استقرار في المنطقة بالتعاون مع قوى لها عقلية مشابهة مثل تركيا، وأنه يمكن أن يساهم في مواجهة قوى التطرف الراديكالي المعادي لمصالح الولايات المتحدة في غرب ووسط آسيا. ومن المحتمل أن يكون أحد أهداف هذا التعاون إنشاء توازن وثقل مضاد لقوة الصين المتنامية والتي تتحدى الهيمنة الأميركية.

واشتملت العلاقات العسكرية بين إسرائيل والهند على عدة جوانب أهمها الإمداد بالسلاح، ومنها تزويد إسرائيل بمقاتلات ميغ/27 الهندية بعناصر إلكترونيات الطيران، وتحسين قدرات الطائرات 125 طائرة ميج/21 وطائرات سوخوي/30 وطائرات "جاغوار" ومروحيات مي/35 ومي/8، كما باعت إسرائيل للهند عددا غير معروف من طائرات بدون طيار، وقنابل موجهة بالليزر، وأحدث نظم إدارة النيران للدبابات "ت/72 "، و30 صاروخا مضادا للسفن من طراز "باراك"، وتحسين قدرات 180 مدفعا عيار 155 ملم وبيع دانات مدفعية عيار 155 ملم، ورادارات ونظم مساحية، وأجهزة رصد ومراقبة الحدود بما فيها مستشعرات شديدة الحساسية للمساعدة على تشغيل خط السيطرة على الحدود الهندية الباكستانية، وبنادق قناصة، وأجهزة رؤية ليلية، وأجهزة تقدير المسافات وتحسين إمكانيات المعدات السوفياتية المدرعة والطائرات. وتشتمل قيمة العقود ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار من المعدات العسكرية.

كذلك يتردد أن إسرائيل زودت الهند برادار "غرين باين" المستخدم في نظام "أرو" بموافقة الولايات المتحدة، وتكنولوجيات الإجراءات الإلكترونية المضادة. وهناك تقارير بأن الهند تتفاوض لشراء نظام الإنذار المتقدم المحمول جوا من طراز "فالكون"، كما اشتملت المحادثات الهندية الإسرائيلية الأميركية على بيع الهند نظام "أرو" للدفاع ضد الصواريخ.

وفي مجال الوحدات البحرية اشتملت مبيعات السلاح الإسرائيلي للهند على لنشين سريعين من طراز "دفورا" مسلحين بنظم مساحة حديثة ونظام مدافع معقد، وصواريخ مضادة للسفن سبقت الإشارة إليها.


تتقدم العلاقات الأمنية بين الهند وإسرائيل باطراد فقد أصبحت إسرائيل ثاني مورد للسلاح إلى الهند بعد روسيا، في حين تقدم الهند فرصة لنشر الغواصات الإسرائيلية في المحيط الهندي
وفي مجال المشروعات المشتركة سبق أن أذاع مسؤول أميركي من البنتاغون في ديسمبر/ كانون الأول 2002 أن الهند وإسرائيل تخططان لإنتاج مشترك لمروحية خفيفة متقدمة. وقد تعاونت شركة "هندوستان إيرونوتكس ليمتد" مع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية لتسويق مشترك للمروحية الخفيفة المتقدمة من صنع الشركة الهندية المذكورة.

وقد أعلن مسؤولون من شركة هندوستان المذكورة في فبراير/ شباط 2003 عن اتفاق تكامل إلكترونيات الطيران من إنتاج شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية في المروحية الخفيفة المتقدمة، وفي تسويق هذه المروحية عالميا. كما اتفقت الهند وإسرائيل على إنتاج مشترك للنشات السريعة من طراز "دفورا".

وفي مجال التدريب يقوم خبراء إسرائيل في مكافحة الإرهاب بتدريب نظرائهم الهنود في كشف التسلل على امتداد الحدود، وتتبع حركة المتطرفين في الدولة، واكتشاف المفرقعات وتأمين القنابل واستخدام الأجهزة والتكتيكات الأخرى. ومن المنتظر أن تقوم إسرائيل بتدريب أربع كتائب أي ما يعادل نحو ثلاثة آلاف جندي هندي على ضربات ضد أعمال العصابات بالإضافة إلى تدريبهم في الصحراء والجبال والأدغال وتحرير المخطوفين.

العلاقات النووية بين الجانبين
تنفي كل من الهند وإسرائيل أي تعاون فيما بينهما في المجال النووي. ويرى كتاب إسرائيليون أن كلا من الهند وإسرائيل أبدتا قلقا بخصوص البرنامج النووي الباكستاني في الثمانينيات، وهناك ميل إلى الاعتقاد بأن مخابرات الطرفين كانت على اتصال وثيق بينهما منذ ذلك الوقت، وأن كلتا الدولتين باعتبار أنهما لم توقعا معاهدة حظر الانتشار النووي يمكن أن تدعم كل منهما موقف الأخرى عند صياغة ردودهم الدبلوماسية لهذه المعاهدة.

ومن الملاحظ أن إسرائيل لم تتفاعل مع تجارب الهند النووية في مايو/ أيار عام 1998، وتهتم تل أبيب بعدم انتشار التكنولوجيا النووية إلى الشرق الأوسط.

وفي الوقت الحالي يبدو تعاون الاستخبارات الهندية والإسرائيلية غير المعلن بشأن القضية النووية مفيدا لكلا الطرفين، لكن هناك شكوك كثيرة لدى كثير من المسلمين والعرب في أن إسرائيل ساعدت الهند في إنتاج الأسلحة النووية وتجربتها.

ومن الجدير بالذكر أن الهند أجرت أول انفجار نووي إبان الحرب الباردة وقبل إقامة علاقة عسكرية معقولة بين الطرفين، وبالتالي فإن نيودلهي لم تكن بحاجة إلى مساعدة إسرائيلية في إجراء اختبارات نووية، وإن كان من المؤكد أن تستفيد من خبرة إسرائيل في مجالات ضبط الأسلحة الحاملة للقنابل النووية وتطوير وسائل حملها وترتيبات تجربة السلاح النووي وما إلى ذلك.

وقد أشار الوزير الهندي إل كي أدفاني في مايو/ أيار 2000 إلى أنه يساند التعاون الممتد بين إسرائيل والهند في كل المجالات بما فيها المجال النووي.

مخاطر هذه العلاقة على العالم العربي والإسلامي

أي علاقة تعاون بين إسرائيل ودولة أخرى تمثل خطرا على العالم العربي والإسلامي لأنها تمنح إسرائيل فرصة لمزيد من التعدي على الحقوق العربية والإسلامية، كما تعطيها فرصة للخروج من عزلتها
تعتبر أية علاقة تعاون بين إسرائيل ودولة أخرى خطرا على العالم العربي والإسلامي إذ يمثل ذلك فرصة لإسرائيل لمزيد من التعدي على الحقوق العربية والإسلامية، كما يشكل فرصة لخروج إسرائيل من عزلتها في المنطقة حيث تحيط بها دول وشعوب عربية تدرك مخاطرها.

وهكذا فإن تطور العلاقة بين الهند وإسرائيل يمثل خطرا على الدول والشعوب العربية والإسلامية، لكن هذه المخاطر تختلف باختلاف أنواعها.

وإذا كان من الضروري تحديد الأولويات، فإن المخاطر الناجمة عن العلاقات الإستراتيجية الأمنية والتي تتمثل أساسا في استخدام إسرائيل لمياه المحيط الهندي بالتعاون مع الأسطول الهندي تشكل الخطر الأكبر حيث يشكل الوجود البحري الإسرائيلي تهديدا مباشرا لجنوب شرق الوطن العربي وخاصة دول الخليج العربي والعراق، وللدول الإسلامية بجنوب غرب آسيا وخاصة إيران وباكستان حيث هنا يصبح التهديد للوجود ذاته.

أما مبيعات الأسلحة الإسرائيلية للهند فإنها تزيد من قدرات إسرائيل على تطوير صناعتها العسكرية على نحو يزيد من قدرتها على تهديد الوطن العربي والإسلامي، كما أنها تساعد إسرائيل على مواجهة المخاطر الاقتصادية الناجمة عن انتفاضة الأقصى وبالتالي القدرة على الاستمرار في تهديد الشعب الفلسطيني والدول العربية المجاورة.

ورغم أن التعاون الهندي الإسرائيلي في المجال النووي ليست له أهمية كبيرة نتيجة لإجراء الهند أول تفجير نووي قبل تعاونها مع إسرائيل، فإن هذا التعاون في حد ذاته يجعل من الهند قوة نووية مهددة للوطن العربي والعالم الإسلامي بالإضافة إلى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل.

ولا يمكن إغفال أهمية التعاون الهندي الإسرائيلي في باقي المجالات إذ أنه يوفر فرصة لإفلات إسرائيل من الإدانة الدولية في المحافل المختلفة، كما أنه يفتح السوق الهندية الكبيرة أمام المنتجات الإسرائيلية مما يمكنها من الصمود في مواجهة المقاطعة العربية.
ــــــــــــــــــــــــــ
خبير مصري في الشؤون العسكرية والإستراتيجية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة