الرجل القوي وفخ السلطة   
الخميس 1437/10/16 هـ - الموافق 21/7/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:12 (مكة المكرمة)، 13:12 (غرينتش)
نينا خروشوفا


في وقت سابق من هذا العام، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه يعمل على تشكيل حرس وطني يتألف من 400 ألف رجل تحت قيادته المباشرة، وتساءل كثيرون من الروس عن السبب وراء الاحتياج إلى قوة عسكرية جديدة. فمن المفترض أن الجيش الروسي عاد مرة أخرى؛ فقد جهزه بوتين بألعاب جديدة، بل إنه رتب لحربين صغيرتين في جورجيا عام 2008 وفي أوكرانيا منذ 2014 لكي يثبت هذا.

بيد أن الانقلاب الفاشل ضد الرجل القوي زميل بوتين، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يشير إلى سبب مهم لإنشاء حرس إمبراطوري.. فقد جعل بوتين المؤسسات الديمقراطية في روسيا جوفاء إلى الحد الذي يجعل السبيل الوحيد لإبعاده عن السلطة الآن هو الانقلاب العسكري.

الواقع أن بوتين وأردوغان بل وحتى الرئيس الصيني شي جين بينغ، لديهم جميعا مخاوف مبررة مماثلة حول بقائهم السياسي؛ فجميعهم وصلوا إلى السلطة في أنظمة تفرض قيودا حقيقة على ممارسة السلطة، حتى وإن كان هذا النظام خلافا لذلك غير ديمقراطي. في حالة أردوغان، كانت تركيا تتمتع بسيادة القانون والضوابط والتوازنات المؤسسية التي تقيد ممارسة السلطة، وفي حالتي بوتين وشي جين بينج، كانت هناك قواعد غير مكتوبة قدستها عقود من الممارسة السابقة.

وكانت هذه القواعد ـ التي تأسست في روسيا على يد نيكيتا خروشوف بعد وفاة جوزيف ستالين عام 1953، وفي الصين على يد دنغ شياو بينغ بعد وفاة ماو تسي تونغ عام 1976ـ مصممة لمنع توحش الحكم على المستويات العليا من خلال ضمان عدم قدرة الزعيم على تهديد حياة وسلامة زملاءه ومن سبقوه في الحكم. وفي هذا النظام، يمكن إبعاد مسؤول حكومي عن السلطة أو وضعه تحت الإقامة الجبرية، ولكنه لا يتعرض لخطر السجن أو إيقاع الأذى الجسدي به أو بأفراد أسرته.


video

كان وصول بوتين إلى السلطة في عام 1999 راجعا في جزء منه إلى فهمه لهذا التقليد، والأهم من ذلك أنه أبدى قبوله له؛ ولم يختر يلتسين بوتين خليفة له بسبب مواهبه الإدارية البارزة، بل لأن بوتين أكَّد له أنه إذا تولى المسؤولية فإن يلتسين وأسرته سوف يتمتعون بالحماية من أي عقاب قانوني أو سياسي.

في حالة يلتسين، احترم بوتين جانبه من الصفقة؛ ولكنه خلافا لذلك أظهر أقل قدر من ضبط النفس في ملاحقة خصومه. فقد سيق نصير حكم القِلة بوريس بيريزوفسكي إلى المنفى، حيث ظل مُطاردا بشكل مستمر وعُرضة للمضايقات، إلى أن وُجد ميتا في منزله عام 2013، بدعوى أنه قتل نفسه. وجُرد ميخائيل خودوركوفسكي، الملياردير مالك شركة يوكوس للنفط والمنافس المحتمل لبوتين على السلطة السياسية من شركته، وزُج به في السجن، ثم نُفي في وقت لاحق.

وعانى المنافسون والخصوم الأقل بروزا من معاملة أشد قسوة. من بين الأمثلة التي حظيت بتغطية إعلامية مكثفة حالة ضابط المخابرات الروسية المنفي ألكسندر ليتفينينكو الذي توفي في المملكة المتحدة عام 2006 بمرض الإشعاع بعد تسممه بمادة البولونيوم.

وفي هذه الحالة، خلص التحقيق الرسمي في المملكة المتحدة إلى أن بوتين ربما كان على علم بخطة القتل؛ وفي حالات أخرى كان مدى تورط بوتين شخصيا غير معلوم. ولكن الرسالة العامة واضحة، وهي أن بوتين لا يحترم أي قواعد، وأن سطوته وقسوة انتقامه لا تحدها أي قيود، بصرف النظر عن مدى القوة التي ربما كان يتمتع بها الشخص موضع الانتقام في روسيا ذات يوم.

وفي الصين، تبنى شي جين بينغ المعجب الصريح بأساليب بوتين، كتيب قواعد اللعبة الروسي في تعزيزه لسلطته؛ فمنذ سنوات دينغ الأخيرة في السلطة، في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، كان شكل من أشكال القيادة الجماعية داخل الحزب الشيوعي يحكم الصين، في ظل نفس الأعراف غير المكتوبة التي تحمي الأكثر قوة من العقاب. ولكن في عهد شي، أفسحت القيادة الجماعية الطريق لحكم الرجل الواحد، وأحيلت القواعد السلوكية غير المكتوبة إلى الاستيداع.

ومثل بوتين، يستخدم شي تدابير مكافحة الفساد للتخلص من المنافسين وتركيز السلطة في يديه، بل كان أشد قسوة من بوتين في القيام بذلك؛ فقد جرى تطهير وسجن المئات من كبار جنرالات جيش التحرير الشعبي بتهمة الفساد.

علاوة على ذلك، انتهك شي قاعدة الحزب المتمثلة في عدم ملاحقة أعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي بعد إبعادهم من مناصبهم. ولنتأمل هنا مثال تشو يونغ كانغ، رئيس جهاز الأمن الداخلي لفترة طويلة في الصين، والذي سُجِن بتهمة الرشوة، وإفساد سلطة الدولة (بزعم تجميع عدد كبير من العشيقات من حوله)، وتسريب أسرار الدولة. كما سُجن أفراد أسرته أيضا.

video

جاء سقوط تشو بعد فترة وجيزة من محاكمة وسجن بو شي لاي المرشح لعضوية اللجنة الدائمة والذي ربما كان يخطط لانقلاب ضد شي. وكان سجن الرجلين سببا في التعجيل بسقوط شبكة واسعة من كبار القادة، بما في ذلك حكام الأقاليم ورئيس شركة البترول الوطنية الصينية.

من خلال انتهاك قواعد الحزب والاتفاقات غير المكتوبة بين النخبة الحاكمة، بات من الواضح على نحو متزايد أن بوتين وشي يفهمان أنهما من غير الممكن أن يتخليا عن السلطة طواعية أبدا من دون خوف على سلامتهم. وليس من المستغرب إذن أن يقرر بوتين، بعد 17 عاما من الحكم، خوض سباق الانتخابات الرئاسية ـبلا معارضة تقريباـ في مارس/آذار 2018.

بيد أن شي يواجه مشكلة؛ ففي عام 2017، سوف يكمل فترة ولايته الأولى لخمس سنوات، ولا تسمح له القواعد المعمول بها إلا بفترة ولاية أخرى من خمس سنوات. ولأن خمسة من أعضاء اللجنة الدائمة السبعة لابد من إحلالهم في عام 2017، فإن اللحظة ستكون سانحة لخصومه لتحديه من خلال ترشيح خليفة له، ومجرد وجود بديل محتمل قد يكون بمثابة حكم بالإعدام في نظر شي، وخاصة في ضوء الغضب الواسع النطاق ضده داخل الحكومة الصينية.

منذ الانقلاب الفاشل في تركيا، شن أردوغان حملة ضارية ضد من زعم أنهم دبروا له الأمر الذي أدى إلى إنتاج قائمة اعتقال مريحة إلى حد مثير للريبة والتي شملت الآلاف من الساسة والعسكريين والقضائيين، الذين اتهمهم بتهديد حكمه "الديمقراطي".

بيد أن أردوغان يواجه الآن اختيارا شديد الوضوح؛ فإما أن يحذو حذو بوتين وشي على مسار الاستبداد دون عودة، أو يتراجع عن خطواته عائدا نحو الديمقراطية العاملة. وبعد مناصرته من قِبل حتى خصومه السياسيين ضد الانقلاب العسكري، فقد عَرض الشعب التركي اختياره بوضوح.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة