نقد تبرئة الشعوب   
الخميس 5/9/1427 هـ - الموافق 28/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:48 (مكة المكرمة)، 12:48 (غرينتش)
صالح السنوسي


ينصب الاتجاه العام للنقد الذاتي العربي على طرفين, هما السلطة والمثقف بينما لا نكاد نقع على نقد صريح للطرف الثالث الذي نعتقد أنه هو الأهم والمتمثل في الشعب أو الجماعة أو الجماهير وذلك بحسب المصطلح الذي يختاره الباحث.

ففي كل الأحوال إذا ما جرى الحديث عن هذه الجماهير فإن النقد يقدمها على أنها الضحية فقط, سواء كانت ضحية للسلطة أو للمثقف أو للغرب بينما يغض الطرف أو ينسى أن موقف الضحية لا يعفيها من مسؤولية المحاولة للخروج من هذا الوضع.

"
المجرى العادي للأمور يقتضي من أغلبية الجماعة أو الشعب الواعية والمدركة لمصلحتها أن تتصرف تصرفا معينا يكاد يكون تلقائيا مقارنة بتجارب شعوب وجماعات أخرى وجدت نفسها في مواقف مشابهة
"

فالاستكانة له لا تعنى سوى أنها تنتظر معجزة لتخليصها مما هي فيه دون أن تبذل من جانبها محاولات رد الفعل المتوقع في وضع كهذا لتعبر عن رفضها وتنفى عن نفسها مسؤولية الاستكانة والسلبية.

عندما يجرى الحديث عن نقد الوضع العربي وتجلياته, درجت العادة على استبعاد أية مسؤولية لما يطلق عليه الشعب أو الجماهير العربية عما وصل إليه هذا الواقع, رغم أنه في معظم الحالات, كان المجرى العادي للأمور يقتضي من أغلبية هذه الجماعة أو الشعب الواعية والمدركة لمصلحتها, أن تتصرف تصرفا معينا يكاد يكون تلقائيا مقارنة بتجارب شعوب وجماعات أخرى وجدت نفسها في مواقف مشابهة ومحاطة بالظروف نفسها.

ولكن عادة ما يظهر الشعب العربي على المستوى القطري أو القومي مبرأ من المسؤولية في أدبيات النقد العربي، وغدت مقولة الجماهير أو الشعب أداة إجرائية في يد الحكام يرتكبون باسمها المحرمات وينتهكون المقدسات.

لعل مقولة الشعب بمعناها السياسي, الذي يتضمن المشيئة والسيادة العليا والإرادة العامة الحرة, التي تكافئ وتعاقب وتمنح وتمنع, لا تنطبق -في نظرنا– على هذه الجماعة العربية التي هي أقرب إلى الجماعة منها إلى الشعب بالمعنى السالف الذكر.

فهي لم تصل إلى تلك المرحلة التي تستطيع أن تكتسب فيها هذه الصفة لأنها لم تفعل شيئا مما فعلته الجماعات التي نالت صفة الشعب وصارت جديرة بها, بحيث أصبحت جزءا من كينونتها ولا يمكن أن تتصور وجودا لها إذا ما فارقتها هذه الصفة.

لقد ولدت مقولة الشعب والأمة صاحبة السيادة والإرادة العامة بعد مخاض طويل وعسير عانت منه شعوب أوروبا, ضد طغاة وجبارين من الملوك والقياصرة والباباوات المؤلهين.

ولدت هذه المقولة وتجسدت كحقيقة في اللحظة التي أصبحت فيها الجماعة قادرة على صنع الفعل الجماعي وذلك بفضل نشوء هذه الروح لدى غالبية أفرادها المدركين بكيفية أو بأخرى لمصالحهم الشخصية المشتركة.

فلم يكن من المتصور أن تجد الأفكار والقيم والمعاني المتمثلة في سيادة الأمة والعقد الاجتماعي والإرادة العامة أي نجاح أو تجسيد لها على أرض الواقع, لو لم تصبح موضوعا لفعل جماعي من قبل جماعة تتميز غالبية أفرادها بهذه الروح.

"
لعل مقولة الشعب بمعناها السياسي الذي يتضمن المشيئة والسيادة العليا والإرادة العامة الحرة التي تكافئ وتعاقب وتمنح وتمنع, لا تنطبق على هذه الجماعة العربية التي هي أقرب إلى الجماعة منها إلى الشعب بالمعنى السالف الذكر
"
إن غياب هذه الصفة عن الجماعة العربية -كما نعتقد- أي عجزها عن الإتيان بفعل جماعي يرجع في أساسه إلى الفرد الذي ساهمت في تشكيله جملة من العوامل الثقافية والتاريخية فجعلت منه كائنا مهموما بخلاصه الفردي، يعانى من عقدة خوف مزمنة تدفعه دوما إلى الابتعاد عن الدخول في أي فعل جماعي فتكون محصلة ذلك هي عجز غالبية الجماعة عن هذا الفعل الذي يعطى لأي جماعة فاعليتها كقوة متضامنة ومنظمة تتحرك ضمن إطار يحوز رضا واتفاق غالبية أفرادها.

وهذا ما يجعل منها جماعة سياسية لا مجرد تجمع فيزيائي لفصيلة من الكائنات قد لا يجمع بينها سوى أعشاب المرعى فيستطيع أي نمر بمفرده أن يهاجم قطيعا منها ويختار فريسته في الوقت الذي يعدو فيه جميع أفراد القطيع مذعورين وكل منهم يحس غريزيا بأنه هو المستهدف.

لقد أنتجت ثقافة العجز والخوف والخضوع للحاكم والتفكير في الخلاص الفردي, إنسانا انفصاميا بصرف النظر عن وعيه وإدراكه، فهو تارة فرداني أناني متمثلا المثل الشعبي الذي تعلمه منذ الصغر "أخطا رأسي وقص"، أي دعني أنا وافعل ما تشاء بالآخرين, وتارة يكون اجتماعيا يهرع إلى غيره من المذعورين ليساهم في تشكيل ظاهرة الجماعة المستكينة التي يفكر كل فرد منها في نفسه فقط متمثلا كل منهم المثل الذي استقاه منذ طفولته "حط رأسك بين الروس تسلم".

أي أنه لا يتماهى مع الجماعة ويصبح جزءا منها إلا عندما تكون هذه الأخيرة في حالة انصياع واستسلام ولا ينضم إلى الآخر إلا من أجل تكوين جماعة في حالة قطيع وليس في حالة فعل.

لعل الثقافة الشعبية ضمن عوامل أخرى لعبت دورا كبيرا في تشكيل الجهاز المفاهيمي وأدوات وآليات الوعي والإدراك لدى الفرد من حيث أمثالها وأقوالها المأثورة التي تصب جميعها في قناة القيم والمفاهيم التي تحث على الخضوع والصبر واحتمال الضيم وانتظار الفرج حتى إنه لم يعد لدى الأغلبية الساحقة من أفراد الجماعة ما يتمنونه على الحاكم سوى أن يساوي بينهم في الظلم، مرددين نفس المثل وإن بلهجات مختلفة "المساواة في الظلم عدل"، وكأن الجماعة لا تأنف من ظلم الحاكم طالما أن الجميع يرسفون في أغلاله.

"
عندما يصبح فقدان روح الفعل الجماعي هو الصفة السائدة بين غالبية أفراد الجماعة, فإن مجموع هؤلاء لا يمكن أن يشكل جماعة بمعناها السياسي والاجتماعي, بل مجموعة من الأفراد يتصرفون كالقطيع عند ظهور المصاعب والتحديات والأخطار
"
وهذا لاشك يقدم أبلغ صور التناقض، إذ أن معاناة الجماعة بكاملها لا يتولد عنها سوى الشعور بالمساواة, وليس الشعور بقوة التضامن الذي يدفع إلى الفعل الجماعي السياسي المتمثل في التظاهر والإضراب والاعتصام والعصيان المدني وهو الفعل الذي تجسد من خلاله غالبية أفراد الجماعة إرادتها لأجل تحقيق مطالب يعتقدون أنها ضرورية لمصلحتهم جميعا.

إن هذا الفعل لابد أن يتوفر له شرطان، أولهما إدراك الفرد لضرورة المصلحة أو المطلب له وللجماعة، وثانيهما توفر روح الفعل الجماعي لدى هذا الفرد أي استعداده لقبول فكرة المخاطرة والتضحية للمساهمة في تحقيق المطلب الجمعي نظرا لقناعته بأن جزءا من وجوده وكينونته الفردية يرتبطان ارتباطا عضويا بالحالة الجماعية.

غير أن هذا الشرط الأخير لا يبدو أنه متوفر لدى فرد تمت تهيئته ثقافيا ونفسيا من أجل القبول والرضا والخضوع والتفكير في خلاصه الفردي.

عندما يصبح فقدان روح الفعل الجماعي هو الصفة السائدة بين غالبية أفراد الجماعة, فإن مجموع هؤلاء لا يمكن أن يشكل جماعة بمعناها السياسي والاجتماعي, بل مجموعة من الأفراد يجمع بينهم مكان يعيشون فيه بجانب بعضهم ولكنهم يتصرفون كالقطيع عند ظهور المصاعب والتحديات والأخطار.

فيبدون في حالتي الهروب أو الاستسلام عبارة عن مجموعة كل منها يهرب أو يستسلم بمفرده رغم المظهر الجماعي للتصرف.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة